في 20 من ديسمبر عام 1993 اعلن في اطار الجمعية العامة للأمم المتحدة عن اليوم العالمي لحرية الصحافة, وقد جاء هذا الاعلان تعبيرا عن اهتمام المجتمع الدولي بقضايا وهموم الصحافة والصحفيين , وتأكيدا لقيمة المهنة ودورها في رقي ونمو المجتمعات, واعترافا في الوقت نفسه بأهمية ممارسة العمل الصحفي وفق اخلاقيات المهنة. فالمغزى الحقيقي لهذا اليوم العالمي هو ادراك ان الصحافة وحريتها أصبحت احدى المقاييس لمدى تقدم المجتمعات واحدى مرتكزات قوة الدولة والمجتمع, فالصحافة الحرة لا توجد الا في مجتمع متقدم والدولة القوية هي التي لا تخشى الصحافة وحريتها والمجتمع المستنير هو ضمانة الصحافة المستنيرة, وكلما زادت القيود الصحفية كان ذلك نتيجة لهشاشة الدولة وتخلف المجتمع وسببا في تكريس الضعف والتخلف ولكن مفهوم الحرية الصحفية نفسه ليس متفقا عليه بالدرجة الكافية في الأوساط الصحفية أو حتى العلمية فقد تنتهك حرية الصحافة باسم الحرية وقديما كانت المجتمعات الشيوعية تمارس أشد انواع التنكيل بالصحافة والصحفيين باسم حماية حرية الصحافة وفي المجتمعات الليبرالية وصلت الصحافة الى حد من الاثارة دفع بالمجتمع نفسه الى المطالبة بتقليص هذه الحرية وضبطها بعد تحولها الى حرية للانحراف وانتهاك الحرمات الشخصية. دلالات اليوم العالمي لحرية الصحافة تأتي هذه المناسبة مشحونة بكثير من الدلالات والمعاني التي تستوجب التوقف عندها وعلى رأسها: 1 ــ دعم كل ما من شأنه تعزيز حرية الصحافة والصحفيين على المستوى العالمي, فالقاعدة هي الحرية والاستثناء هو التنظيم وضبط هذه الحرية, فقد تجاوزت الصحافة والصحفيون مراحل الطفولة والمراهقة الصحفية الى مرحلة النضج الصحفي واحتلت الصحافة مكان الصدارة في المجتمع, واصبح الصحفي مسؤولا اجتماعيا عن تصرفاته وليس في حاجة الى وصاية أو مراقبة من الآخرين كما انه ليس في حاجة الى ان يعمل تحت تهديد من سلطة أو ارهاب من قانون, فالأصل ان الصحفي هو سيد نفسه ولا رقيب عليه الا ضميره وعلى المجتمع والسلطة بكل اشكالها التنفيذية والقضائية والتشريعية دعم سلطة الصحافة والوقوف بجانبها ففي حماية حرية الصحافة حماية لهذه السلطات من نفسها ويتطلب ذلك ما يلي: ــ حسن معاملة الصحفيين سواء من جانب السلطة أو المجتمع والنظر اليهم كأصحاب رسالة لا كموظفين. ــ تزويد الصحفيين بالمعلومات الصحيحة من مصادرها في الوقت المناسب والنظر الى ذلك باعتباره حقا للمجتمع اكثر من كونه حقا للصحفي. ــ النظر الى انتقادات الصحافة لمؤسسات المجتمع وافراده من منطلق حرص الصحافة على كشف الاخطاء وتجويد الاداء. ــ دعم المبادرات الخاصة لاصدار صحف محلية او قومية دون اية قيود او محاذير باستثناء ما يحقق الصالح العام. ــ مواجهة تجاوزات الصحافة بمزيد من حرية الصحافة. ــ اتاحة الفرصة امام الصحفيين الشبان للتدريب والتطوير المهني المستمر لاستيعاب تكنولوجيا العصر. ــ تقدير الكفاءات النادرة من شيوخ الصحفيين الذين ضحوا من اجل تثبيت دعائم المهنة. ــ دعم الاوضاع المادية للصحفيين لتعويضهم عن المعاناة التي يكابدونها يوميا من اجل الوصول الى الحقيقة. 