كانت لندن غارقة في ضبابها المزمن الشهير.. تستجدي شعاع شمس أو خيط رفيع من الضوء يحطم الإحساس بالحبس في صندوق من الرصاص الرمادي الذي سيطر علينا ــ نزار قباني وأنا ــ ونحن نتناول طعام الغداء في مطعم صغير .. ذات يوم من أيام صيف 1997.. آخر صيف في عمر نزار قباني.. وآخر مرة التقينا.. فبعض شهور قليلة.. وفي الربيع التالي رحل.. في الربيع ولد.. وفي الربيع ابتسم للدنيا ابتسامة أخيرة.. ثم غادرها. كنا نتحدث عن شهوة الكتابة الجامحة وهل يمكن أن ينتهى نهمه اليها.. وهل يمكن أن نجبر على رجيم في الكتابة من النوع القاسي وكل ما حولنا يدفع للترهل والسمنة السياسية.. وكان أن أبدى دهشته من الأفكار الخاطئة عنه والتي تسيطر على العقلية العربية ولا تغادرها مهما كشف الضوء القوي ما فيها من ظلام. ولم أشعر بأهمية ما قاله إلا بعد رحيله.. فهناك إصرار على انه قد دخل مخدع المرأة ولم يخرج منه حتى الان.. وليست المرأة تهمة حتى يتبرأ أحد منها.. ولكن.. التهمة هو الإصرار على الخطأ والمتهم على قيد الحياة أو على قيد الموت.. فبعد عام من رحيل نزار قباني لا يزال الذين يتذكرونه والذين يكتبون عنه يكتفون بمعاركه من أجل المرأة وينسون ويتجاهلون معاركه من أجل الوطن.. لا يزالون يتذكرون أنه شاعر العشق والحنين.. لا شاعر يكتب عن الوطن ويقاتل من أجله بالسكين. لقد خرج نزار قباني من (مخدع) المرأة كثيرا الى (خداع) السياسة والهزيمة والهرولة الى اسرائيل.. بل أنه عندما خرج آخر مرة من مخدع المرأة ليتساءل (متى يعلنون وفاة العرب) ــ وهو عنوان قصيدته الشهيرة التي فتحت عليه النيران في آخر سنوات عمره من المحيط الى الخليج ــ لم يتح له أن يعود مرة أخرى اليه.. ومات وهو يحمل سيف المحارب بينما كان عقد الفل الذي يغري به النساء ملقى على الأرض. ان كل كتائب النقد الرسمي كانت تطلق عليه النيران والقنابل المسيلة للدموع وغاز الأعصاب المحرم دوليا لمجرد أنه حاول في قصائده الأخيرة رسم صورة لبلاد العرب.. فيها برلمان من الياسمين.. ولا يتجول فيها العساكر فوق الجبين.. وتكون محررة من كل العقد.. ويكن سرير المواطن فيها ثابت.. ورأسه فيها ثابت.. و(لكنهم أخذوا علبة الرسم مني ولم يسمحوا لي بتصوير الوطن) . لقد حاول نزار قباني أن يمسك بشعره المستحيل ويزرع النخيل..) ولكنهم في بلادي يقصون شعر النخيل) .. ويحاول أن يجعل الخيل أعلى صهيلا..) ولكنهم في بلادي يحتقرون الصهيل) .. إنه وقبل الرحيل عن الدنيا أفاق من هشاشة حلمه (فلا قمر في سماء آريحا.. ولا سمك في مياه الفرات.. ولا قهوة في عدن) .. فالعرب (يرعدون ولا يمطرون.. يدخلون الحروب ولا يخرجون.. يمضغون جلود البلاغة مضغا ولا يهضمون) . وأتذكر أنه في ذلك العشاء الأخير في لندن أبدى دهشته من أن الشيخ يوسف القرضاوي أشاد بقصيدة (المهرولون) ــ التي أثارت غضب المهرولين الى اسرائيل ــ فوق منبر مسجد (عمر بن الخطاب) ــ الذي هو إمامه ــ في الدوحة التي كانت في ذلك الوقت إحدى عواصم المهرولين.. وكان الشيخ مصري الجنسية قطري الموطن قد قال: أنه يختلف مع شعر نزار قباني الحسي.. الغزلي.. الذي يتفنن فيه في إبراز مفاتن المرأة.. ولكنه يوافق على شعره السياسي.. ويعجب به.. ويعتبره محل تقدير.. وجاء تعليق الشيخ بعد أن ألقى على منبر المسجد أبياتا من هذه القصيدة التي حركت ضمير هذه الأمة وساهمت في فرملة الانزلاق من هاوية التطبيع. كان سر دهشة نزار هو ان واحدا من كتيبة كاملة من الشيوخ ــ ظلت تهاجمه على مدى نصف قرن ــ يعترف به مؤخرا ... فقد كان شعره بالنسبة لافراد هذه الكتيبة... القبيلة رجس من عمل الشيطان... وجريمة من جرائم الآداب... وقول فاضح في الطريق العام... يستحق صاحبه الرجم والردم... وكان في سر هذه الدهشة ايضا... ان الذين منحوه وسام المجد السياسي حرموه من وسام المجد العاطفي... وفي الوقت نفسه حدث العكس مع الآخرين... وكأن الذي يكتب عن الحب محرم عليه ان يكتب عن الوطن... والذي يكتب عن الوطن من العار ان يكتب عن الحب... لا احد اعطاه الرغيف كاملا... لا احد تصور ان شعره كان قمرا مستديرا... دائما كان هناك نصف ضوء ونصف سواد. ولعل ذلك هو ما جعله يكرر: ان البعض يرى وجهي من جانبه المضيء فيستريح اليه والبعض الآخر يرى وجهي من جانبه المعتم فيخاف منه... ويؤلمني الشعور بأنه لا يزال هناك من يفرزني خطأ... او من يفهمونني خطأ... او من يذبحونني خطأ... ولو كنت لا اطمح ان تصبح صورتي (موحدة) كصور الحكام المعلقة في دواوين الحكومة والمرسومة على طوابع البريد. فإن كل ما اطالب به الا تتعرض صورتي كشاعر لسوء الفهم والتشويه المتعمد... هذا ما كان يطالب به الشاعر الاكثر انتشارا والاعظم حزنا في العالم العربي... وهو رغبة تحولت بعد رحيله الى وصية... لكن... لا احد نفذ الوصية حتى الذين احبوه وتذكروه في يوم رحيله... فبعضهم حاول ان يمجده على طريقة الدبة التي قتلت صاحبها لتنقذه من ذبابة. ولا جدال ان متاعبه لم تبدأ الا بعد ان تغير لون الخبر الذي يكتب به قصائده... من لون الورق الاخضر الذي يكتب به ابياته العاطفية الناعمة... الى لون الدم الاحمر الذي يكتب به ابياته الوطنية المتفجرة... وقد كانت قصيدته المزروعة بالخناجر والسكاكين (هوامش على دفتر النكسة) هي بداية مشوار الشوك الذي مشى عليه... كانت البيان الذي ضمنه احتجاجه ومعارضته... وقد كتبه في مناخ المرض والهذيان وفقدان الرقابة على اصابعه... (لذلك جاءت بشكل شحنات متقطعة وصدمات كهربائية متلاحقة تشبه صدمات التيار العالي) ... وتؤكد ان كل الاشياء المادية المكسورة قابلة للتعويض ... وانه (وحدها النفس المكسورة هي التي لا يمكن جبرها او لصقها... ووحده القلب الذي لا يمكن ترقيعه) . في ذلك الوقت كنت على عتبة الجامعة وكنت مثلي مثل ملايين الشباب الذي ضربوا لهم موعدا مع القدر وعندما ذهبت