كلما قرأت او سمعت شيئا عربيا عن العولمة, كلما ازددت دهشة للطريقة التي تعالج بها هذه القضية. لا أدري شخصيا لماذا ينبغي ان نسارع الى المعارضة او التأييد كلما وفد الينا شيئا جديدا. فطالما هو آت من فضاءات حضارية مختلفة, وطالما لا نملك حيلة ايقافه او صده, فالواجب يقتضي منا في البداية ان نفهم . نفهم هذه الظاهرة وأبعادها ولماذا وكيف هي موجودة وما الهدف من وجودها. وحين نقول اننا يجب ان نفهم, فذلك لا يعني ان نردد بعض المختصرات او التعريفات السطحية عن هذه الظاهرة او تلك. يعني ان لا نطلب الفهم ممن لم يفهم اصلا, او هو في نفس وضعنا وحالتنا. بل لابد ان نذهب الى مصدر الشيء مباشرة, ونحاول ان نفهمه كما هو في اطاره وبيئته وباللغة المطروح بها. واذا كنا نقول بان العولمة هي بمعنى اخر (امركة) حسب القول الشائع, اي انها نتاج تعميم كوني لقيم ونمط حياة الحضارة الغربية ممثلة في قطبها الابرز, الولايات المتحدة. جاز لنا اذن ان نستنتج بأننا بحاجة الى أحد من بيننا, يكون مختصا في ذلك كله او بعضه. لكن هنا ينبغي علينا ان نسأل, كم هو عدد المختصين العرب في الشؤون الامريكية؟ كم هو عدد الباحثين العرب في مختلف جوانب الحضارة الامريكية من اقتصاد وسياسة وعلم اجتماع واعلام.. الخ. نستطيع ان نقول بأن عدد هؤلاء في أحسن الأحوال لا يتعدى عدد اصابع اليد الواحدة وفي بعض المناطق العربية لا يوجد احد من هؤلاء على الإطلاق. اذا كان الحال هو كذلك, كيف اذن سوف نفهم ظاهرة امريكية كونية مثل ظاهرة العولمة! من سيدلنا على مفاتيحها ومغزاها ومدلولاتها, كي نسمح لأنفسنا بعد ذلك بالوقوف معها او ضدها؟ من سيقول لنا ماذا تعني بالضبط, وكيف يمكن الاستفادة من جوانبها الايجابية وتلافي جوانبها السلبية! لو أن العرب المعاصرين يجيدون حقا التشبه بأسلافهم كما يحلو لهم ان يؤكدوا ذلك دائما, لكان اول ما يفعلونه هو تنشيط عملية الترجمة. والترجمة لا تعني معرفة اللغة فحسب, لكنها تعني اساسا التخصص في شؤون وحياة البلد المعني وهضم ثقافته وتاريخ اناسه. وهذا ما كان يفعله العرب الأولون في تعاملهم مع حضارات الاغريق والهند والصين وغيرها. وهذا ما كان يفعله ايضا الاوروبيون انفسهم في تعاملهم مع الحضارة العربية الاسلامية والحضارات الاخرى. بل لايزالون يفعلونه حتى اليوم, حين يريدون ان يفهموا هذه الظاهرة او تلك, فيبعثون باحثيهم واختصاصييهم الى البلدان المعنية, بما في ذلك البلدان العربية, كي يدرسوا لغتها وأحوال مواطنيها ونمط معيشتهم وتاريخهم. ثم يستخلصون منه ما يريدون وما يساعدهم على الفهم والحكم الصحيح. اما وان حالنا ليس كذلك, فمن العبث والسخرية اقامة كل هذه السرادق من النقاشات والاجتماعات حول العولمة. فهي في افضل الأحوال ليست سوى اضاعة وقت ووقت ثمين في غير محله تماما. الامر الاخر الملفت في النقاش حول العولمة هو ان هناك تصور مسبق عنها بمعنى خلق صورة لها في الذهن مغايرة لما هي عليه في الواقع, او على الاقل صورة مشوشة وغير واضحة. والحال انها تصور على هيئة شيطان ضخم ذي قرون, يدخل الى محل للخزف ويوشك ان يعبث ويحطم كل ما يصادفه امامه بأقل حركة منه. ومبعث هذا التصور في الأغلب هو الخوف من التهديد الذي تشكله العولمة لأنماط الحياة المستقرة نسبيا, وخاصة في جوانبها الروحية. وهو خوف مشروع, اذا لم يبالغ فيه, فكل ظاهرة جديدة تثير في العادة مشاعرا متضاربة في الناس, من التقبل الى الرفض واللامبالاة. وكل ظاهرة تترك اثارها السلبية مثلما الايجابية على المجتمع الذي تفد اليه. لكننا اذا انزلنا كل ذلك الى الواقع فماذا نجد؟ سنجد ان منتجات العولمة منتشرة حولنا وامامنا في الكثير من مجالات حياتنا. فكل المعاملات النقدية ونشاط البنوك والكيفية التي يتم بها التعامل, هي في الواقع احدى منتجات العولمة. ان قدرة الناس مثلا على تحويل الاموال حول العالم بنفس الطريقة والآلية ومن اي مكان يوجدون فيه, ليس شيئا اخر سوى عولمة اقتصادية. وقل الامر نفسه على أنماط اللباس والموضات والعطور والأكل ومختلف الانشطة الحياتية للبشر. كما ان انظمة الاتصالات وانتقال المعلومات والثورة التي نشهدها في مجال البث التلفزيوني, هذه كلها تمثل عولمة معلوماتية. بيد ان الناس حتى هنا لا يشتكون ولا يتبرمون, بل يتقبلون كل ذلك بصدر رحب وبسهولة نادرة احيانا. ربما لان كل ما قيل اعلاه يصب في صالح الانسان ورفاه معيشته. لكن ما بعد ذلك.. وحينما ينتقل الامر الى الافكار والعادات والقيم يبدأ الجدل والبدل كما يقال, وتبدأ الندوات والنقاشات. وهذا امر بديهي لان الناس لا يملكون ادوات اخرى كي يواجهون بها هذا القادم المجهول, الذي يتحداهم كل يوم وفي كل شيء. وفي رأيي ان الخطوة الصحيحة تبدأ بتبديد ذلك التصور المسبق للعولمة. وخلق محله تصورا واقعيا قائما على المعرفة الحقة والادراك السليم. فكثير من الرفض او التأييد انما ينشأ احيانا نتيجة الجهل بالشيء وليس العلم به. واذا كان ذلك ينطبق على كثير من الأمور, فهو ينطبق من باب اولى على العولمة.