بدأ الصراع حول كوسوفو يتضح فقد نجح الناتو في الحفاظ على وحدته, ودخلت عمليات القصف لمدة تجاوزت 43 يوما, في نهاية الطريق سيقبل ميلوسيفيتش بتفاوض يسمح له بقبول الكثير من شروط الناتو, ففي هذه الحالة سيكون القبول بالشروط المطروحة أفضل من استمرار الغارات الجوية . ومع ذلك فإن الثمن الذي دفعته يوغسلافيا والذي دفعته كوسوفو ليس بالثمن العادي, وتوقف القتال لن يعني نهاية المشكلة, هناك في صربيا الكثير من التعصب والعداء لسكان كوسوفو وللغرب, وميلوسيفيتش قد لا يكون مقبولا في المرحلة المقبلة لاعادة تأهيل يوغسلافيا واعادة بناء ما دمرته الحرب, بمعنى آخر بقاء ميلوسيفيتش في الحكم بعد هذه الأحداث لن يكون عاملا مساعدا, كما ان التوجهات لتشجيع التغير في يوغسلافيا قد تنشأ من أوروبا كما ومن الولايات المتحدة. أما مستقبل كوسوفو فيواجه الكثير من الاعباء, فاعادة بناء ما دمرته الحرب سيأخذ الكثير, وفرص اعادة كوسوفو إلى حالتها الطبيعية لن تكون سهلة, بل يجري التفكير الآن في تحويل بعض الخيام التي تستضيف اللاجئين من مقدونيا إلى مساكن مؤقتة من نمط المنازل الجاهزة, كما يجري التفكير في نقل الكثير من اللاجئين إلى ألبانيا, ان العودة إلى كوسوفو لن تكون ممكنة قبل ضمان انسحاب القوات الصربية, وحتى لو تم ذلك فان القرى المحروقة لن تستوعب اللاجئين, لهذا فعملية البناء ستكون عملية طويلة, اضافة إلى ان الجروح التي خلفتها الحرب والآثار المترتبة عليها لن تندمل بسرعة. وفي ظل حرب كوسوفو نجد دورا جديدا لروسيا في متابعة الحل الدبلوماسي, ان أثر الموقف الروسي في هذه الأزمة مرتبط بالوعي, ان حلا دبلوماسيا سيكون المخرج في آخر الطريق فدخول الناتو إلى مناطق كوسوفو يجب ان يرتبط بحل دبلوماسي وإلا تحول وجود الناتو في كوسوفو إلى هدف لقوات صربية من الميلشيات, وفي حالة اعتماد الناتو على حماية جيش التحرير الكوسوفي فسيكون الأمر أصعب وذلك لأن جيش التحرير الكوسوفي يسعى لنيل استقلال كامل لكوسوفو, مما قد يخرج الناتو من حيز التأثير, هكذا يتضح ان الحل العسكري الذي وقع في كوسوفو كان حلا لمشكلة ولكن قصة كوسوفو والصراع ونتائج ذلك ما زالت في طور التطور. الحرب بكل ما ترمز إليه الآن في كوسوفو تعود وتؤكد لنا بأن النظام العالمي الجديد الذي بشر به في نهاية الحرب الباردة يحتوي على الكثير من الحروب والتناقضات, لهذا اخطأت الفرضية التي رأت في نهاية الحرب الباردة نهاية للتاريخ أو نهاية للحرب أو نهاية للفوضى, وبنفس اللغة تخطئ الفرضية التي ترى ان العالم قد يدخل في حرب عالمية ثالثة. العالم في جله في حروب من نمط جديد, انها حروب تؤثر في ملايين الناس وتشارك فيها تحالفات عالمية ودول شتى, كما رأينا في حالة الكويت ثم البوسنة ثم الصومال ثم هايتي ثم في كوسوفو, وتخاض الحروب الجديدة على مراحل وفي ظل تنافر وتنافس وفي ظل تفاهم وتداخل بين لاعبين شتى هذه هي حروب الاحتواء وحروب اعادة التوازن للنظام الدولي. ولكن النتائج ليست مضمونة في هذه الحروب, والنتائج السلبية أكبر من ان تقاس, ففي الصومال كانت النتيجة سلبية, أما في هايتي حيث تم تغيير الرئيس استمرت البلاد تعاني من أزماتها, أما في الكويت فتمت عملية التحرير بنجاح ولكن ثمن احتواء صدام تحول إلى ثمن كبير وإلى سياسة طويلة المدى, وفي كوسوفو ما زالت الحرب مستمرة مع احتمال تحول عملية احتواء ميلوسيفيتش إلى سياسة طويلة المدى. وستكون لهذه الحرب نتائج هامة على الجدل الأمريكي ــ الأمريكي وذلك لأنها تفرض على الأمريكيين حواراً داخليا أكبر, فهل تنطلق الولايات المتحدة من حرب إلى أخرى مستخدمة قوتها مع دول شتى أم تعيد النظر بسياسة التدخل لاطفاء الحرائق في أكثر من مكان؟ وهل تتحول الولايات المتحدة إلى اشراك مزيد من اللاعبين الدوليين وإلي تخفيف التدخل وايصاله إلى حده الأدنى أم تسعى بالاتجاه المعاكس؟ وستجد الولايات المتحدة انها أمام محاولة اعادة رسم تصوراتها, بل ستشهد مزيداً من التيارات الداخلية الضاغطة التي تريد الانكفاء وعدم التدخل وعدم استخدام القوة إلا في أضيق نطاق, هذه التيارات تطرح اليوم قضية العقوبات على العراق وتنتقد استخدام العقوبات على الدول بشكل عام. ولكن وبطبيعة الحال سوف يبرز تيار آخر يدعو إلى زيادة النفقات التسلحية خاصة بعد ان تبين ان الولايات المتحدة بحاجة إلى مزيد من الأسلحة الاستراتيجية من نمط صواريخ الكروز وقاذفات القنابل وحاملات الطائرات, فالقوة الأمريكية اليوم هي أقل من نصف القوة الأمريكية في زمن الحرب الباردة, التياران سوف يكبران وسوف يشكلان بعدا رئيسيا في الساحة الأمريكية, وسوف يكون من الصعب على أي رئيس أمريكي تجاهل التيار الذي يريد دورا عالميا قويا للولايات المتحدة ولكنه لن يستطيع تجاهل القيود العديدة على القرار العسكري الامريكي والتدخل. العالم من حولنا ما زال يتشكل, وهو يتشكل في ظل تنافس بين دول عديدة في التشكيل الجديد ستبقى المحاولات لاحتواء الدول التي تمارس اعمالا مفضوحة بحق الانسان, والتي تقمع الأقليات وتهجر الشعوب, وهناك تحيز واضح في النظام الدولي تجاه الدول الديمقراطية لأنها أكثر تداخلا مع النفسية الثقافية العالمية وهذا سيعني ان الدول التي تميل للعنف الداخلي والدكتاتورية والتي تتجاوز حقوق الانسان ستجد انها تدخل حروبا لا حدود لها. في المستقبل سوف يكون الأساس غير مرتبط بصراع الحضارات ولكن في الصراع بين سلوك الأنظمة, ولكن من جهة أخرى سوف يتداخل هذا مع نشوء ادوار جديدة لدول عديدة: دور لألمانيا في أوروبا, دور لليابان في آسيا, ودور لروسيا في محيطها, ودور للصين في مجالها, الدور الأمريكي العالمي سوف يواجه توازنات أكثر صعوبة, وهذا سيفرض مزيدا من الدبلوماسية وحدودا أكبر على العمليات العسكرية. أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت