وبصرف النظر عن الثارات التاريخية بين الصين واليابان فقد أصبح من حق كل من القوتين العظميين في آسيا أن تفكر في الأدوار التي تنتظرها مع حلول القرن المقبل في ضوء الخلخلة الاقليمية والفراغ السياسي الناتج عن زوال الديناصور السوفييتي الذي كان خلال رحلته الأخيرة الى الصين , كان الرئيس الأمريكي كلينتون في غاية السخاء ــ خطابيا على الاقل ــ مع مضيفيه في بكين. لقد شهدت محادثات الميدان السماوي في عاصمة الصين الشعبية محاولات شد وجذب كثيرة كان في مقدمتها التعامل مع البنود المدرجة على اجندة المهام والمشاكل.. والطموحات التي جاء بها الأمريكي الزائر القادم من واشنطن, في مقدمة هذه البنود ما يتعلق بانفتاح السوق الصينية وحجمها ــ كما انها سلفا ــ تزيد على مليار وخمس المليار من البشر لو استهلك كل واحد منهم ــ جدلا ــ سروالا واحدا من الجينز أو مضغ علكة من اللبان الأمريكي ذي النكهة الطبيعية كما تنقل الاعلانات او اشترى صامولة (برغى) من منتوجات أشهر جنرالات أمريكا وهو جنرال اليكتريك لو فعل كل صيني شيئا من هذا القبيل لوجدت كل أدواء الاقتصاد الأمريكي المزمنة طريقها الى الشفاء الناجح الناجز باذن الرحمن. السياسة بيع وشراء من ناحية اخرى كان على اجندة المحادثات الأمريكية الصينية قضايا تحمل عنوانا شهيرا هو: .. حقوق الانسان والحريات الاساسية جاء بها الرئيس الأمريكي الزائر لارضاء لوبي ــ حقوق الانسان في امريكا ــ تماما كما جاء بقضايا الاقتصاد في مقدمة بنود الاجندة لارضاء لوبي ــ المصالح التجارية والفعاليات الانتاجية والاحتكارات الاقتصادية في الولايات المتحدة. ولانه ليس هناك شىء بغير مقابل ــ ولاسيما في دنيا العلاقات الدولية, ولانه لا يوجد شىء اسمه غداء مجاني (فرى لنش) كما يقول التعبير الأمريكي المآثور ــ فقد اشترى الرئيس الأمريكي ــ كما تدل الشواهد التي بين أيدينا وعودا من قادة الصين بمزيد من فتح السوق في بلادهم, ومزيد من التجاوز عن حصص الاستيراد المقررة من الاسواق الأمريكية ومزيد من رفع قيود الحمائية والتخلي ــ ما أمكن ــ عن القيود المفروضة على الاستيراد من واشنطن واخواتها ــ اشترى السيد بيل هذه المكاسب الموعودة و(باع) لمضيفيه الصينيين في المقابل قضية بقضها وقضيضها تحمل لافتة طالما كانت مثار صراع بين اطراف شتى منذ اول الخمسينات وعبر عقوداً ثلاثة او تقل قليلا. واللافتة هي تايوان: وضعية تايوان ومركزها في اطار مفاوضات, ومن ثم علاقات واشنطن ــ ببكين. السباحة ضد المنطق وتايوان هي جزيرة فورموزا ــ التي تواجه البر الصيني او هي الصين الشعبية الام. لكن تايوان اعلنت نفسها دولة واقامت حدودها صناعية, وأصبحت, بفضل رؤوس الاموال الامريكية وكذلك بفضل جهود سكانها من عناصر (الصين الوطنية كما يسمونهم ــ اصبحت واحدا من النمور الآسيوية او هكذا كانوا يوصفون بالأمس القريب وقبل ان تدهمهم الازمة الاقتصادية الآسيوية التي سارت بذكرها ومآسيا الركبان. في كلمة واحدة ــ باع الامريكي الكبير الزائر قضية تايوان بيع السماح كما يقولون قال الرئىس كلينتون في خطبة علنية القاها في عاصمة الصين مايلي: ـ نحن لا نؤيد استقلال تايوان ولانريد ان نرى صينين, دع عنك ان نرى