قاتل الله السياسة, تباعد بين الاخ واخيه, وتفرق بين الصديق وصديقه, وعثمان احمد عثمان كان صديقا للعبد لله وكنا مختلفين في السياسة, ومع ذلك لم تفسد السياسة ما بيننا من صداقة ولم تقطع ما بيننا من ود . واشهد ان عثمان احمد عثمان كان هو صاحب الفضل في الابقاء على شعرة معاوية بالرغم من الاختلاف السياسي الذي بلغ مداه في نهاية فترة حكم الرئيس انور السادات, وبعد فصل العبد لله من العمل الصحفي بقرار جمهوري باطل, وهو باطل لان العمل الصحفي قطاع خاص حتى في ايام الاتحاد الاشتراكي, وليس لرئيس الجمهورية حق فصل صحفي بقرار جمهوري الا اذا تصورنا ان من حق رئيس الجمهورية فصل قهوجي من عمله في قهوة كتكوت, ومع ذلك تم فصل العبد لله من مؤسسة روزاليوسف ولم يتحرك احد او يحتج احد, ولكن للحقيقة والتاريخ حاول كل من مصطفى امين يرحمه الله وموسى صبري يرحمه الله ولطفي الخولي ايضا الف رحمة ونور عليه الحاقي بأي عمل صحفي, ولكن كل المحاولات كان مصيرها الرفض القاطع من الرئيس السادات نفسه واذكر انه خلال حرب اكتوبر كتبت مقالا في تمجيد انجاز الجيش المصري اثناء عملية العبور وارسلت المقال لجريدة الاهرام بطلب من لطفي الخولي, ولكن لطفي اتصل بالعبد لله في المساء واعتذر لي عن عدم نشر المقال لان تعليمات وزير الاعلام وقتئذ كانت صريحة بعدم نشر اي شيء للعبد لله وللاستاذ محمود العالم ايضا. وقلت للاستاذ لطفي الخولي واين انشر المقال؟ وقال لطفي ضاحكا.. تستطيع ان ترسله الى جريدة ها آرتس الاسرائيلية وستنشره لك بكل تأكيد, وفي هذا الجو المشحون بالكراهية والبغض سعى عثمان احمد عثمان لدى الرئيس انور السادات ونجح في انتزاع موافقته بالحاقي بعمل في العلاقات العامة بشركة (المقاولون العرب) وكان عثمان كريما واصدر قرارا بتعييني بمدينة الاسماعيلية, وكانت تعتبر من الاماكن الواقعة على خط النار وكان هذا يعني مضاعفة مرتبي مرة ونصف قبل ذلك وبعد سجني بحوالي عشرة ايام في قضية مراكز القوى ارسل عثمان احمد عثمان احد كبار موظفي الشركة بمظروف يحتوي على خمسمائة جنيه ولكن السيدة حرمي رفضت استلام المظروف وعندما ابلغتني بالنبأ اثناء زيارتها لي في سجني عاتبتها بشدة على رفضها استلام المظروف واذكر انني تأثرت كثيرا بموقف عثمان لان هذه الحركة من جانبه كانت تعني شيئا كثيرا للعبد لله, لانهم بعد القبض علي مباشرة اشاع عملاء الحكومة انهم عثروا في بيتي لحظة التفتيش على اربعة ملايين جنيه, ولما كان عثمان احمد عثمان من رموز العهد الجديد وكان يعلم حقيقة احوالى المالية, فهذه المبادرة من جانبه كانت تعني براءتي من هذه الاشاعات الكاذبة التي برعت حكوماتنا في الشرق العربي في ترديدها ضد المخالفين لها في الرأي والاتجاه, وبعد شهور من عملي في (المقاولون العرب) قلت للعم عثمان احمد عثمان: انا لن احتمل طويلا هذه الحياة اما ان اعود الى عملي الصحفي او اخرج من مصر بلاد الله خلق