عجيب أمر بنوكنا الوطنية منها والأجنبية, فهذه اذا جاءها موظف غلبان يطلب قرضاً بسيطاً طالبوه بضمانات, منها تحويل الراتب وشهادة نهاية الخدمة, أو بكفيل أو رهن في حال كان القرض المطلوب يزيد على المخصص من قبل المصرف المركزي, فيما هي نفسها تمنح قروضاً بعشرات ومئات الملايين من الدراهم لأجانب, بوصفهم رجال أعمال, ونكتشف لاحقاً, انها قروض من دون ضمانات جدية. وهناك حوادث كثيرة جرت سابقاً تدل على ما نذهب اليه, بعضها مما يعرف القراء تدخل في باب الاحتيال فعلاً والنصب, وبعضها الآخر عمليات مالية مشروعة لا شبهة لاحتيال فيها, لولا انها تكشف, كحالة التاجر باتيل التي انفجرت مؤخراً, عن أكثر من خلل وأكثر من ثغرة في جدار النظام المصرفي المحلي. أما عمليات النصب والاحتيال, التي نجح فيها نصابون ومحتالون, وبالتعاون مع بعض مديري المصارف الأجانب, في لطش مئات الآلاف من الدراهم, وأحياناً ملايين, ثم الفرار بها الى الخارج, فليست موضوعنا اليوم, ذلك لأن العمليات من هذا النوع لا يخلو منها بلد في العالم, حيث يضرب فيها النصابون كما تضرب الزلازل من دون مواعيد, وكما تضرب الفيروسات هذه الأيام أجهزة الكمبيوتر, بفارق أن دولاً تستفيد مما تتعرض له, فتطور قوانينها وأدوات الحماية لديها ووسائل الوقاية, لذلك نبقى مع عمليات القروض الكبيرة, التي لا يستطيع بعد ذلك أصحابها الوفاء بها, فتوقع المصارف في مأزق حقيقي, كحال المصارف الـ 13 الحالية مع التاجر باتيل. هذه الحالة, حتى مع افتراض, ان التاجر معروف في البلد منذ أكثر من عشرين عاماً كما قيل, ولديه تعاملات مع المصارف نزيهة ونظيفة, فإن حصوله على قروض من أكثر من 10 مصارف, أغلبها أجنبي وبعضها وطني, وبمبالغ فاقت الـ 400 مليون درهم, من دون أن يقابل هذه القروض ضمانات أو رهانات, كضمانات مصرفية مثلاً, أو ضمانات مصانع قائمة, أو رهانات عقارات تغطي قيمة القروض وما الى ذلك, يعني أن هناك خللاً حقيقياً, عنوانه الأبرز حسن النية, الذي عادة لا يستقيم مع سياسة المصارف, بدليل التشديد مع القروض الشخصية الصغيرة الى حدود قصوى. وإذا استثنينا دور المصارف نفسها في الأزمة, فالأمر لا يخلو من غرابة أكثر, لأن من المفترض انه الى جانب الرقابة الداخلية للمصارف كل على حدة, هناك رقابة خارجية من قبل المصرف المركزي, سواء على التحويلات الكبيرة الى الخارج أو القروض وما شابه من عمليات مصرفية, فكيف أمكن للتاجر المذكور أن يحصل على قروض متعددة من مصارف مختلفة من دون أن يثير انتباه المصرف المركزي الذي سبق وأن اتخذ قرارات ملزمة للمصارف بالابلاغ عن عمليات مشابهة؟ وبما أن هناك اجتماعاً يعقد اليوم للمصارف المتضررة بناء على طلب المصرف المركزي, فإن (الذي في القدر يطلعه الملاس) كما يقول المثل الشعبي, فنتوقع أن يسفر الاجتماع عن كشف بعض الملابسات والغموض المحيط بأزمة باتيل, لعل ليس من بينها أي دور لعمليات احتيال, بقدر ما ينحصر الأمر, في صعوبات مالية يعانيها التاجر, آملين بطبيعة الحال, أن يعتمد المصرف المركزي أسلوب الشفافية والمكاشفة فيعلن عن هذه الملابسات للرأي العام, حفاظاً على سلامة النظام المصرفي وحسن الثقة فيه. أما البنوك المتضررة نفسها فهذه آخر ما يهمنا, سواء أضرت الأزمة بسمعتها أو بنتيجة ارباحها آخر العام, لأنه من الواضح أن مسؤوليتها في الأزمة مباشرة نتيجة للتساهل الكبير في عمليات الاقراض الكبيرة, فنختم أن هذه المصارف, بعد أن وقع الفأس في رأسها عدة مرات, ربما تتعلم الدروس من جيوبها هذه المرة فتكون الأخيرة في مسلسل حوادث الهروب بالملايين.