ثمة فرصة مهمة يجب استغلالها لاحداث حالة متقدمة من المصالحة العامة في الأجواء العربية والاقليمية, إن على المستوى الداخلي بتبعاته الاقتصادية والاجتماعية, أو على مستوى الدول وعلائقها المتشعبة في أكثر من مجال.ويبدو ان النخب السياسية العربية معنية بقدر كبير بالمساهمة في خلق معطيات وأسس جديدة للحوارات العامة , بهدف الوصول إلى نتاجات تعزز الامكانيات الداخلية لتلقي الألفية الثالثة بشيء من المتانة الذاتية, القادرة على تحليل وفهم متطلبات عصر يتسم تطوره بالسرعة الشديدة التي تتطلب مواكبتها نزوعا وجاهزية للسرعة في الأداء, وقدرة غير اعتيادية للاستماع والانصات للرؤى المختلفة, المتباينة في اطار الخط العام, والخارجة من رحم الواقع الذي تزداد متطلبات مجاراته كلما تقدمت المعرفة وانفجرت جزئيات الثورة المعلوماتية مغطية, بشظاياها مساحات شاسعة من هذا الكون. المطلوب راهناً والتلازم الحاصل بين تراجع الأداء الاقتصادي وضرورة تفعيل المسار السياسي, هو تلازم لم يعد يصنف في خانة الترف الذي لا ضرورة ولا أهمية له, بل ان العكس هو الصحيح والعملي والمطلوب راهنا, كون المفردات العالمية والمصطلحات التي كانت نظرية حين أسدل الستار على الحرب الباردة وبعد تهاوي الخصم الاشتراكي للرأسمالية, وبروز الجانب الاقتصادي - التجاري كفيصل في العلاقات الدولية إثر تراجع التوترات السياسية بين خصوم الأمس... هذه المصطلحات أضحت واقعا عمليا منذ ان تم التوقيع على انشاء منظمة التجارة العالمية, وارتضت أغلبية دول العالم مرجعية المنظمة الفتية في حال أي خلافات تجارية بينها, ووافقت سلفا على تبعات ونتائج الاتفاقيات التي تلغي العديد من القوانين الداخلية التجارية لأي دولة تنضوي تحت يافطة المنظمة وعضويتها. واستدراكا للتبعات هذه, وحيث ان الشروط الدولية الجديدة تدخل في عمق الوطني الداخلي الخاص وتغيره لصالحها, فقد نشبت بعض الحروب التجارية الصغيرة التي تشبه (بروفات) الحروب الكبرى القادمة. فاندلعت حروب الموز والنبيذ بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا, وهيأت اليابان نفسها لمواجهة ضغط أمريكي لا يرحم للحد من العجز في الميزان التجاري المائل لصالح طوكيو, وحذرت الصين الإدارة الأمريكية من ان زيادة الضغوط على بكين لتنفيذ شروط الانضمام لمنظمة التجارة العالمية قد تنعكس سلبا على الشركات الأمريكية التي يسيل لعابها لدخول سوق الصين العملاقة ذات الأكثر من مليار نسمة. والحروب الخفية ضد العالم الثالث, ومنه الدول العربية, ليست استثناء, ما دام حلفاء الأمس قد زيتوا أسلحتهم (التجارية) لمواجهة استحقاقات قادمة تحت يافطة (اقتصاد السوق) العريضة و(العولمة) , كمنهج فرض منذ اعلان مراكش في 1994 (تأسيس منظمة التجارة العالمية), وعلى العالم السير وفق الشروط الجديدة للاقتصاد والتجارة. لكن من يحدد هذه الشروط؟ وكيف يجري الاحتكام لمرجعية المنظمة في الوقت الذي تتسم شروط الانضمام بتفعيل القوانين المنظمة على مقاس الدول الكبرى المؤسسة لهذا التجمع (العولمي)؟ مواجهة الاستحقاقات ما يهم هنا الحالة الاقتصادية - الاجتماعية العربية, باعتبار ان تجلياتها انعكاس لانعدام الوزن وتراجع الأداء الداخلي ليصل في بعض الأحيان حد القطيعة في العلائق, بحيث لا يعرف السائد ما يهمس العوام به من توجس وخوف على مستقبل يتسم بالضبابية في معرفة القادم. وهذه حالة تسجل انعكاساتها في نسب النمو الاقتصادي والتنمية البشرية, بتعريفها الجديد الذي يضع الجوانب الاجتماعية كشرط رئيسي إلى جانب الشروط الأخرى حين يتم قياسها وفقاً للمعايير المتعارف عليها دولياً, وليس انطلاقاً من مبدأ (التهويش) الاعلامي وتحويل كل شيء إلى (ذهب لامع) . ذلك ان المعطيات تؤكد وقائع انحسار ملموس للطبقة الوسطى. هذه الطبقة التي يمكن قراءة الوضع الاقتصادي انطلاقا من نسبتها في المجتمع, ودورها في التحريك الاقتصادي والاجتماعي. فبالرغم من الدعوة التي أطلقها نائب الرئيس الأمريكي (آل جور) منتصف التسعينات, والتي مفادها ان بلاده تسعى لزيادة الطبقة الوسطى في العالم باعتبارها محركا رئيسيا للتجارة العالمية, الا ان السنوات التي أعقبت هذا التصريح شهدت تقلصا ملموسا لدور هذه الطبقة وضمورا واضحا في حجمها, وخاصة في الوطن العربي الذي واجه استحقاقات حروب ومنعطفات أتت على ثروته. ربما يتوجب, الآن, وحيث يجب السير في طريق الشفافية والمكاشفة الداخلية أولا والخارجية تاليا, اعادة المنهجية السابقة في معالجة القضايا المجتمعية, لجهة تحديد الثوابت ووضع برامج عمل تتوزع المسؤوليات فيها على الفعاليات جلها, بما فيها النخب المثقفة التي اتسم دورها خلال السنوات السابقة بالصمت أو التهميش المفتعل. فالنخب ليست إلا الضمير الحي للأمة, وليس هناك من مخرج للمآزق دون مشاركتها في الرأي, وتمحيص رؤاها ومعالجتها بطرق تعيد الاعتبار لدورها التاريخي على مر العصور وفي مختلف المجتمعات. الشفافية, إذن, هي السبيل الأولي الذي لا مفر منه, للولوج إلى معالجات وحلول للمأزوم من القضايا المزدادة تعقيدا وتفريعا, في وقت يهرول فيه العالم نحو الأكثر فاعلية وقوة تمهيدا لولوج قوي ومؤثر في قرن مقبل بتحدياته التي لا تنتهي. * كاتب بحريني