تستحق جريدة (البيان) الشكر والتقدير لحملتها المثمرة في مساندة التعليم.لقد عرفنا من خلال هذه الحملة, ان هناك الكثير من اصحاب الخير, الواعين لأهمية تضافر الجهود من اجل مستقبل الاجيال وايضاً عرفنا ان مفهوم العملية التعليمية يختلف من شخص الى آخر كل حسب ثقافته ومدى فهمه لفلسفة التربية . كما ان هناك من لديه روح المساعدة والتعاون من اجل مجتمعه, حيث يعلم بأن الدعم اهم كثيراً من الكلام, وان دعم التعليم هو في الاساس دعم للوطن. وإن كان هذا الاخير لا يمثل للبعض غير انه بقرة حلوب, يمكن ان تدر الخير الكثير مادامت الابواب مشرعة, ويمكن استغلال واستثمار كل شيء فيه. وقد احتاطت بعض الفئات لنفسها احترازا وتحسباً للمتغيرات الاقتصادية, حيث بنت لها مواقع إقامة خارج هذا الوطن الجميل, فلو جف ضرع هذه الحلوب ـ لا سمح الله ـ فانها سوف تترك الوطن وتهاجر الى المراعي البعيدة!! بل إن بعضهم كوّن ثروته من المساعدات الحكومية, والتي جاءت على شكل اراض, ووكالات, ومساعدات خاصة وتسهيلات.. الخ. ومقابل هذا الدعم الكبير, لم تقدم هذه الفئة للوطن والمجتمع ما يوازي هذا العطاء الكبير لدعم قطاعات الخدمات من تعليم او صحة او مرافق عامة أو خدمات اجتماعية. بل ان البعض قدم مساعدات خارجية واقام مشاريع خيرية وتجارية في مدن ومناطق أخرى خارج الدولة, بينما مدارسنا ومستشفياتنا في بعض المناطق يأكلها الصدأ, ومؤسساتنا التعليمية تحتاج للعون الكثير. الوطن اولا لقد تعجبنا من مفهوم البعض الذين يرون ان كل شيء يمكن استغلاله حتى لو كان يطال مستقبل الاجيال من ابنائنا الذين يعول عليهم الوطن ليكونوا ركيزته وسوره المنيع, الحارس من متغيرات الزمن ودورة الحياة, خاصة ونحن في منطقة نحتاج فيها الى الاهتمام بالامن الوطني والقومي, وبناء اجيال تخدم هذه الارض وتصون كرامتها, وفي واقع ينظر فيه البعض الى هذا الخليج العربي على انه منطقة قابلة للتحول الكبير وعيون الطامعين مشرعة على كل ثغورنا, بدءاً من الارض الى التركيبة السكانية والحياة الاجتماعية والاقتصادية التي يقع معظم قوتها في ايد غير وطنية لا ترى في هذا الوطن غير منطقة ثروات يجب استغلالها. كل ذلك في الوقت الذي تعتمد فيه كل دول العالم على البناء الاجتماعي وربط ابناء الوطن به كثيراً, وتركيز البرامج على الروح الوطنية, بحيث يصبح كل شيء في الوطن يخدم قوته وتماسكه الاجتماعي, ثم اعداد اجيال صلبة وقوية تخدم الارض والوطن وتحمي انتاجه الثقافي والاجتماعي, وتصون كرامته امام التحولات والتغيرات التي قد تنال منه. وبطبيعة الحال لا يمكن تحقيق كل ذلك الا عند الحرص على تربية النشء وبعث حب الوطن والارض فيه, من خلال التربية والتعليم, وليس التعليم من اجل السوق فقط ولكن من اجل الوطن والحياة وكرامة الانسان. لم نجد دولة في العالم قديماً او حديثاً تركت تربية الاجيال للتجارة و الباحثين عن الثروة, ثم ان لكل دولة فلسفة ورؤية واهدافاً تربوية ووطنية وثقافية تسعى الى غرسها في عقول الابناء ووجدانهم. ثم إنه لا تربية صحيحة وصادقة اذا لم يكن يحملها منهاج واضح الغايات والاهداف, وكادر وطني واعٍ لمسؤولية التعليم في صنع اجيال وطنية تجعل الوطن غايتها وهدفها أولا واخيراً. ويعتقد البعض ان التعليم الخاص الآن في الامارات مثال يمكن اتخاذه كنموذج, بينما المعنيون بالعملية التربوية يعرفون ان التعليم الخاص يعاني من عيوب كثيرة, وبالتأكيد ليس افضل من التعليم الحكومي بل ان بعضه مصيبة كبرى! ولعل نتائج الثانوية العامة خير كاشف لتفوق المدرسة الحكومية على الخاصة, وسجلات السنوات الماضية خير شاهد, ولننتظر نتائج هذا العام لنقدم لكم بالدليل القاطع ان عمل المدرس الحكومي اكثر صدقاً وعطاء على الرغم من الظروف المختلفة بين التعليم العام والخاص. لذلك من العجب ان يطرح حل وزارة التربية والتعليم, وتحويل ميزانيتها الى المدارس الخاصة!!! الكادر الوطني منذ فجر التاريخ مروراً باثينا واسبارطة اليونانية وصولا الى جهات الدنيا الاربع في عصرنا الحاضر لا يمكن تخيل حكومة تبني شعباً ووطناً عزيزاً وكريماً ثم تترك التنشئة الاجتماعية وتعليم الابناء لمتطلبات السوق. ان لكل دولة اهدافها وغاياتها وتربيتها الوطنية, ولابد ان تشرف عليها من خلال جهاز حكومي تعليمي يحقق غايات واهداف المجتمع. ولا توجد دولة في العالم تركت تعليم الابناء للمدارس الخاصة دون اشراف وتنفيذ اهدافها التربوية والثقافية, من امريكا الى اليابان الى شرق الدنيا وغربها. ندعو مثل هؤلاء لزيارة مدارس هذه الدول ليعرفوا ماذا يجب ان يتعلم طلابهم, بدءاً من تعزيز الروح الوطنية وغرس اهداف المجتمع, الى فهم الحياة الاجتماعية لشعوبهم ومعرفة القوانين واللوائح والنظم التي تسير تلك الشعوب. ان أي دولة لا تبني كادراً وطنياً يشرف على اهدافها وينفذها من خلال العملية التعليمية, هي بالتأكيد دولة لا مستقبل لها. يجب ان يكون في الامارات كادر وطني يقوم بالعملية التعليمية من الرياض وحتى الجامعة, ولابد من تدعيم القوى الوطنية في التعليم الحكومي حتى تنهض هذه الدولة العزيزة, وعدم الالتفات الى اي دعوات تخالف هذه الاهداف أو تطالب بنهج مغاير. اما الاعتقاد بأن التعليم الخاص هو المنقذ لمشكلات التعليم فان هذا هو الوهم, خاصة والتعليم الخاص يعاني من مشكلات كثيرة وتجاوزات لابد من التصدي لها. لقد اشار بعض الكتاب في اكثر من مقال لبعض التجاوزات والخروج عن الاهداف التربوية في التعليم الخاص. ولكن مثل هؤلاء الكتاب الغيورين على مجتمعهم كان ينظر لمقالاتهم بمنظور غير صحيح وعلى انهم محرضون ومعكرون للماء الراكد. * اديب وكاتب من الامارات