لا تزال القوى الاستعمارية تتعامل مع الدول الفقيرة في العالم المتخلف على انها اقطاعيات خاصة, تتصرف فيها كما تشاء دون وازع من ضمير أو رادع من تلك الشعارات التي تصدع بها رؤوسنا عن حقوق الانسان وغيرها من الشعارات البراقة , التي لا تزيد قيمتها عن قيمة حبر الكتابة الذي تكتب به أو ثمن الألوان التي ترسم بها على الحوائط. إذا كانت قناة السويس في حاجة الى ثورة مثل ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة زعيم حزب وطني مثل جمال عبد الناصر, وحرب مدمرة مثل حرب 1956 لتنهي وضعها كاقطاعية استعمارية بريطانية فرنسية, فإن قناة بنما كانت في حاجة الى ثورة مثل ثورة زعيم وطني مماثل مثل عمر توريخوس عام 1968 ولتأتي بعدها مفاوضات لم تجد حكومة الرئيس كارتر خلالها بدا من التسليم بمنطق انهاء عهد الاقطاعيات الاستعمارية التي تعود الى القرون الوسطى, وإعادة القناة الشهيرة إلى أهلها, وانهاء فترة الاحتلال التي دامت طويلا, وكانت ولا تزال تقسم دولة وشعب بنما الى نصفين, وتجعل من تلك الدولة مزرعة تابعة لقيادة القوات الأمريكية, التي لم تكن هناك لحراسة القناة من أهلها فقط, ولكنها كانت أيضا معسكرا ثابتا لقوة التدخل السريع المخصصة لردع أي قوى في المنطقة تحاول أن تتحدث عن حقوق شعوبها, التي ليست سوى تطبيق للشعارات التي تزعجنا بها الولايات ووسائل اعلامها ليل نهار. على الرغم من ان الاتفاق الذي وقعه الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر يؤكد على اعادة قناة بنما الى أهلها مع مطلع فجر اليوم الأول من العام ,2000 الا ان الشواهد كلها تؤكد ان الدولة الأعظم في هذا العالم لن تسلم تلك القناة في موعدها كما وعدت وتعهدت, وانها على استعداد لاراقة الدماء من جديد لتغرق بها هذا الاتفاق (التسليم) وتبتلعه, كما فعلت مع عميل المخابرات السابق الجنرال مانويل نورييجا, الذي يرقد حاليا في سجونها معززا مكرما. الولايات المتحدة على استعداد لفعل أي شيء واستخدام أية وسيلة من أجل منع هذا التسليم أو تأجيله, فقد ارتكبت المذابح الرهيبة التي راح ضحيتها الأبرياء أثناء عمليات الانزال المظلية التي قامت بها قبل سنوات للقبض على عميلها السابق تحت شعار القضاء على دكتاتورية الجنرال نورييجا, مع ان هذا الدكتاتور قاد الانقلاب الذي خططت له المخابرات المركزية الأمريكية للتخلص من الصداع الذي كان يمثله النظام الوطني الذي شكله الجنرال عمر توريخوس, وبعد ان نجح نورييجا في مسعاه قررت التخلص منه لأنه حاول أن يلعب مع سادته (لعبة المساواة) عندما تم للولايات المتحدة ما أرادت, ضاربة بعرض الحائط كل القوانين الدولية وغير الدولية, سلمت رئاسة الدولة لأحد عملائها الجدد تحت شعار الديمقراطية. في هذا الاسبوع تمكنت الولايات المتحدة من ابعاد شبح تسليم القناة في موعده المحدد طبقا لاتفاقيات (توريخوس ــ كارتر) , فقد نجحت المرشحة المحافظة المدعومة بالقوى اليمينية المستفيدة من الوجود الامريكي (ميريا موسكوسو) في الانتخابات الرئاسية التي جرت هذا الاسبوع لتكون رأس الجسر الحقيقي لامكانية اعاقة تسليم القناة, أو على الاقل تسليمها بشكل يؤكد بقاء النفوذ الامريكي عليها, او في اسوأ الاحوال عدم تسليمها للمنافس الآخر مارتين توريخوس, ابن الزعيم الوطني الذي اذل الولايات المتحدة وأذاقها مرارة التوقيع على اتفاقية خاصة بانهاء نفوذها في منطقة حيوية لها في وسط امريكا اللاتينية, تعتبر الاولى من نوعها بين القوى العظمى ودولة صغيرة مثل بنما لا يزيد عدد سكانها على مليونين ونصف المليون, أي ان عددهم لا يكاد يوازي عدد سكان احد الاحياء الفقيرة في مدينة امريكية. المرشحة اليمينية الجديدة ميريا موسكوسو كانت زوجة الزعيم اليميني العجوز أرنولفو ارياس الذي اختارته الولايات