قد علمنا ان العلمانية تعني في معناها الشامل وتعريفها الدقيق الفصل التام بين الدين وشؤون الحياة كلها, فهي توجه كل اهتمام الانسان نحو هذه الدنيا مستبعدة بذلك اي دور للدين, او الحياة الآخرة, من التأثير في تلك الشؤون. والعلمانية كذلك لا صلة لها بالعلم او العالم كما يظن بعض الناس, وهي أعم من قول البعض انها فصل للدين عن السياسة او الدولة . اذكر هذا واشير الى الضجة الكبرى التي شهدتها تركيا في الاسبوع الماضي محتجة بالعلمانية في سبيل منع النائبة البرلمانية المنتخبة مروة قاوقجي من اداء اليمين بسبب ارتدائها غطاء الرأس. وهي الضجة التي تستدعي مفهوما آخر للعلمانية, اختص به العلمانيون الاتراك, حيث تجاوز ذلك المفهوم في فكره وممارساته ذلك المعنى (المتسامح) للعلمانية في المفهوم الغربي, الذي يتيح للانسان حريته الكاملة في معتقده الديني, وملبسه وهيئته... ونحو ذلك, ويعتبرون ذلك داخلا في اطار الحرية الشخصية المكفولة لاي انسان بصرف النظر عن انتمائه العقيدي الديني, او مذهبه الفكري. تذكرنا ممارسات غلاة علمانيي تركيا ومتطرفيهم بالنموذج الشيوعي في اوج طغيانه وتعسفه بل بموقفه الموغل في التشدد, وحساسيته المفرطة تجاه كل ماهو ديني, وهو الموقف الذي يتجاوز استبعاد الدين الى استعدائه بل واعتباره شرا لابد من استئصاله من جذوره. معركة الحجاب... فضيحة علمانية أخرى سلسلة فضائح العلمانية وانتهاكاتها لحقوق الانسان وحرياته الشخصية مستمرة ولعل آخرها تلك الفضيحة المتمثلة في المعركة الكبرى التي لم تكن ساحتها كوسوفو او فلسطين, بل كانت قاعة البرلمان التركي, وبسبب امرأة مارست حقها الطبيعي في اختيار زيها وهيئتها, حيث تصدى لها العلمانيون الاتراك من مدنيين وعسكريين بالتهديد والوعيد. وقعت الواقعة يوم الاحد 2/5/1999 في الجلسة الافتتاحية للبرلمان التركي عندما ضجت اصوات العلمانيين (الاشاوس) تطالب بطرد النائبة مروة قاوقجي من المجلس فورا, لانها دخلت متلبسة بغطاء الرأس بينما بادر نواب (الفضيلة) الى التصفيق للنائبة الجريئة وتحيتها على الالتزام الذي ابدته. في ظل الصخب الذي صاحب الهتاف والهتاف المضاد, اتيحت فرص لتسجيل بعض (المواقف) والاعلان عن الالتزام بمبادىء العلمانية التي ارسى دعائمها اتاتورك. وقد كان اول المبادرين لتسجيل ذلك النوع من المواقف رئيس الوزراء بولند اجاويد الذي قال مذكرا: ان البرلمان ليس مكانا لتحدي قواعد الدولة وباسم اعلى سلطة في الدولة لن يسمح بدخول الحجاب الى البرلمان. وبعد ان رفعت تلك الجلسة ولم تتمكن النائبة مروة من اداء اليمين, دار جدل آخر حول (مشروعية) ارتداء الحجاب من عدمه وشمر عتاة العلمانية عن سواعدهم للبحث عن اجتهادات وتفسيرات للمنع بعدما تبين لهم انه لا وجود لاية مادة تحظر غطاء الرأس. وتصدى احد الجهابذة من نواب حزب الطريق القويم للادلاء بدلوه في هذا الشأن حيث قال: ليس معنى خلو لائحة البرلمان من مادة تحظر الحجاب ان يتاح للنائبة ارتداءه, فاللائحة فرضت على النائب ان يرتدي بدلة وربطة عنق, ولم ترد على ذكر البنطلون, ومع ذلك ليس