يصعب على المواطن العربي أن يصدق أن صوت إنسان واحد من أصل 539 صوتا استطاع أن يرجح قرارا بعدم منح الثقة لحكومة مسؤولة عن تسيير شؤون دولة يقترب عدد سكانها من المليار نسمة . هذا ما حدث في الهند قبل اسابيع, عندما حجب البرلمان فيها الثقة عن حكومة جاناتا بيهاري فاجبابي زعيم حزب بهاراتيا القومي المتعصب, بسبب هذا الصوت الوحيد الأوحد. وانحنت الحكومة احتراما لهذا الصوت فقدمت استقالتها لرئىس البلد, الذي كلف بدوره, ووفق الاصول, سونيا راجيف غاندي, تشكيل حكومة بديلة. لم تقم الدنيا ولم تقعد في بلاد الأفيال, بانتظار ما تستطيع المرأة الإيطالية الأصل, الهندية الجنسية, ان تفعله لتشكيل حكومة جديدة, ولما لم تنجح وارثة آل نهرو في زعامة حزب المؤتمر العريق, كذلك فإن الدنيا لم تقم ولم تقعد, وانسابت اللعبة الديمقراطية في مسارها التقليدي, حيث ارتأى رئىس الجمهورية انه لابد من العودة الى الشعب وإجراء انتخابات نيابية جديدة, ستكون الثالثة خلال اقل من اربع سنوات. إن ما يخطر على بال الواحد منا عندما يسمع بــ (الهند) هو اتساعها الشاسع الذي أسبغ عليها لقب قارة, والتنوع الرهيب لشعبها أعراقا ولغات وديانات, حيث يعتبر المسلمون الهنود ــ على سبيل المثال ــ من بين الاقليات في الوقت الذي يتجاوز عددهم عدد مسلمي الباكستان أو بنجلاديش. كما يخطر على البال عند ذكر الهند صورة من أباس صور الفقر, مما أشاع المقولة بأن الفقير الهندي هو أفقر فقراء العالم. مع ذلك, وبالرغم من ذلك, فلقد استطاعت هذه الهند, ان تحقق انجازين عظيمين, هما أهم مافي الغرب المتقدم من مميزات. الانجاز الأول, تجلى في تمسكها بالنظام الديمقراطي وترسيخه كنهج مجتمعي للحياة السياسية العامة لا يمكن المساس به مهما ارتفعت اصوات (الاصوليات) قومية كانت أم دينية أم علمانية, نائب ــ مواطن واحد بصوت واحد, يرجح كفة على نقيضها ويقرر المصير, والمصير في الهند على مستويين الاول إقليمي ومحلي والثاني قومي شامل. وحدود الحقوق والصلاحيات واضحة محددة, فالحكومات المحلية تعرفها وتحترمها وكذلك الحكومة المركزية. اما الانجاز الثاني للهند, فيتجلى في تلك المعجزة التي استطاعت تحقيقها في إحداث التقدم العامودي, فعلى الرغم من فقر البلاد والكثافة الهائلة لسكانها وصعوبة الارتقاء الافقي بحياة الشعب ومستوى معيشته, كما هو الحال في دول العالم الثالث, استطاعت الهند ان تأخذ موقعا متقدما, في المقاييس الغربية, في مجالات التعلم والصناعة والتقنية المتقدمة. وليس ما بدا مؤخرا من قدراتها على إنتاج الاسلحة النووية والصاروخية إلا أحد جوانب هذا الانجاز الذي له شواهده المتعددة في الانتاج الصناعي المتطور. لماذا هذا الحديث عن الهند بالذات؟ لأنه حديث عن دولة من الشرق وليست من الغرب, ولان مجتمعها مؤلف من نسيج متعدد الألوان, وبالتالي فإن مقارنة أوضاعنا بأوضاعها قابلة للقياس والاقتباس, خلافا لما يكون عليه الأمر عند المقارنة بالغرب وما تحمله عادة من حساسيات تغلب عليها العاطفة في كثير من الأحيان. فلقد اسقطت الهند تلك المقولة العرقية العنصرية الغربية التي قدمت (الشرق) منذ مئات السنين وكأنه محكوم بالاعاقة والتخلف بقانون الجغرافيا الذي قسم العالم الى شرق وغرب واسقطتها في أهم بعدين من ابعاد الحضارة الغربية هما التقدم العلمي وممارسة الديمقراطية. وهي بهذا الانجاز لم تثبت فشل المقولة الغربية وحسب, وانما قدمت (للشرق) كذلك النبراس الذي يمكن الاقتداء به, بعد أن تفشت الديكتاتورية في ربوعه, حتى بات لدى البعض