المتحدة ليكون حارسها المفضل لحماية القناة من شعب بنما, ولكن الجنرال عمر توريخوس انهى احلامه في البقاء في هذا المنصب الامريكي. يأتي نجاح المرشحة اليمينية هذه المرة نجاحا للاستخدام الجيد للوصفة الامريكية المعروفة التي تطبقها بعض البلدان التي تطبق الديمقراطية الغربية في دول العالم المتخلف, فقد كانت اغطية الرأس (صناعة أمريكية) تحمل شعارات المرشحة وتغطي رؤوس ابناء الفقراء في بنما الذين يعيش معظمهم تحت حد الفقر المعترف به دوليا, وكانت مواكبها تطوف الاحياء الفقيرة مع انها تعرف تماما انها مرشحة الاغنياء. حكاية ان الشعب صدقها ومنحها ثقته مسألة مشكوك فيها, لأنه من الثابت فعلا ان تلك الديمقراطيات التي يفرضها الغرب والولايات المتحدة على تلك الدول ليست سوى (ديكور) خارجي يخفي من خلفه مآسي التخلف والفساد والرشوة وحكم المافيات التي تحكم البلاد فعليا. القاء مجرد نظرة سريعة على فترة حكم الرئيس ارنستو بيريث تكشف عن مدى الفساد الذي تحول الى قوانين حقيقية تحكم البلاد, فقد ثبت ان النمو الاقتصادي في بنما خلال العام الاخير كان الاعلى بين معدلات النمو في وسط امريكا, حيث بلغ 3.8%, ولكن هذا النمو لم ينعكس على البلاد في شكل فرص عمل جديدة تفتح المجال امام مئات الآلاف من العاطلين الذين تعج بهم البلاد, وتلقي بهم على ارصفة القناة بحثا عن عمل سريع لمدة ساعة أو ساعتين يمكن من خلالهما توفير الحد الادنى للبقاء على قيد الحياة. هذا الوضع كان ولا يزال مطلوبا, وتعمل الولايات المتحدة على الابقاء عليه حتى تعلو الاصوات مطالبة ببقاء الولايات المتحدة لادارة هذا الشريان الحيوي لمصالحها, لأن هناك دعايات يروج لها عملاء الولايات المتحدة, تقول ان تسليم القناة للحكومة البنمية سوف يعني بالتالي انتقالها الى الادارة الفاسدة التي تمثلها البيروقراطية البنمية الفاسدة, وأيضا ان انتقال الادارة للحكومة البنمية تعني ان تحمل القوات الامريكية عصاها وترحل, فيتم اغلاق معسكراتها المنتشرة بطول القناة, وبالتالي ضياع عشرات الآلاف من فرص العمل التي توفرها تلك القوات في معسكراتها, وإن كانت اجورها رمزية بالمقارنة بالخدمات التي تتلقاها القوات الامريكية من هؤلاء العاملين. أيضا هناك من يطالب بإلغاء اتفاقيات (توريخوس ــ كارتر) لأن بنما لا تملك التكنولوجيا اللازمة لصيانة القناة, مما يهدد وجودها الفعلي ويقلل من أهميتها فتفقد بنما سبب وجودها, وتتحول الى مجرد دويلة صغيرة تفصل ما بين شمال وجنوب الامريكتين. نجاح المرشحة اليمينية زوجة الزعيم اليميني السابق تم (بيعه) للعالم على انه نجاح للديمقراطية على النموط الغربية التي زرعتها الولايات المتحدة هناك بعد عملية الغزو التي قامت بها في عهد الرئيس السابق جورج بوش, لكن المتابع لمسيرة تلك المرأة يكتشف الى اي حد تدخلت الولايات المتحدة وأعدتها للوصول الى هذا المكان الحساس في تلك الفترة الحساسة, التي تعتبر فاصلة في مسألة تعتبرها الولايات المتحدة من اهم ركائز استراتيجيتها تجاه العالم كله وليس في امريكا اللاتينية فحسب, لأن تلك القناة الاستراتيجية تعتبر اقصر الطرق للانتشار الامريكي في الشرق الأقصى. لذلك يعتبر نجاح تلك المرأة في الانتخابات الرئاسية ووجودها في منصب الرئيس عندما يحين موعد تسليم القناة مثيرا للعديد من التساؤلات حول امكانية تنفيذ اتفاقية (توريخوس ـ كارتر) , أم انه سوف يتم تعديلها لتبقي على النفوذ الأمريكي فيها لفترة أخرى, وهناك من يؤكد ان نجاحها وفشل (مارتن توريخوس) أبعد عن بنما شبح تدخل عسكري أمريكي آخر, كان يمكن ان يكون مدمرا حتى يتم منعه من لعب دور أبيه أثناء تسلمه القناة, وتحوله إلى وريث روحي لما تركه الجنرال (عمر توريخوس) في كل أمريكا اللاتينية. كاتب مصري مقيم في اسبانيا