من المعقول ان يدخل النائب البرلمان بدون بنطلون (البيان 3/5/1999). المثير في الموضوع ان الاشتباك بسبب غطاء الرأس لم يتوقف عند الحد المذكور, بل اخذ ابعادا اخرى عندما فتح المدعي العام في محكمة امن الدولة التركية في انقرة في اليوم التالي تحقيقا فيما اذا كانت النائبة مروة قاوقجي انتهكت (قوانين التحريض على الحقد العرقي والديني) بدخولها الى قاعة البرلمان مرتدية الحجاب في ذلك اليوم المشهود ومن ثم سوف يقرر القضاء التركي ما اذا كانت النائبة ستلاحق قضائيا ام لا, وما اذا كانت اثارت كراهية او عنفا باظهارها الاختلافات القائمة على اساس الطبقة, او الجنس او الدين او العقيدة! كما ثارت حمية اولئك العلمانيين الاشاوس وازدادت غيرتهم وخوفهم على المبادىء العلمانية التي قامت عليها تركيا الحديثة, حيث تصدى كل من وورال صاواش المدعي العام الجمهوري ونوح مته يوكسل المدعي العام لمحاكم امن الدولة بأنهما سوف يتابعان (اخلال) قاوقجي بالقواعد الرسمية للبرلمان واكد صاواش انه سيقيم دعوى ضدها امام محكمة الدستور بموجب المادة 312 من قانون العقوبات التركي لأنها باصرارها على الحجاب تشجع التفرقة العنصرية والانفصالية ومعاداة اسس النظام العلماني القائم (الشرق الاوسط: 4/5/1999). الحجاب... مؤامرة! هذا تحليل آخر اكثر غرابة مما سبق. صاحبه سليمان ديميريل, وقد ذكره في حديث تلفزيوني بعد ان اتهم النائبة مروة قاوقجي بالتحريض. واعتبر اصرارها على ارتداء غطاء الرأس في الجلسة الافتتاحية تحريضا وعملا استفزازيا وتجسسا!! ووصفها بأنها واحدة من العملاء المحرضين الذين شوهدوا في السابق, وان دخولها البرلمان بالحجاب عملية قد خطط لها منذ وقت طويل! وذكر ديميريل بأنه كان قد حذر في السابق من وقوع هذه (العملية) الا ان احدا لم يأخذ تحذيره! لم تقتصر وسائل الاعلام والابواق العلمانية في توسيع دائرة الحريق المفتعل واسهمت بكل ما اوتيت من قوة وقدرة في احداث مزيد من الاثارة والمبالغة في وصف (واقعة الحجاب) , حيث ابرزت الصحف اليسارية والعلمانية ذلك الخبر, وقامت بتضخيمه واستهداف الضحية بشكل يدعو الى الاستغراب, بل والى الحزن والاسى على ما وصلت اليه اوليات اولئك القوم. ومن الاوصاف التي قيلت في النائبة المتمردة على التقاليد العلمانية, وفي تصرفها, بأنه اعتداء على العلمانية وبأنه عمل تخريبي يجب التصدي له بكل حزم وقوة, والغريب كذلك ان تلك الوسائل اهملت الدعوة التي وجهتها النائبة مروة قاوقجي بالتوقف عن الاثارة السلبية لذلك الاشتباك المفتعل, ومناشدتها رجال الصحافة الذين تجمهروا حولها بالا يكونوا اداة بيد اولئك الذين يريدون ضرب (بعضنا بعضا حسب تعبيرها) وقالت: لقد عاشت تركيا مأساة كبرى في هذا المجال عندما منعوني, انا النائبة المنتخبة من قبل ابناء الشعب الذين منحوني اصواتهم وانا بهذا الشكل, من تمثيلهم في البرلمان لخدمة ابناء شعبي ووطني وجمهوريتي, لاسيما ان ذلك حق من حقوق الانسانية التي اقرتها القوانين, والمادة 90 من الدستور, اضافة الى ان حجابي ليس شعارا سياسيا وانما هو نابع من اعتقادي الشخصي, وقد درست وانما بهذا الشكل المحجب هندسة الكمبيوتر في الولايات المتحدة الامريكية. عندما تراجعت الاولويات المشاهد العبثية التي نشاهد فصولها في هذه المرحلة تعكس ازمة كبرى تتعلق بالاولويات العلمانية وهي بتجلياتها المثيرة واضحة في النموذج التركي, حيث تصدرت قائمة اولوياتهم مسائل من قبيل منع الحجاب, وعدم السماح لطلبة الجامعات باطلاق لحاهم واغلاق مدارس تحفيظ القرآن الكريم, ورفع دعوى ضد رئيس الحكومة لانه اقام مأدبة افطار لبعض الشخصيات الدينية حيث (ضبطوا) متلبسين بالجلابيب والعمائم... الى آخر تلك المسائل المشابهة التي احتلت حيزا كبيرا تطلبت جهودا كبيرة, بذلها الغيورون على العلمانية, في سبيل منعها, او الحد منها بسن القوانين اللازمة, او بالبحث عن التفسيرات المطلوبة لسد الثغرات امام الساعين لممارستها. كما انها استدعت في المقابل حشداً من الطرف الآخر حيث بذلت جهود مماثلة لاثبات حقوق الانسان في تلك المسائل بحسبانها اموراً تدخل, اما في نطاق الحريات الشخصية لاي انسان, او في اطار الخصائص التي تشكل الهوية الثقافية للمنتمين اليها. وقد شهدت الساحة التركية خاصة في الأعوام الاخيرة تصاعداً في حدة المواجهة بين حماية العلمانية بفكرها الاستئصالي ودعاة الالتزام بالمظاهر والتعاليم الدينية. يضاف الى تلك الفصول المحزنة, ان تناقضات مفزعة تجري هناك, وفي ظل المنظومة العلمانية, وبدعوة الحرية والديمقراطية, ففي الوقت الذي يتم فيه حظر الحجاب وممارسة اقسى العقوبات بحق الملتزمين به, نجد تشجيعاً لمظاهر العري والتفسخ, بل وترويجا لها. كما انه في الوقت الذي يمنع فيه تعدد الزوجات وفقاً للضوابط التي قررتها الشريعة الاسلامية نجد اباحة اتخاذ الخليلات, بل وتقنيناً لمهنة البغاء! وكما شاهدنا حملات الاغارة على المدارس الدينية ومدارس تحفيظ القرآن شاهدنا في الاسبوع الماضي حملة مضادة ادت الى السماح للحركة الماسونية بممارسة نشاطها العلني في تركيا بعد ان كانت تمارس نشاطها سراً لمدة تقارب مائة عام بل واعتبر رئيس المحفل الماسوني ذلك الحدث بأنه (رد للنور المتصاعد من الشرق والمنبعث ثانية في الغرب بدءاً بأوروبا وبعدها امريكا منيراً الشرق مرة اخرى) وقد قبل العلمانيون دعاة التقدم والحداثة هذا المنطق رغم تفاهته وهذيانه. خلاصة القول ان الاحداث التي شهدتها تركيا في السنوات الاخيرة, وحالة عدم الاستقرار السياسي المستمرة تقدم مثالاً للمأزق الذي يعاني منه الفكر العلماني في الشرق العربي والاسلامي وهو ــ بلا ريب ــ اكثر وضوحاً في النموذج التركي حيث تبدو الحالة العلمانية هناك على الرغم من مرور خمسة وسبعين عاماً على نشأتها, في تخبط وتعثر لم تفلح الشعارات الجذابة من حداثة ومدنية من تخفيف معاناة الناس هناك. ولا شك ان الظلال القاتمة التي تسببت العلمانية في القائها على الساحة التركية هي التي اسهمت في حركة الدعوة المتزايدة بضرورة رجوع تركيا الى الانتماء الشرقي الاسلامي الذي يناسب طبيعتها التاريخية والجغرافية, بل وتلتقي وسماتها الثقافية وهويتها العقائدية.