في البدء أقول أننا لسنا أول من يقوم في هذا الزمن بخلط (السياسي) بالمقدس, ولن نكون الأخيرين بطبيعة الحال, فقد شهدت المجتمعات في اطوارها المختلفة هذا الخلط الذي انقلب إلى صراع أحيانا أدى في النهاية إما لفراق المقدس وفصله عن السياسة كما حدث في الغرب وإما إلى محاولة للتوافق في أحايين أخرى أدت إلى الاختلاط بين الاثنين حتى ضاعت معالم كل منهما في الآخر, فلم يعد هناك خط واضح بين ما هو مقدس يكتسب صورة الأزلية وما هو سياسي عرضة للتغيير والتبدل, مما سبب الكثير من الآلام للشعوب, فالثوابت في حاجة للنأي عن تصاريف الحياة اليومية حتى لا تصدعها عشرات التناقضات, أما المتغيرات فهي تقوم أساسا على الموازنة بين هذه التغيرات. ومصدر التشويش الذي يمكن ان يصيب أي شعب هو ايجاد توازن لكل ما هو ثابت واعطاء الشرعية لكل ما هو متغير. ولعلني استطرد وأقول ان كثيرا من جيراننا يعانون من أمثال هذه المشكلات سواء عمقت أو تسطحت, تجذرت أو مرت مرور الكرام, ولكنها هناك دائمة النبض, وآخر ما وقع في يدي في هذا المقام هو قول منسوب للسيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية نشر في صحافة الكويت في نهاية الأسبوع الماضي حيث أدان (قوى الاحتكار التي تسعى من أجل صنع مجتمع يتطابق مع تفسيرها للديانة والقوانين) , ولأن الأمر خاضع للتفسير فهو انساني يصح فيه الاجتهاد, حيث تتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان, والانسان مكلف ان ينظر في نفسه ومعاشه. وهنا آتي إلى مقصدي في الحديث وبؤرته هو العاصفة السياسية التي تهب بشدة على تجربة الوقف الكويتي على اثر القضية المثارة حول طباعة القرآن الكريم, وما قيل عن أخطاء وقعت فيها, الأمر الذي تسبب في فتح ملف سياسي ما زال ينزف, هي ليست الظاهرة السياسية الأولى في وضع مؤسسات كويتية نفاخر بها العالم في هذا الموضع الذي لا تحسد عليه, وان بقينا في نفس الموقف السياسي مع خلطه بالمقدس فلن تكون القضية الأخيرة. وقد كتب في هذا الأمر منذ ان تفجرت الأزمة ثلاثة وجهات نظر, الأولى والثانية علانيتان والثالثة صامتة, هناك من أراد ربما لأسباب خاصة أو عامة ان يعرض بعض ما يعتقد في الأولى من مخالفات لهذا الجهاز في أمور سابقة فأمسك بما ظنه الخطأ القاتل كي يجعله السبب الذي يجب الكثير من حسناته ويغوص به لاقتلاع جذوره المؤسسة نفسها, والثانية ربما عن فهم وربما عن مصلحة كتب أكثر من واحد يريد ان يدلي بدلوه مدافعا بشكل مباشر أو غير مباشر, وهناك فئة ثالثة أرادت ألا تخوض في الأمر توقيا لشر قد يطالها حقيقي أو متخيل, وقد وجب والأمر كذلك ان نستخرج من التراث محتواه الايجابي والذي يقول ما معناه ان الحق يجب ألا يختفي أو تصد عنه الأنظار بسبب تسلط بشر أو فكرة سياسية أو رجاء منفعة, فالعدل في عرض الموضوع هو أقرب إلى التقوى والانصاف. الوضع برمته ان السياسي والمقدس اختلطا في ممارستنا للعمل السياسي في الكويت إلى درجة تبدو فيها الأمور وكأنها اثارة للعامة من الناس في موضوع مقدس لتحقيق غرض سياسي بصرف النظر عما يفقده الوطن من جراء ذلك من مؤسسات كانت حصيلة طبيعية لتطوره المدني, وبصرف النظر عن الوقائع الموضوعية للحدث نفسه. اكتب هذا الموضوع وفي الذهن تجاوزا للوضع الصامت الأخير ـ على الأقل ثلاث قضايا سياسية لها علاقة بما أقول وقد ثارت ثلاثتها في غضون السنوات القليلة الماضية, فمنذ سنوات ثارت الحياة السياسية حول قضية سماها البعض شطب بعض الآيات القرآنية من مناهج الدراسة في مدارس الكويت, وقيل الكثير وقتها في الموضوع وظهرنا للعالم, وكأننا مجتمع ـ والعياذ بالله ــ نبتعد عن ديننا الحنيف وقد كشفت هذه القضية عن ولع البعض في استخدام هذا النوع من الموضوعات في خضم السياسة المحلية المحتدمة لتسجيل نقاط تكون أحيانا (تحت