تايوان واحدة او صين واحدة. ونحن لا نعتقد ايضا ان من حق تايوان ان تكون عضوا في اي منظمة يكون من شروط عضويتها ان يتمتع العضو بمركز الدولة. عن الافيال والحشائش وبالمناسبة, فان تعبير بيع مسألة تايوان او تقديمها قربانا على مذبح علاقات العملاقين الامريكي والصيني (والويل كل الويل للصغار اذا ما تواجدوا على موائد الكبار.. انهم يباعون او يطردون واحيانا يسحقون في سبيل مصالح العمالقة) وكم هي بليغة تلك الحكم الافريقية القديمة التي تقول: ان صراع الافيال لايضر احدا غير حشائش الغابة التي تدوسها وتسحقها اقدام الافيال نعم. ان تعبير البيع استخدمه مثلما استخدمناه السيد (باريس شانج) وهو برلماني بارز وسياسي حزبي كبير في تايوان حين اتهم الرئىس كلينتون علنا بانه باع تايوان خلال زيارته الاخيرة الى الصين. ولقد جاء هذا التصريح صريحا وان جاء منضبطا لا يعبر عن حنق المسؤولين في تايوان دون ان يعكس شعورهم الحقيقي او الدفين وهو شعور بالوجل والتوجس الشديد ازاء احتمالات المستقبل. كيف لا وقد قرأوا تصريحا لمصدر رفيع في الصين (الأم) نشرته جريدة (الصين اليوم) وجاء فيه: ـ ان تعليقات الرئىس كلينتون بشأن تايوان من شأنها ـ في رأي بيجين ـ ان تخلق ظروفا مواتية لحل قضية تايوان وطبعا ينصرف تعبير المواتاة الى مصلحة الصين الشعبية وعلى حساب تايوان التي بات المراقبون والمحللون السياسيون يخشون من ان وضعيتها المحفوفة بالخطر وتخلي امريكا الرسمية ـ الرئاسية عنها لصالح الصين الاكبر ـ من شأنه ان يفضي الى وضع تايوان في (عقلية الحصار) مما قد يدفع قيادتها او جماهيرها او الطرفين معا الى الاقدام على خطوات غير محسوبة قد تؤدي بدورها الى زعزعة الاستقرار في ذلك الركن الاستراتيجي الهام من منطقة جنوب شرقي آسيا. تايوان تبحث عن غواصات هؤلاء المحللون السياسيون لايصدرون عن مجرد تخوفات ولاهم يضربون ــ حدسا او تخمينا ــ في بوادي التكهنات, ثمة جهود جارية حاليا في تايوان على أكثر من قدم واكثر من ساق لبناء سلاح طيران متطور يقوم على اساس هياكل صناعية محلية.. وقد اعترفت جريدة (الصين الحرة ـ فرى تشاينا جورنال) كبرى جرائد الجزيرة ـ بان هذه الجهود الرامية الى توطين او تدجين صناعة الطائرات تهدف ـ في التحليل الاخير ــ الى تخطى أي عقبات قد تصادفها تايوان في مجال الحصول على الطائرات ومستلزماتها بما قد تقتضيه دواعي الدفاع عن نفسها ازاء اخطار تأتي من الخارج (ونستطيع من جانبنا ان نترجم عبارة من الخارج على انها من جانب البر الصيني أو الصين الأم, حيث جمهورية الصين الشعبية أو الشيوعية ــ سيّان). أكثر من هذا, هناك دعوة الى ان تشرع تايوان ــ بوصفها الدولة ــ الجزيرة, في بناء أو استحداث سلاح الغواصات الذي ستطلب الجزيرة مستلزماته التكنولوجية من دول خارج حدودها. وقد يستطيع المراقب السياسي ان يتأمل أكثر من درس مستفاد من مجمل هذه التطورات في سياسات الولايات المتحدة في الطرف الاقصى من جنوب شرقي آسيا, لقد ظل فورموزا أو تايوان هي الكيان المدلل بالنسبة للاستراتيجية الامريكية تجاه شرقي آسيا. وعندما خسر عميلهم الجنرال شانج كاي تشيك من بر الصين ومعه انصاره عابرين البحر الصيني الى جزيرة فورموزا ظلت