على هامش الاجتماع السنوي للمؤسسات المالية العربية المنعقد بمدينة الدوحة (20 و21 أبريل الماضي), وزعت علينا هذه المؤسسات نسخا من التقرير الاقتصادي العربي الموحد والذي اصدرته هيئات محترمة هي: الامانة العامة لجامعة الدول العربية والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي وصندوق النقد العربي ومنظمة الاقطار العربية المصدرة للبترول . وذلك يدل قطعا على أن هذا التقرير الصادر في 315 صفحة من القطع الكبير يعتبر عملا جليلا ونتيجة مجهودات حميدة بذلها خبراء هذه الهيئات العربية الكبرى, لاعطاء أقصى مايمكن من المعلومات والجداول والمقارنات والاستشرافات المستقبلية عن كل مجالات الاقتصاد والنقد وانعكاسات الاصلاحات المطلوبة ومواقع الخلل الخطيرة وآفاق التعاون الاقتصادي والمالي العربي في العقد المقبل. ومن العجيب ان هذا التقرير البالغ الاهمية لم يحظ من اعلامنا العربي بما يستحق من تحليل, بالرغم من انه يعد كشف حالة للاقتصاد العربي وهو عصب الحياة المعاصرة وضامن حضورنا ــ أو غيابنا ــ على الساحة الدولية. فهو يقدم ــ مثلما جاء في مقدمته ــ صورة عامة واقعية وموحدة على التطورات الاقتصادية التي شهدتها الدول العربية خلال عام 1997, وينطلق من اداء الاقتصاد الدولي والتحديات التي تفرضها المعطيات العالمية الجديدة والطارئة على اقتصادات الدول العربية, ثم ينتقل الى اوضاع الدول العربية اقتصاديا واجتماعيا وزراعيا وصناعيا مع شؤون النفط والطاقة. ويخصص التقرير جزءًا كبيرا لتحليل حالة النقد والعملات واداء المصارف واسواق العملة, كما يتناول التجارة الخارجية والبينية, وينتقل الى موازين المدفوعات والدين العام الخارجي ونظم الصرف, ويتطرق لموضوع هام يعتبره قضية العام وهو قضية التدفقات الاستثمارية الى الدول العربية. تحولات ومخاطر ولعل أبرز محور لهذا التقرير, حتى ولو لم يحظ بالتحليل الضروري, هو محور الاعداد لانشاء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والتي بدأ الاعداد لها عام 1996 وتنتهي اخر مرحلة لها عام 2007. ولا يخفى ان هذه الغاية النبيلة قديمة قدم جامعة الدول العربية لكنها اصطدمت بعراقيل ايديولوجية في الستينات والسبعينات, وعند زوال تلك الانتماءات الاشتراكية والشمولية الاقتصادية والتوجيهية الدولية مع اواخر الثمانينات, شرعت الدول العربية في ظل تيار التحررية الاقتصادية (الليبرالية) في السعي الى تطويع اقتصادياتها لعقيدة السوق وقوانين تحرير التجارة وتنفيذ سياسات الخصخصة وتطوير المبادرة الخاصة, مما عاد بالحركة والحياة على مستوى الدول العربية. ولم يكن ذلك التحول سليما, لا من الاخطاء ولا من الاخطار. فقد تأثرت شرائح اجتماعية عديدة من الطبقات الوسطى والكادحة بهذه التغييرات, وفقدت الدولة سيطرتها على قطاعات الانتاج والنقل والمواصلات, وفي بعض الدول حتى على قطاعات التعليم والصحة. وبالطبع ازدادت ضغوط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي على الحكومات العربية, وتصاعد حجم المديونية الخارجي, لكن الحركة النقدية والمبادرة الحرة تمكنتا من تعديل كفة المجتمعات العربية نحو المزيد من خلق الثروة وتأمين الضروريات. ولم تكن هذه التحولات بمعزل عن الازمة المالية الكبرى التي شهدتها اقتصادات دول جنوب شرقي آسيا والتي كانت مصدر قلق عالمي لما أدت اليه من انهيار كبير لاسعار صرف العملات وقيمة الاصول المالية, والانتشار السريع بين تلك الدول. ويرى التقرير ان تلك الازمة تعزى الى تراكم العجوزات في موازين المدفوعات, وتضخم القيم في اسواق الاوراق المالية وقطاع العقارات نتيجة الحركة المحمومة للنشاط الاقتصادي. ولعل الدول العربية استفادت من العولمة بانتهاج سياسات مالية ونقدية منضبطة ومن الاتساق بين السياسات الاقتصادية والمالية المتبعة وحسن تعاقبها, والتدرج في تحرير القطاع المالي بما يتلاءم مع تطوره وتعزيز القطاع المصرفي والحفاظ على سلامته من خلال تعزيز الرقابة وتحقيق الشفافية. عكس التيار ويفيدنا التقرير بان الاداء الاقتصادي العربي تواصل بمعدل ايجابي للعام الرابع على التوالي فالناتج المحلي الاجمالي للدول العربية مقدما بالدولار ارتفع من 575.7 مليار دولار عام 1996 إلى 598.6 مليار دولار عام 1997, أي بمعدل نمو قدره 4 بالمائة, وذلك بالرغم من هبوط أسعار النفط, ويعزو التقرير هذه النتيجة بالرغم من هبوطها عن مستوى عام 95 إلى سياسات الاصلاح الاقتصادي واتباع نهج التشاور والتعاون فيما بين الدول العربية, بالاضافة إلى الجهود التي بذلتها الدول العربية المصدرة للنفط لتوزيع مصادر ثروتها وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الاجمالي. هذه بعض شجون الشأن الاقتصادي العربي كما جاءت في أعمال الاجتماع السنوي للهيئات المالية العربية, وكما نقلها التقرير العام الذي بين أيدينا. ولعلنا لا نبالغ إذا ما قلنا ان هذا التقرير يعد أهم وثيقة للتكامل الاقتصادي العربي ظهرت على مدى العقد 90 ـ 2000, وانه جدير بالاهتمام والتحليل والنقد, حتى تستمر الهيئات المالية العربية في اصدار هذه التقارير ـ الكشوف سنويا لما فيه خير العالم العربي ونهضته ووحدته. ولا أخفيكم أنني خرجت من مطالعة التقرير بفكرة غريبة نوعا ما, وهي ان العالم العربي وحده يسعى مع الأسف نحو التفكك, وان التكتلات الاقليمية الأخرى تسعى إلى الوحدة, وهذه قضية سياسية وليست اقتصادية ولا نقدية.