أذكر أن أحد مدراء الادارات المحلية في مدينة دبي واثناء احدى المحاضرات حول ممارسات الجودة الادارية ذكر في معرض حديثه شيئا عن التواصل الضروري بين المؤسسة, وعملائها, وأهمية معرفة رأيهم في خدمات المؤسسة وقد حصر هذه القضية تحت عنوان خطير وهام هو: احترام الرأي الآخر . ذاكرا من جملة آليات تنفيذ هذا المبدأ ظاهرة صندوق الشكاوى أو الاقتراحات الذي نلمحه في بعض المؤسسات والشركات. وكان مما نوه إليه هذا المدير ان أحدا من عملاء المؤسسة أو المترددين عليها لم يتجاوب مع فكرة الصندوق, فالادارة لم تلاحظ وجود رسائل شكاوى أو اقتراحات طوال فترة طويلة. لنفكر معا بصوت عال: لماذا لم تتجاوب الجماهير مع فكرة الصندوق في هذه المؤسسة؟ ولنكن منصفين أكثر: من منا يفكر فعلا بان يكتب شكوى أو اقتراحا او ملاحظة على خدمات المؤسسة أو الدائرة أو حتى الجمعية التعاونية التي يتعامل معها ثم يقدمها بكل ثقة واطمئنان لهذه الادارات عبر الصندوق؟ ولنعترف بصوت عالٍ ايضاً: لا أحد يفكر في ذلك إلا فيما ندر! اما لماذا؟ فهو السؤال الأكثر أهمية في القضية كلها, فإذا اجبنا عنه فقد لا نحتاج الى صناديق شكاوى وملاحظات بعد ذلك ابدا. القضية في مجملها تنحصر في مبدأ (احترام الرأي الآخر) الذي تحدث عنه مدير الادارة, فقد يكون من الضروري ان نضع ايدينا على اصل الداء كي نختصر الكثير من التنظير والبحث فيما لا ضرورة له, فلا يحتاج الأمر الى بحث حينما تتعلق القضية بابداء الرأي والاختلاف في بيئة العالم العربي, ذلك ان مواطن هذا العالم لم يترب منذ كان طفلا على أنه انسان مستقل له حقوق الانسان التي لاتمس والتي أهمها حق التعبير, ففي كل مراحل تربيته, ينشأ هذا الانسان على مبدأ الخضوع لرأي الكبار! والكبار هنا تحتمل الكثير!! وعليه فقد تربى على الا يفتح فمه في حضرة الكبار لان ذلك (عيب) والا ينتقد أمراً لان ذلك (ضد الذوق), والا يبدي اعجابه أو حبه أو انبهاره بالاشخاص أو الاشياء التي تدعو لذلك, فكل ذلك يمكن ان يفسر على انك (فارغ العين أو عديم النعمة), وفي المدرسة يصبح من المحرمات ان تخالف معلمك أو تحتج على امر خاطىء بدر منه فذلك قمة (سوء الادب) ثم عندما تصبح موظفا فعليك أن تصبح رقما لا أكثر من جملة اعداد الموظفين غير مطلوب منك ان تتحدث فيما يجب ومالا يجب وفي امر الصواب والخطأ, فأول الطريق الى انهاء خدماتك أو غضب رؤسائك هو ان تحمل في دمك (جرثومة) الرأي المخالف لما هو سائد! هكذا نتربى في معظم حالاتنا العربية ان لم يكن في مجملها, وعليه فإننا غير مؤهلين نفسيا أو تربويا على إن نفعل او نسير في الاتجاه المعاكس لاصول هذه التربية, ومن هنا يأتي تعاطينا السلبي مع استفتاءات الرأي حول القضايا الهامة, ومع صفحات الرأي في الصحف وبرامج البث المباشر وصناديق الاقتراحات والشكاوى و... الخ. لكننا في الوقت ذاته نكون اكثر شعوب الدنيا تفاعلا مع استفتاءات النجم العربي الاول ومطربة العرب الاولى, وبرامج سباق الاغاني و(ممكن اشارك) وصناديق سحوبات الجوائز الضخمة, وفوازير رمضان, فهذه كلها لا تحتاج الى رأي ولا تكلفك ثمن المجازفة بالرأي الآخر. نحتاج اعلاما (صحافة بالتحديد) تفتح للانسان بابا واسعا لابداء الرأي الآخر بعيدا عن سلطة الرقيب, فلابد لاحد ان يعلق الجرس لينتشر بين الناس وعي آخر وتوجه آخر يقول بقوة واختصار ان الرأي الآخر ضرورة ومكسب وطني, وطريق آخر لتحرر الانسان من سلطات وهمية مزروعة في داخله ولابد ان يتخلص منها, ومن سيغضبه هذا الرأي الآخر من المعنيين فتلك مشكلته, وان كنت اعتقد بان الخلاف خير كله كماهو معروف في ديننا الاسلامي.