هل انتهت الشيوعية وصارت في ذمة التاريخ إلى الأبد؟مثل هذا السؤال يطرح عادة مقرونا بنهاية الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى على رأس تحالف ايديولوجي يسترشد بالنظرية الماركسية في مواجهة تحالف ايديولوجي منافس يعتمد الرأسمالية كمنهج نظري . وهذا خطأ. فالماركسية دليل فلسفي نظري تجريدي, بينما الاتحاد السوفييتي بنيوي ملموس اختار بناته اقامته مسترشدين بأفكار معينة في الهندسة الفكرية, وبعد فان النظرية الماركسية سابقة زمانيا على الأحداث والتطورات التاريخية التي أفرزت قيام الاتحاد السوفييتي عند نهاية الحرب العالمية الأولى. وخير من شرح هذا الفارق هو المفكر الاقتصادي الأمريكي المعاصر (جون جالبريث) . سئل جالبريث في مقابلة صحفية في أوائل التسعينات في أعقاب انهيار السوفييتي: هل يعني ذلك نهاية الشيوعية. قال المفكر الاقتصادي ان الجوهر الارتكازي للنظرية الماركسية هو التعبير عن الظلم الاجتماعي في أي مجتمع بشرى وتحليل حالة الظلم علميا ومن ثم رسم طرائق الخلاص الجماعي, وتأسيسا على ذلك فان الماركسية, يواصل جالبريث, هي دعوة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بصرف النظر عن مفهوم كارل ماركس لمعنى العدالة الاجتماعية. ويمضي جالبريث إلى القول ان الظلم الاجتماعي يبلغ أعلى ذراه في المجتمع الرأسمالي المتقدم, وهنا يفاجئنا بالقول انه لا يوجد شيء اسمه (النظام الرأسمالي) ما هي الرأسمالية إذن؟ يجيب جالبريث بأنها هي الطبيعة البشرية وما جبلت عليه غريزيا من الأنانية وحب الاقتناء واستغلال الآخر طالما كان ذلك ممكنا, والأنانية وحب الاقتناء الذاتي والنزعة الاستغلالية هي مترادفات بالتشابه يمكن تلخيصها في عبارة واحدة: تحقيق الربح بأية وسيلة. الرأسمالية اذن ليست نظرية كاملة وشاملة, هي فقط محاولة لترتيب واقع بشري قائم فعلا لصالح الأقوى ماليا, هكذا يعلن جالبريث. وبالطبع فانه ازاء مثل هذا الواقع لابد ان تقع ردات فعل متتالية مبنية على رفضه. هذا (الرفض) ــ يقول جالبريث ــ هو الذي يفرز في النهاية أفكارا نظرية للتغيير, هذا هو الاطار الأوسع الذي تقع فيه النظرية الماركسية مع نظريات أخرى, وبعضها ديني. كيف يمكن تنزيل هذا الطرح على أرض الواقع العالمي المعاصر؟ لقد انهار المعسكر الاشتراكي وقوته العظمى القائدة في العالم, وربما لهذا السبب ينسى الناس اسم ماركس والماركسية بقدر ما ينسى الناس اسم ماركس وجوزيف ستالين ونيكيتا خروتشوف, لكن معنى ذلك هو ذهاب الظلم العالمي؟ قد يختلف الناس في تحليل الظلم على مستوى المجتمع الواحد, لكن يتبلور شبه اجماع حتى بين المفكرين في المجتمعات الغربية المتقدمة على أسباب الظلم العالمي الناتج عن (الفارق الطبقي) بين شمال العالم وجنوبه. وفي كل الأحوال هناك اجماع بالكامل حول الحقيقة الواقعة بغض النظر عن تحليل أسبابها,تلك الحقيقة التي تفيدنا بأن متوسط دخل الفرد الشهري في العالم الصناعي يتجاوز ألفي دولار في مقابل دخل لا يتجاوز دولارين في أجزاء من العالم النامي, وبأن ملياري شخص في العالم المتخلف لا يتوفر لهم الماء النقي. هذا (الفارق الطبقي) نشأ عن الأنانية وحب الاقتناء, والسيطرة الاستغلالية لجزء من العالم على الجزء الآخر, ولا تحتاج لأن تكون شيوعيا لتدرك هذا الظلم ومن ثم تنفعل به. وبعد فان جون جالبريث ذلك المفكر الاقتصادي الأمريكية الليبرالي الذي وضع كتاب (الرأسمالية الأمريكي: مفهوم القوى المستترة) يقول: لا يهم ان تكون الشيوعية ذهبت أو بقيت, فسوف يبرز في كل عصر من يبشر بالخلاص من الظلم الاجتماعي طالما بقيت الطبيعة البشرية على حالها من الانانية الغريزية.