ان نقول ان الحكومة السودانية ربما توصلت الى قناعة أخيرة بفكرة (النظام الكونفدرالي) من حيث المبدأ ليس معناه انها بالتالي قبلت مشروع (أبيل ألير) في جملته وتفصيله . مشروع ألير كما ذكرنا يدعو الى دولة مستقلة كاملة السيادة في الجنوب تدخل طوعا في اتحاد تنسيقي فضفاض مع الدولة المستقلة الأخرى في شمال السودان لفترة انتقالية قدرها سنتان, وخلال الفترة الانتقالية تكون الدولة الجنوبية خاضعة لسيطرة حركة قرنق وقواتها إلى ان يتم إجراء استفتاء شعبي لأهل الجنوب عند نهاية الفترة الانتقالية ليقرروا المصير النهائي: اما الاستمرار كدولة مستقلة منفصلة أو العودة الى الوحدة مع الشمال في دولة واحدة بشكل أو بآخر. السؤال اذن هو: هل اقتراح تسليم جنوب السودان الى حركة قرنق على النحو المذكور يقبل الطرح كموقف تفاوضي أولي .. وبالتالي يقبل الأخذ والعطاء بين الحكومة والحركة في الجولة التفاوضية المقبلة. إذا كانت الاجابة بالايجاب فان هذه ستكون الخطوة الأولى على طريق النجاح لمشروع ألير, كيف اذن يكون المسار التفاوضي على هذا الأساس؟ اعتقد ان الطرف الحكومي سوف يتقدم باقتراح مضاد فيما يتعلق بالوضع الانتقالي للجنوب, الحكومة في تصوري لن تقبل بانفراد فصيل قرنق بحكم الجنوب, لأن هذا معناه ببساطة تجاهل الفصائل الاخرى وقادتها المتحالفين مع الحكومة بموجب (اتفاقية الخرطوم للسلام) لعام 1997 خاصة (ريك مشار) و(لام أكول) أغلب الظن ان الحكومة سوف تقترح صيغة ائتلافية تجمع بين الثلاثة ــ قرنق ومشار وأكول ــ لاقتسام السيطرة الحكومية والعسكرية على جمهورية الجنوب المقترحة. وبصرف النظر عن رؤية الحكومة السودانية فان انفراد اي فصيل جنوبي بحكم الجنوب لن يوفر اي حد أدنى من الاستقرار في ذلك الاقليم لماذا؟ ببساطة لأن الفصائل الجنوبية الرئيسية الحاضرة على الساحة قائمة على أساس الانتماءات القبلية المختلفة, فحركة قرنق تمثل قبيلة (الدينكا) وحركة مشار تمثل قبيلة (النوير) وحركة أكول تمثل قبيلة (الشلك) وكما ان الانتماء الطائفي والانتماء الايديولوجي هما العاملان الحاسمان اللذان يحددان الانتماء السياسي في السودان الشمالي فإن الانتماء القبلي هو العامل الأوحد الذي يحدد الانتماء السياسي في الجنوب السوداني. فالصراع السياسي في جنوب السودان هو من طبيعة الصراع السياسي في الجوار الافريقي جنوبا حيث تمثل النعرة القبلية العرقية محور التناقض السياسي بين (التوتسي) و(الهوتو) مثلا في منطقة البحيرات العظمى بوسط افريقيا التي يعتبر جنوب السودان امتدادا لها بأكثر من المعني الجغرافي. ثمة عامل آخر يمكن ان يجعل الحكومة السودانية تتوجس من مشهد مستقبلي محتمل تنفرد فيه قوات قرنق بالسيطرة العسكرية الكاملة على الجنوب, ألا وهو العامل الأمني. فإذا كان من المفترض وفقا لمشروع ألير ان تنسحب القوات المسلحة الحكومية من الجنوب بصورة كاملة ونهائية تمهيدا لقيام الدولة الجنوبية المستقلة فما هو الضمان ألا يعاد انتشار قوات قرنق ليشمل المناطق الحدودية مع الشمال؟ إن من المفهوم ان يقترح ألير في مشروعه تسليم الجنوب لحركة قرنق وحدها دون مشاركة من الفصائل الجنوبية الاخرى. فألير, مثل جون قرنق, ينتمي الى قبيلة (الدينكا) فهو هنا يفكر باعتبارات الانتماء القبلي التي ينظر اليها لدى النخبة الجنوبية بمنزلة الانتماء الديني لدى نخب في العالم الاسلامي مثلا. ويبقى سؤال أخير: هل قرنق على استعداد للتوصل الى صيغة وسطية, أم يتصلب؟