الله, فأوصاني عثمان بالصبر قائلا: الرئيس قلبه كبير ومشكلتك ستجد حلا في القريب وبعد اسابيع طلبت من عثمان السماح لي بالسفر الى الخارج مع ابنتي هالة لاجراء عملية جراحية مطلوبة لها, ولم يتردد عثمان لحظة ومنحني تذاكر السفر وصرف لي مرتب عدة شهور وسافرت بالفعل الى لندن واجرى الاطباء لهالة العملية المطلوبة وعادت هالة الى مصر ومكثت انا بالخارج وعملت مراسلا لعدة صحف عربية من لندن وبعد عام وصل عثمان احمد عثمان الى لندن ومعه شريكه المرحوم بهجت حسنين ونزلا في فندق انتركونتيننتال ولم يتردد عثمان في الاتصال بي ونصحني بالعودة الى مصر ووعدني بحل مشكلتي عند الوصول, ولم يتوقف عرض عثمان عند هذا الحد ولكنه منحني تذكرة عودة الى القاهرة وورقة صغيرة تحمل كل ارقام تليفوناته ليلا ونهارا لكي اتصل به عندما انوي السفر الى القاهرة, ولكني لم اسافر الى القاهرة وسافرت الى ابوظبي وتوليت منصب مدير تحرير جريدة الفجر في عهدها الذهبي وحدث خلال اقامتي في ابوظبي ان جاء الرئيس انور السادات في زيارة رسمية الى دولة الامارات وفوجئت بتليفون من عثمان احمد عثمان يطلبني لمقابلته في الفندق وذهبت للقائه حسب الموعد واصطحبت معي المرحوم عبدالستار الطويلة, وقضى عثمان معي وقتا طويلا في الفندق ينصحني بالعودة الى مصر والاستقرار فيها ووعدني بحل مشكلتي تماما اذا وافقت على العودة, وقال لي انه اتفق مع الرئيس انور السادات على مقابلتي اثناء الرحلة ولكن الظروف لم تسمح بعقد هذا اللقاء في ابوظبي وسافر الرئيس انور السادات والوفد المرافق له الى البحرين وتصورت ان الرئيس السادات رفض مقابلتي, وفوجئت بتليفون من السفير تحسين بشير يطلب مني المجيء الى الكويت لان اللقاء سيتم هناك وسافرت بالفعل الى الكويت وقابلت الرئيس السادات في قصر (دسمان) ولم يحضر اللقاء الا المهندس عثمان احمد عثمان, بالرغم من ان السفير تحسين بشير ادعى ذات يوم وفي حضوري انه حضر اللقاء وهو قول غير صحيح بالمرة واللواء فوزي عبدالحافظ سكرتير الرئيس شاهد على ذلك فلم يكن في الحجرة الا ثلاثة الرئيس السادات وعثمان احمد عثمان والعبد لله واشهد ان الرئيس انور السادات كان ودودا ولطيفا وقال مخاطبا اياي.. خلاص ياواد يا محمود والله ما في حاجة.. من ناحيتك ابدا.. ارجع ياوله وكل شيء ح ينحل. ووعدته بالعودة والمرة الوحيدة التي تدخل فيها عثمان بالحديث كانت عندما قال لي الرئيس انور السادات: بس انت لسانك وسخ ياوله وعاوز قطعه. فعقب عثمان قائلا: ده يستاهل قطع رقبته.. وضحك, فقلت له بحدة: انت ما تشتمش خالص ياعم عثمان اللي يشتم الرئيس بس!! وضحك الرئيس السادات وضحكنا معه وانتهت الجلسة بعد نصف ساعة وخرجنا معا, السادات وعثمان الى المؤتمر الصحفي والعبد لله الى الشارع, ولكن لم اعد بسبب ظروف معينة اضطررت معها الى ترك عملي في ابوظبي والالتحاق بعمل اخر في جريدة السياسة الكويتية, وبعد اشهر قليلة في الكويت