امريكا تسبح ضد المنطق والرشد وقوانين الكومن ستس أو هي بديهيات الاشياء.. أو المفهومية كما يقول ابناء البلد المصريون في بعض الاحيان, يومها ومن أواخر الاربعينات الى أواخر السبعينات ظلوا ـ عبر 30 سنة ــ يحجزون المقعد الصيني في مجلس الأمن وهو مقعد الدولة العظمى المتمتعة بحق النقض (الفيتو) لحساب جزيرة فورموزا ــ تايوان التافهة بالنسبة لكيان الصين الأم التي لم يشفع لها حجم سكانها الملياري ولا جسامة التغيرات الجذرية الكاسحة التي طرأت عليها أيام زعمائها الكبار ماو وشوين لاي ودنج هيساو وغيرهم, بل ظلت الصين الأم أو الصين الكبرى مبعدة عن مقعدها الطبيعي في مجلس الأمن, وبالتالي عن عضويتها الطبيعية الواجبة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لماذا؟ لأن السادة الامريكان لم يمنحوها بركات اعترافهم بها. وعندما اعترف بالصين الشعبية زعيم ناشىء في العالم الثالث اسمه جمال عبدالناصر وكان ذلك في أواسط الخمسينات.. جاء اعترافه خطوة رائدة بالغة الجسارة, وكانت بالقطع نقطة محسوبة عليه لأنه تجاسر بشجاعة فكرية وبصيرة سياسية على ان يعترف بالصين الأم بوصفها الممثل الحقيقي لشعب الصين. من هنا يحق للمراقب السياسي ان يتدبر مليا في امر العلاقات بين تايوان وامريكا بوصفها أبلغ تجسيد حي وبليغ للمقولة البديهية التي يتعلمها دارسو العلوم السياسية والعلاقات الدولية منذ أول جلوسهم الى مقاعد التحصيل وهي: ــ (ليس في السياسة صداقات دائمة, ولا في السياسة عداوات دائمة, بل في السياسة باستمرار مصالح دائمة) ماذا عن اليابان؟ ثم ان هناك اليابان.. وما أدراك؟ كانت الحليف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة عبر عقود شتى حيث تطورت هذه العلاقة من عهد الاحتلال الامريكي لليابان في أعقاب الحرب الكونية الثانية وما تلاها من شروط الاستسلام المهين (والويل للمهزوم باستمرار) تلك التي املاها على طوكيو الجنرال الامريكي الشهير ماك آرثر, ومرورا بتيارات الامركة التي عصفت باليابان مع عقد الخمسينات الى ان انتبه مارد الابداع الياباني من غفوته فاذا به يتحول بشعبه من طور الخاضع الى طور المتابع ومنه الى طور المقلد المتبع ومن ثم الى طور المبدع الجاد المجتهد في مضمار الاجادة والاتقان. ورغم ان لأهل الاقتصاد الامريكان ما يشكون منه ازاء انغلاقية السوق اليابانية وعدم ترحيبها بالصادرات الامريكية, الا ان علاقات اليابان ـ امريكا كانت تعد في حكم الاولويات الاستراتيجية في كلتا العاصمتين واشنطن وطوكيو الى ان جاءت زيارة كلينتون الاخيرة للصين وهي الغريم التاريخي لليابان او هي المنافس الاول والمنطقي ايضا مع اليابان على مصائر ومقاليد الاطراف والاصقاع الشرقية من قارة اسيا المترامية الاطراف.. وبصرف النظر عن الثارات القديمة والاحتكاكات والمصادمات التاريخية بين الصين واليابان فقد اصبح من حق كل من القوتين العظميين في اسيا ان تجول بالنظر في محيطها المباشر وتفكر مليا في الادوار التي تنظرها مع حلول القرن الجديد وخاصة في ضوء الخلخلة الاقليمية والفراغ السياسي التي نتجت عن زوال الديناصور السوفييتي والذي كان حقاً عليه مصير كل ديناصور وهو الانقراض الى خارج التاريخ. ورغم