في الموعد وجدت الوطن في اجازة... ووجدت بدلا منه في انتظاري مندوبا عن جيش الدفاع الاسرائيلي فرحنا ننسخ القصيدة التي كانت تتناسل كما تتناسل الارانب والتي كان من يحملها كمن يحمل منشورا معاديا لنظام الحكم... وكانت حرزا من احراز قضايا امن الدولة في ذلك الوقت... ومن ثم كان لابد من مصادرتها ومصادرة صاحبه واكثر من ذلك لابد ان تخرج كتيبة النقد الرسمية لتشويه صورته... وكان ان قيل ان هذا الشاعر الذي وهب روحه للشيطان والمرأة وللغزل الفاحش... لا حق له ان (ينجس) بشعره الوطن حتى لو كان مذبوحا وقيل انه هو المسؤول الاول عن الهزيمة... فما نشره من شعر منحل انتج جيلا اكثر انحلالا وقيل انه يركب موجة الوطنية وان ولادته الثورية بعد الهزيمة هي ولادة غير طبيعية... وفيما بعد.. وبدون اسماء... كان الذين هاجموه هم الذين شرحوا جمال عبدالناصر بسبب الهزيمة ولكن بعد ان مات. ولعلي اكشف سرا لو قلت ان الناشر الذكي الحاج محمد مدبولي ارسل الى نزار قباني من يقول له: لا تترك احدا يحرق الجسور بينك وبين جمال عبدالناصر... اكتب اليه شارحا دوافعك النبيلة في كتابة القصيدة فهو زعيم قوي لا يرتعش من قصيدة ولا يخاف من غضب الشعراء وقد سمعت هذه القصة من طرفيها محمد مدبولي ونزار قباني وبالفعل ارسل نزار قباني رسالته الشهيرة الى جمال عبدالناصر والتي قال فيها (واذا كانت صرختي حادة وجارحة فلأن الصرخة تكون بحجم الطعنة والنزيف يكون بمساحة الجرح) لم يكن من بامكاني وبلادي تحترق الوقوف على الحياد فحياد الادب موت له فالذي يحب امته يا سيادة الرئيس يطهر جرحها بالكحول ويكوي ــ اذا لزم الامر ـ المناطق المصابة بالنار ولم يطل صمت جمال عبدالناصر فقد اشر علي الرسالة بأنه لم يقرأ القصيدة الا عندما ارسلها اليه نزار قباني وسمح بتداولها وفتح ابواب مصر لشاعرها وهو ما يعني ان رجال الحاكم هم في الغالب اكثر تزمتا وتشددا منه واقل حرية منه وانه في كثير من الاحيان هو آخر من يعلم واول من يدفع الثمن. وتكرر الهجوم بنفس الاخطاء بعد زيارة الرئيس أنور السادات لاسرائيل.. وهجوم نزار قباني عليها.. وكان في ذلك الوقت قد عرف طريقه الى النشر.. فمنعت مقالاته.. وصودرت المجلات التي تنشرها.. وعاد التشويه المتعمد يطل من حناجر وخناجر الذين ربطوا بين السادات ومصر واعتبروهما ذمة وطنية واحدة.. مرة اخرى كان التشكيك في وطنيته محاصرا بقصائده الوردية عن النساء.. وكأنهم قد وضعوه الى الأبد في زجاجة الحب وختموها بالشمع الاحمر.. ومرة اخرى كان عليه ان يزيل الطين الذي ألقوه على وجهه بنفسه.. وراح ينفخ في قربة ممزقة ويقول:(ان كتابتي عن المرأة لا تعني بشكل من الاشكال انني وقعت معاهدة ابدية مع جسدها.. فالحب عندي عناق للكون.. وعناق للانسان.. والوطن قد يصبح في مرحلة من المراحل عشيقة اجمل من كل العشيقات واغلى من كل العشيقات) . وقد عاد نزار قباني الى مصر بعد رحيل السادات وكتب اجمل الجمل عنها.. كتب:(ان مصر هي حب كبير.. وامرأة استثنائية.. يصبح امامها المنطق عاطلاً عن العمل.. وتصبح الحسابات كلها خطأ ...