الحزام) كما يقال في تعبير رياضة الملاكمة لخصومهم السياسيين, ثم ما لبث الأمر وقد خرج من نطاق السياسيين إلى الشارع العام فأدلى كل بدلوه, ليس بسبب القضية المثارة فقط وانما كانت القضية ذريعة لفتح ملفات كثيرة يريد هذا الطرف السياسي أو ذاك ان يسجل فيها نصرا أو يحقق انجازا على مناوئه السياسي. ثم جاءت بعد سنوات قضية الكتب الممنوعة المشهورة أيضا في تاريخ الكويت السياسي, والتي تجدد نفسها تقريبا مع أي معرض يفتح للكتب, حتى ظهرنا وكأننا نحن الوحيدين دون هذا العالم الواسع الذين نخشى الكتب خشية الموت فنمنعها دون ان نقرأها ونسمح بها دون ان ندري ما هو محتواها, في حين يعرف كل مختص أو من يريد ان يعرف ان الكتابات منذ عرفنا الكتابة تاريخيا فيها الكثير من الاشارات التي قد لا تعجب هذا أو ذاك من الناس, وفي تراثنا العربي والاسلامي الكثير من النزاعات حول الكتب وما تحتويه تتسع الرؤية فيه عندما يكون المجتمع متسامحا وتضيق الرؤية عندما تضيق مساحة التسامح ويتحول بعض أعضاء المجتمع الى (محاكم تفتيش) ولكن القضية تلك طرحت كقضية سياسية أريد لها ان تكون ذات طابع ديني, وأخذت من الجدل ما أخذت, ومن الضحايا أيضا, ومازالت جراحها اجتماعيا لم تندمل. وتأتي القضية المثارة اليوم وكأنها قضية أريد أصلا بها شرا أو تشويها, وها نحن نعرض افضل خطواتنا في تطوير مؤسسة الوقت الكويتي التي هي مفخرة حقيقية لكل عاقل ومكان اعجاب للكثير من الدول, نريد ان نعرض هذه المؤسسة إلى الخراب وعدم الثقة بشبابنا الذين لا شك انهم قد حصلوا على الكثير من التدريب والدراية في هذا المجال الحيوي. والوقف جزء أساسي من التاريخ الاسلامي, بل انه أحد ملامح التجربة الاسلامية حين أرادت ان تتعامل مع واقع المسلمين, ويرتبط ذلك بالأيام الأولى لهجرة الرسول إلى المدينة حين وقف أمام بئر (دومة) فقد كانت هذه البئر هي البئر الوحيدة التي يستعذبها الناس للسقاية في المدينة كلها, وكان يسيطر عليها رجل من قبيلة بني غفار ويغالي في بيع مائها, وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: من يشتري بئر (دومة) بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان بن عفان وقال له النبي صلى الله عليه وسلم اجعلها سقاية ـ أي سبيلا ووقفاــ للمسلمين وأجرها لك, ففعل, وكانت هذه البئر المباركة أول وقف في الإسلام لأنها استنت بعد ذلك سنة حميدة في نظرة المسلمين إلى اخوانهم من الفقراء والمستضعفين الذين لهم حق في هذه الأرض. فقد أوقف الرسول صلى الله عليه وسلم بساتين الذين قتلوا في سبيل الله على الفقراء والمحتاجين والجنود المجاهدين وكان أشهرهم ذلك اليهودي الذي حارب مع النبي صلى الله عليه وسلم وقتل ولم يكن له وارث وقد أوقف الرسول العظيم ما تركه هذاالرجل على زملائه من المحاربين وهذا ليس درسا في الخير فقط ولكنه درس في التسامح أيضا, وكان يهدف من وراء ذلك بالاضافة إلى التقرب إلى الله وطاعته, وضع نوع من النظام المتوازن في الحياة يقوي الضعيف ويعين العاجز, كذلك ايجاد نوع من المنافع التي يستثمرها البشر على مدى أزمنة متطاولة وعلى مدى أجيال متعاقبة. ومهما حدث في الوقف بعد ذلك , وكيف تطورت هذه المقاصد الانسانية إلى نوع من الاستغلال الاداري في بعض البلدان فانه يبقى لنا نبل الغرض الذي حدده الاسلام والذي الزم الكثير من الأفراد والحكام بوقف جزء من أموالهم لحاجات الفقراء والمعوزين من رعيتهم ويكفي ان نعرف ان العديد من المؤسسات الاسلامية العظيمة كانت وقفا, فمن المساجد الكبرى هناك الأزهر في مصر والجامع الأموي في دمشق وجامع القيروان في تونس, وكذلك كانت هناك المستشفيات الخيرية أو البيمازستانات التي مازالت آثارها باقية حتى الآن, بل ان بعض هذه المستشفيات كانت ثابتة في مكانها وبعضها كان متنقلا من