2. الدلالة الثانية لليوم العالمي لحرية الصحافة هي انه يوم للتقييم والنقد الذاتي فاذا كان من حق الصحافة ان تقيم اداء المجتمع فمن الاولى ان تقيم ذاتها وان تبادر بعمليات التطوير من داخلها بدلا من ان يفرض عليها من الخارج ويتطلب التقييم الذاتي التعامل مع هذه التساؤلات: ــ هل تحتاج رسالة المؤسسة الصحفية واهدافها العامة الى مراجعة وهل لا تزال الرسالة والاهداف متسقة مع تطورات العصر ام تعيق هذا التطور؟ ــ ماهي المعايير و القيم الصحفية لانتقاء وكتابة الاخبار؟ ــ هل تسعى الصحافة الى تنوير الرأي العام ام الى تضليله؟ ــ ماذا لو تعرضت مصالح الرأي العام مع مصالح المعلنين الرئيسيين؟ ــ هل اخفت الصحافة الحقائق في يوم ما ولماذا؟ ــ هل تخلط الصحافة بين الخبر والرأي؟ ــ هل تخلط الصحافة بين المادة التحريرية والاعلانية؟ ــ هل تتعمد الصحافة الاثارة من اجل تشويه بعض الشخصيات او المؤسسات لدواعي معينة؟ ــ هل توقفت الصحافة يوما ما عن محاربة الفساد رغم علمها؟ ــ هل رفضت الصحافة نشر الرد الصحفي لمن اسيء لهم او من كانوا موضع انتقاد منها؟ ــ هل تخلفت الصحافة عن متابعة حدث دولي او محلي مهم؟ ــ هل تبنت الصحافة قضايا المجتمع الملحة باسلوب موضوعي وبدافع من الامانة والمسؤولية الصحفية؟ ــ هل تتابع الصحافة تطور اهتمامات واحتياجات القراء من خلال البحث العلمي ام نتجاهل هذه الاهتمامات؟ ــ هل تدخلت الصحافة في مناقشة القضايا المنظورة ام القضاء وهل اثرت على العدالة لصالح احد الاطراف او تعمدت ذلك؟ ــ هل يمنح رئيس التحرير شباب الصحفيين حرية المبادرة ام ان هناك نظما ادارية جامدة تحيل العمل الصحفي الى روتين؟ ــ هل تشجع الصحافة ممارسة الجريمة والعنف من خلال التغطية التفصيلية لحوادث الجرائم والسرقة وغيرها؟ ــ هل تعمل الصحافة لحماية شرع الله في الارض والدعوة لان تكون كلمة الله هي العليا؟ ان هذه الاسئلة في جملتها ليست الا وقفة مع الذات ربما كان على المؤسسات الصحفية خاصة في الوطن العربي المبادرة بها لتمارس الاصلاح والتطوير والنقد الذاتي بدافع منها بدلا من ان تجد نفسها اما متخلفة عن ركب التطور واما مضطرة الى مواكبته فالقانون هو انه من لم يغير سيتغير. 3. يوم للذكرى: لعل احدى الدلالات المهمة لليوم العالمي لحرية الصحافة هو ان نتذكر اولئك الصحفيين الذين عانوا واضطهدوا وفقدوا حياتهم بسبب عملهم الصحفي وليكن هذا اليوم مناسبة لتكريمهم والاشادة باصحاب المبادىء من الصحفيين الذين عرفوا للمهنة قدرها فكانوا نجوما ساطعة مهدت الطريق لصحافة حرة. وهناك على مستوى العالم في عام 1999 عشرات من الصحفيين الذين فقدوا حياتهم دفاعا عن رسالة سامية آمنوا بها ولم يفرطوا فيها مهما كانت الاغراءات. وفي العالم مئات من الصحفيين المضطهدين من السلطة او المجتمع بسبب عقائدهم وافكارهم والتي ربما استفادوا جميعا منها لو اتيحت لهم فرصة التعبير عنها. فالصحافة منتدى حر للآراء والافكار والمعتقدات وهي في ذاتها آلية للتصويب والتعديل وفي العالم مئات من الصحفيين قدموا نماذج صحفية وكتابات خالدة غيرت المجتمع للافضل لا يجب ان تنسى ذكراهم في هذه المناسبة. وكما ان هناك صحفيين ضحوا من اجل المهنة فهناك ايضا صحف يجب ان نصفق لها وان نحترم فيها التزامها بقواعد المهنة واخلاقياتها وحربها على الفساد وعدم التستر عليه حتى اصبحت بحق قاطرة التقدم في مجتمعاتها. اليوم العالمي لحرية الصحافة اذ هو يوم الانتصار للحرية وتقييم نتائجها وتخليد ذكرى ضحاياها. قسم الاتصال الجماهيري ــ جامعة الامارات العربية المتحدة