وتختل كل المعادلات.. ويصبح العشق مولانا وسيدنا) وكتب: انني في مصر اشعر انها تغطيني بشعرها الطويل.. فأتحول الى غمامة يانسون وقرفة في سوق العطارين.. واصبح جملة موسيقية في فم سيد درويش وكتب: كلما وضعت رأسي على كتف مصر اشعر ان وطناً جديدا يتشكل. ليس لي عند مصر مطالب مستحيلة.. كل ما ارجوه منها.. ان تكون وطني. وكتب:(علاقتي مع مصر مثل القضاء والقدر لا يمكن لأحد ان يغيرها او يشوهها.. وانا في كتاباتي افرق بين الانظمة والشعوب.. فالأنظمة قابلة للنقاش والجدل.. اما الشعوب فهي متجذرة في الارض وثابتة في الزمان والمكان) . وتكرر الهجوم بنفس التكتيك ونوع السلاح ومسافة اطلاق الرصاص في منطقة الخليج بعد كل قصيدة كان يحاكم فيها نزار قباني النفط الذي يعتبره مثل ذئب هجم على الامة العربية.. في كل مرة كان يغسل يديه من النفط كان اصحابه هناك يعايرونه بما كتبه عن النساء.. ويتهمونه بارتكاب جرائم العشق.. وهي جرائم كثيرا ما قال نزار قباني انه لا يشعر بالتكفير عنها.. لانها جرائم وهمية.. وانه غير مستعد لشطب تاريخه الشعري غير الوطني.. وغير مستعد ان يضرم النار في كتبه ودفاتره وأثاث بيته والاعتذار عن كلام خزن فيه عواطف جيل كامل من ابناء وبنات هذا الوطن الكبير.. ثم انه (لست انا الذي اخترع الحب حتى اعدم بسببه ولست انا الذي ادار النهد حتى اصلب على رخامه ولست انا الذي ضفر ضفائر النساء حتى اشنق بها.. كل هذه الاشياء كانت موجودة قبل ولادتي فإذا كتبت عنها فلأنها حقيقة كأهرامات مصر واعمدة بعلبك) . والحقيقة البعيدة عن كل خيال ان ما كتبه نزار قباني عن النساء والعشق والغرام هو بريء منه .. فقد كان ينام غالباً بعد العشاء.. وينهض مع اذان الفجر.. لا ليالي حمراء.. ولا صفراء.. ولا زرقاء كما تقول ابنته هدباء.. والذين تعاملوا معه على انه بطل كل قصائده.. وان شعره هو انعكاس لتجاربه قد تجنوا عليه.. ثم انهم يخلطون بين المبدع وشخصياته والا كان من يمثل دور هتلر على المسرح هو سفاح وقاتل بالجملة في الواقع.. وان من تمثل دور غادة الكاميليا لا بد ان تكون قد عاشت في ماخور او كباريه.. والذين يأخذون على نزار قباني جرأته في تناول موضوع الجنس يتناسون ان التراث العربي لم يحرم الكتابة في هذا الموضوع.. وكتاب ألف ليلة وليلة وكتاب طوق الحمامة وكتاب الروض العطر هي كتب تعيد طبعها معظم دور النشر الرسمية ولا يوجد بيت عربي واحد لا يحتفظ بنسخة منها. ولكن.. مهما اخذنا على نزار قباني.. فليس لنا الحق في ان نعامله كنصف رغيف.. او كنصف قمر.. او كنصف شاعر.. نمنحه البركة في النصف الذي يعجبنا من شعره العاطفي والوطني.. ونلعنه على النصف الآخر.. فمقاييس الشعر والفن والابداع غير مقاييس تنقية الطماطم والبطاطس.