ان اليابانيين قوم مهذبون, او يتعمدون ان يظهروا بهذا المظهر من حيث الدماثة ورقة الحاشية, الا انهم لم يفتهم اكثر من رسالة بعث بها الى عناوينهم الرئيس كلينتون في رحلته الاخيرة الى الشرق الاسيوي الاقصى, على غير عادة اهل البيت الابيض, طار الرئيس الامريكي الى عاصمة الصين وعاد منها بشكل مباشر دون ان (يكلف خاطره) بالمرور على اليابان وكأنه يخرق بهذا القاعدة المتعارف عليها وتقول: ما الحب الا للحبيب الاول. مرارة في حلق طوكيو لكن هاهو العاشق الامريكي يمضي في الصين 9 ايام بالتمام والكمال دون ان يمضي في اليابان ولو حتى يوماً واحداً وهو الامر الذي رفع الحرارة في بورصة التكهنات المتعلقة بمستقبل العلاقات اليابانية ــ الامريكية وقد عبر عن هذا الاتجاه (المسوشى كوسي) المحلل السياسي الكبير في طوكيو حين قال: في ضوء حقيقة هذه الايام التسعة فضلا عن طبيعة زيارة الرئيس كلينتون ذاتها للصين, ناهيك عما رشح من معلومات عن اتساع المناقشات كيما تشمل قضايا الاقتصاد والتبادل التجاري ومسائل المال والمشاريع والاعمال (البيزنس) فإن هذا كله لابد وان يعطي للقيادات اليابانية من العلائم والمؤشرات مايفيد بان امريكا جادة كل الجد في تعميق علاقاتها مع الصين وربما زاد الطين بلة ذلك التعليق الذي تفوه به الرئيس كلينتون خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الصيني المضيف قال كلينتون بالفم المليان: ان امريكا والصين سوف تفعلان ما في وسعهما من اجل اعادة الثقة في الاقتصاد .. الياباني وقد احدث هذا التعليق قدرا كبيرا من المرارة في الاوساط اليابانية بعد ان وصفه البروفيسور الامريكي هارفي سيشرمان رئيس معهد بحوث السياسة الخارجية فقال. تلك هي المرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية التي تشارك فيها امريكا والصين جنبا الى جنب في توجيه النقد جهارا نهارا الى اليابان ورغم الغصة التي وجدت طريقها الى حلوق الساسة اليابانيين الا انهم تدرعوا بالادب التقليدي المآثور في اعرافهم من جهة في حين استطاعوا بثاقب النظر وتحليل الامور ان يضعوا اناملهم الرفيعة الناحلة على جوهر ما تستهدفه سياسة امريكا الحالية من جهة اخرى. لقد ادركوا ان امريكا تمارس لعبة ضرب الجار بالجار او التفرقة بين عملاقين يتعايشان في منطقة اقليمية واحدة وهما في هذه الحالة الصين واليابان. وفي هذه الخصوص فإن جريدة مانيشى شمبون اليابانية تنقل عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية اليابانية القول بان ثمة قلقا متزايدا في طوكيو بان امريكا قد تحاول استخدام ورقتين في يدها لزوم اللعب على جبهتين في وقت واحد ورقة اسمها الصين واخرى اسمها اليابان. نفس الصحيفة تنشر دراسة بعنوان: (التماس سبل التعايش) حول اول رحلة للرئيس كلينتون الى الصين ومن اهم ماجاء في تلك الدراسة, عبارات تقول لو استمرت واشنطن في اتباع مثل هذه السياسة المتساوية الابعاد في علاقاتها فقد لاتجد طوكيو مناصا من ان تعيد النظر في استراتيجيتها وان تصبح قوة عظمى (سوبر باور) بحيث يكون بوسعها ان تقف في مواجهة كل من الولايات المتحدة والصين) . انتهى الكلام الياباني وهو لعمرنا كلام خطير. * كاتب سياسي من مصر