واجهت ظروفا اسوأ وقطعت اقامتي في الكويت ولجأت مع اسرتي الى العراق ولم اعد الى مصر مرة اخرى الا بعد وفاة الرئيس السادات بعام وبعض عام, ولا انسى للمعلم عثمان انه اتصل بي عند عودتي الى مصر وقمت بزيارته في مزرعته بالحرانية وتواصلت علاقتي به كصديقين مع اختلاف مواقفنا من الرئيس السادات.. فقد كنت عدوه وكان هو صهره وظلت العلاقة قائمة ومستمرة وكان قد حدث جفاء بينه وبين المرحوم الاستاذ محمد صبري مبدى فأخذت صبري مبدى من يده وقمنا بزيارته في بيته المجاور لبيت صبري مبدى وفي لحظات قصيرة ذاب الثلج وسوء الفهم وعادت المياه بينهما الى مجاريها وكما كان العهد بها من قبل ولا انسى لعثمان احمد عثمان انني واثناء وجودي في سجن القناطر ان شكى لي احد السجانة وهو المرحوم الشاويش عبدالقادر انهم فصلوا ابنه من عمله في عملية تقوم بها شركة المقاولون في القناطر الخيرية, وقال لي الشاويش عبدالقادر: انت تعرف المهندس عثمان احمد عثمان وتستطيع ان تعيد ابني الى العمل, وقلت للشاويش عبدالقادر: انا الان مسجون ياعم عبدالقادر ولا حول لي ولا قوة ولا اظن ان احدا في الخارج سيستمع لي او يحترم وساطتي, ولكني على كل حال سأعطيك خطابا للسيدة فوزية سكرتيرة عثمان احمد عثمان وارجو ان تسمح لك بمقابلة عثمان واذا قابلته ابلغه سلامي واعرض عليه مشكلتك, كان ذلك في يوم الخميس ولم ار عم عبدالقادر الا يوم الاحد وكان قد سافر الى القاهرة يوم السبت وفوجئت بالشاويش عبدالقادر يفتح باب زنزانتي في الصباح الباكر ويضرب للعبد لله تعظيم سلام ثم رفع يديه نحو السماء يدعو لي بالصحة والعمر الطويل والافراج عني في القريب العاجل ثم حكى لي ما حدث له في مكتب عثمان احمد عثمان, عندما ابلغت السيدة فوزية المعلم عثمان عن وجود سجان بسجن القناطر معه خطاب توصية من محمود السعدني سمح عثمان له بالدخول وداعب الشاويش عبدالقادر وسأله عن احوالي ثم وعده خيرا بعد ان اخذ اسم ابنه وعنوانه وفي صباح الاحد الباكر جاءت سيارة من (المقاولون العرب) حملت ابن عبدالقادر بامر عثمان واعادته الى العمل. هكذا لان عثمان الرجل والانسان والصديق.. لا انكر معروفه ولا اتنكر له. ولا اقول ان عثمان كان على صواب طول الوقت ولكن اكبر اخطائه في نظر العبد لله انه لم يعرف الوقت المناسب لانسحابه من المسرح فلكل انسان دور في الحياة ولكل دور وقت مناسب للانسحاب.. ولكن عثمان الذي لم يذق طعم الراحة طول العمر والذي كافح كفاح الجبابرة في شبابه وكافح ايضا كفاح الجبابرة في شيخوخته ظل مصرا على اداء نفس الدور حتى النهاية ولم يقعده الا المرض. يرحم الله عثمان ويغفر له فقد كان رجلا وانسانا وصديقا حقيقيا لا يتنكر لاصدقائه بالرغم من انه كان على القمة ولم يكن في حاجة اليهم ولكنهم جميعا كانوا في حاجة اليه. وداعا عمنا عثمان وعزاؤنا انك عشت حياتك بالطول وبالعرض وبالعمق ايضا وانك اصبت واخطأت ولكنك كنت مؤثرا في كل حين!