قناعة بأنه لاتقدم في ظلال الديمقراطية وان لاخير الا في رعاية (المستبد العادل) !! وكانت حكومة الهند قبل ازمة الثقة قد اطلقت آخر جيل من صواريخها البعيدة المدى, ومع ذلك فهذا لم يمنع رحيلها دون أي قلق, مقابل ترسيخ حق المواطن الهندي بتقرير مصير حكومته حتى لو كلفه ذلك الملايين من الدولارات التي يحتاجها هذا الاستحقاق. ان الحرية لدى المواطن الهندي حاجة لا تقل أهمية عن حاجته الى الرغيف. كذلك لايجوز ان يفوتنا درس آخر من التجربة الهندية, وهي أهمية (المؤسسات) في الدولة و(احترام) هذه المؤسسات وان هذا أمر ممكن في بلاد العالم الثالث الذي اصبحت فيه المؤسسات, إذا وجدت, ليست سوى هياكل شكلية من دون محتوى , وبالتالي من دون احترام. تجربة الهند, تسمح للمواطن العربي, الذي يتهمونه بالجهل والتخلف والأمية ــ وكأنه المسؤول عن ذلك ــ أن يقول متسائلا: ـ وهل الهندي احسن حالا مني في هذا المجال ليؤتمن على الديمقراطية وحسن التصرف بصوته بينما أنا محروم منها؟ ويستطرد المواطن العربي متسائلا: ـ ومهما قيل في تخلفنا وفقرنا وفسيفساء مجتمعاتنا, فهل الهنود أقل منا تخلفا وأكثر غنى وأقل تعددية؟ إن تجربة الهند والتي لايمكن ردها لفكر يساري, والتي لايمكن وصفها بأنها تقليد اعمى للفكر اليميني, تستحق منا وقفة تضع حدا لهذه الثرثرة التي لا طائل من ورائها في دنيا العرب حول الحداثة والعصرنة والاصالة الى آخر الاسطوانة التي اصبح تكرار ما فيها هدفا بحد ذاته بدلا من ان يكون حوارا يستهدف الخلاص والخروج من هذا المستنقع الذي نراوح في رماله المتحركة منذ عقود وعقود. كما أنه تجدر الاشارة الى ان محاكاة الهند للغرب في نظامها الديمقراطي لم يجعل منها دولة موالية للغرب على الاطلاق, وجيلنا يذكر ما كان لنهرو, مؤسسها العظيم, من دور في اقامة كتلة عدم الانحياز مع كل من الراحلين الكبار عبد الناصر وتيتو وسوكارنو, وغيرهم من عمالقة العصر. وحتى اللحظة الراهنة فإن سياسة الهند الخارجية ترفض سياسة القطب الواحد وهي من اقوى المرشحين لقيادة التوجه الدولي الباحث عن صيغة أكثر توازنا للنظام الدولي الجديد. حدث ما حدث في الهند, إذ راح حزب وحاول آخر أن يحل محله فلم يفلح, فكانت العودة للشعب باستفتائه.. حدث هذا بينما يتغير كل شيء في دنيا العرب, إلا الحكام, وان حدثت محاولات خجولة للعودة الى الشعب كما في الجزائر وبعد طول قتال, فإن التجربة تبقى مشوهة أو مشبوهة. حدث ماحدث في الهند, فراحت حكومة, وستأتي غيرها, بينما المواطن العربي يعرف منذ الآن من سيكون حكامه في مطلع الألفية الثالثة وأول عقد من القرن الواحد والعشرين. المسألة ليست مسألة أن يكون النظام ملكيا أم جمهوريا, رئاسيا أم برلمانيا, ولكن المسألة هي في الاتفاق عن أصول ومبادىء وقوانين هذه الانظمة. ان الملكية في بريطانيا لم تعق تقدمها أو تحد من ديمقراطيتها, كما ان الجمهورية في كوستاريكا لم تضمن تقدمها وحماية الافراد فيها. واذا كان في هذه النقلة ما يدعو للقلق, فإن ما يدعو للخوف الحقيقي هو ان هناك من بين الدول العربية من لايعرف مصيره, وما سيحدث له اذ ماقضت ارادة الله باسترداد امانة حاكمة. اللهم اشهد ان لا اعتراض لنا على اي (نظام) يريد اي حاكم ان يختاره لقطره, فهذا طموح لا نطمع فيه ولكن هل هو كثير علينا ان نطالب هؤلاء الحكام بأن يكون لنا نظام بالفعل معروف ومحدد مصدر شرعيته وهل هو كثير علينا ان نتمنى ان يكون للديمقراطية شأن في هذا النظام كما لها في الهند التي تقع في اسيا لا في اوروبا ولا في امريكا؟!