قرية إلى أخرى كما حدث في زمن السلاجقة, ولعلنا نذكر المستشفى المنصوري بالقاهرة والنوري بدمشق والمراكشي بالمغرب. وتتعدد طرق الوقف وأغراضه, ولكننا نجملها بالقول بأن الرجال العظماء في كل أمة هم الذين تركوا خلفهم أوقافا عظيمة لأنهم كانوا أكثر احساسا من غيرهم بالحاجة الانسانية, وقد ترك صلاح الدين الايوبي كل أمواله وقفا, وملأ مصر والشام بالأوقاف الخيرية من مساجد ومدارس ومستشفيات ومراكز لاقامة المجاهدين وتزويدهم بالمؤن والخيول, ومن الغريب انه لم يسجل أيا منها باسمه تجردا وتقربا من الله تعالى. ولم تكن مسيرة الوقف بهذه المثالية, فقد وجد الأفراد الطامعون الذين حاولوا ان يستأثروا بريعه لأنفسهم, ووجدت الحكومات المتسلطة التي حسبت انها الوريث الوحيد لكل ما تركه عباد الله وحاولت بعضها الغاءه بحجة انه يساعد على تفشي البطالة دون ان تعترف بأن هذه مشكلتها هي وليست مشكلة الوقف, وكذلك حاولت بعض الحكومات ان تشدد قبضتها عليه حتى أوشكت ان تخنقه وان تحوله عن أغراضه وفي كل الأحوال كانت تعتدي على حق من حقوق الانسان المشروعة في وهب الانسان لأملاكه في وجوه الخير والنفع العام. وقد جاءت تجربة الكويت في تطوير الوقف لتعطي هذه المؤسسة الاسلامية التاريخية حيوية جديدة وتبث في قنواتها التقليدية الحياة والتطور والمعاصرة. فالوقف كأي مؤسسة من مؤسساتنا التاريخية دخلها الضعف والوهن في العصر الحديث كان لابد لها ان تتطور أو تضمحل, فاختارت بعض البلاد العربية والاسلامية ان تلغي الوقف كليا, في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات الشبيهة في الغرب قد تطورت لتعطي أكلها الناضجة للناس والمجتمع, فقامت المدارس والجامعات الحديثة بما تقدمه من منح علمية ودراسية على فكرة الوقف, وتطورت المؤسسات العلمية التي ترعى مشروعا او اختراعا او دواء نافعا من هذه الفكرة وبنيت المستشفيات التي عالجت ملايين الناس من هذه الفكرة النبيلة فكرة الوقف, بل اصبح المشرع الغربي يسن القوانين لحماية هذا العمل من كل تدخل. لقد تطور الوقف في الكويت تطورا مهما بل وغير مسبوق في بيئتنا العربية والاسلامية, فقدمنا في تجربة الكويت مثالا حيا وعمليا في كيفية امكان تطوير هذه المؤسسة الاسلامية وتقديم خدماتها للمسلمين, في مجالات الثقافة والعلم والنشر وبناء المدارس, من بين امور اخرى, وكنت دائما انصح العديد من الصحفيين واهل الرأى من زوار الكويت بجانب زيارتهم لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي او الجامعة او المؤسسات العديدة التي نفخر بها, ان يقوموا بزيارة المؤسسة الوقفية في الكويت ليطلعوا على التطوير المنهجي الجديد الذي تم, ومجالات العمل الجديدة غير المسبوقة في هذا المجال الحيوي للناس, لقد خلقت تجربة الوقف في الكويت (المؤسسات الموازية) وهي خطوة عظيمة يجب التشبث بها ورعايتها. ونتيجة للتصنيف الحاد في مجتمعنا وتنافر المعسكرات السياسية لاتجد مثل هذه المؤسسات وغيرها من المؤسسات الرائدة من ينصفها عن طريق غير الاطراء من جهة او التحيز المضاد من جهة اخرى, فان وقع خطأ ما او تكونت ملاحظات على الاداء, تكالب عليها المنتقدون بضجيج تتوارى فيه الحقيقة ودون توضيح للايجابيات ودافع عنها المعجبون دون نقد للاخطاء, ووقعت موقع الضحية في هذه المبارزة السياسية التي لاتقبل الحل الوسط. الديمقراطية هي اساسا قبول الآخر والتعايش معه وهي ايضا قبول التعددية, واخذ الناس بأفعالهم لا بنواياهم, واعطاء المجتهد حقه, والفهم الصحيح للخطأ الانساني الذي يتعرض له اي عامل جاد في عمله, وان سرنا هذه السيرة في اسقاط السياسي على المقدس وتقديم القرابين السياسية على انها قرابين (للمقدس) فلن تنجو طائفة سياسية ولافئة اجتماعية من العاصفة التي بعد ان تهدد الجماعات تهدد الوطن.