هل يؤدي فصل جنوب السودان الى حل المشكلة نهائيا؟ ان قسما كبيرا من السودانيين الشماليين لايزالون يعتبرون الدعوة الى فصل الجنوب تكاد تكون كفرا . كيف يجوز (التفريط) في الجنوب بثرواته الطبيعية الضخمة؟ وكيف نضمن الأمن الاستراتيجي للشمال نفسه مستقبلا مع نشوء دولة جديدة مجاورة يمكن أن تكون مفتوحة للسيطرة الاسرائيلية أو نحو ذلك؟ هكذا يضعون تساؤلا وراء تساؤل.. ومن الواضح أنها تساؤلات تطرح من زاوية الرؤية الشمالية لا من زاوية الشعب الجنوبي.. كأن يقال مثلا: هل يريد الجنوبيون الانفصال.. حسنا فليكن لهم ما يريدون دون وصاية من الشماليين. إنني شخصيا أرى انه بعد مضي 44 عاما من تفجر المشكلة في منتصف الخمسينات كانت معظمها سنوات اقتتال دون حل سياسي ثابت ومستديم في اطار السودان الموحد ودون أن تلوح الان على الافق القريب بوادر مؤكدة لمثل هذا الحل فإن الانفصال قد يكون أفضل الحلول.. أو فلنقل أقلها سوءا. لنتفق أولا على حد أدنى من الطرح. هذا الحد الادنى هو إتاحة الفرصة للطرف الأصيل في المعادلة أي شعب جنوب السودان ممارسة حق تقرير المصير. على أساس هذا الحد الأدنى يصبح الانفصال أحد الخيارات المتاحة لأهل الجنوب.. إذن لنتفق أن الخيار الذي يقرره الشعب الجنوبي بمحض إرادته يجب أن يكون موضع احترام كامل لدى الشمال. أنا شخصيا كشمالي أتمنى أن يقرر الجنوبيون مصيرهم النهائي بالانحياز الى خيار الانفصال. لماذا؟ أستأذنكم لأعود بكم مائة عام للوراء: ان الشائع بين المثقفين السودانيين ــ شماليين وجنوبيين ــ أن مشكلة جنوب السودان بدأت عام 1955 عندما وقع أول تمرد جنوبي (تمرد ضباط وصف ضباط وجنود حامية الاستوائية من الجنوبيين على ضباط وقيادات الحامية من الشماليين). لكن أقول من جانبي أن تاريخ المشكلة يعود في الحقيقة الى عام 1898. ففي صحائف تاريخ السودان المعاصر يرتبط ذلك العام في لحظات احتضار القرن التاسع عشر بما يطلق عليه (حادثة فشودة) دخلت (فشودة) التابعة لاقليم أعالي النيل في الجنوب تاريخ ظاهرة (التكالب الأوروبي على أفريقيا) في تلك السنة لأنها شهدت مواجهة عسكرية فاصلة بين بريطانيا وفرنسا كادت تتحول الى اشتباك دموي لولا تدخل الدبلوماسية. حتى ذلك الحين لم يكن ما يسمى الان بجنوب السودان جزءاً من الكيان الوطني الذي يعرف الان بشمال السودان, وفي تلك السنة زحف الجنرال البريطاني هربرت كتشنر الى الخرطوم قادما من مصر على رأس حملة عسكرية بريطانية مصرية لفتح السودان الشمالي. وما ان استولى كتشنر على الخرطوم حتى بلغه أن هناك قوى عسكرية فرنسية احتلت قسما مما سمي لاحقا جنوب السودان.. فزحف نحو (فشودة) لمواجهة الفرنسيين. والصيغة الدبلوماسية التي توصلت اليها بريطانيا مع فرنسا هي التي تمثل نواة المشكلة الراهنة: مشكلة جنوب السودان, فقد اتفقا على تقسيمه: تعترف بريطانيا بالاحتلال الفرنسي في غرب أفريقيا في مقابل أن تستكمل بريطانيا عملية احتلال المناطق الافريقية التي يمر عليها نهر النيل من المنبع الى المصب. و(جنوب السودان) كان الحلقة التي كانت مفقودة لدى بريطانيا لتكملة هذه العملية الاحتلالية. منذ ذلك الحين تم ضم (جنوب السودان) قسرا وافتعالا الى الكيان الشمالي ليصيرا دولة واحدة لا يجمع بين شقيها وشيجة لغوية أو عقيدة دينية أو حتى صلة عرقية. من هنا كانت المشكلة. والانفصال اذن ليس ضرورة سياسية فحسب.. انه ايضا تصحيح تاريخي بأثر رجعي.