يبدو ان تقرير مصير جنوب السودان آخذ في التبلور. ويبدو ان هذا التبلور يتخذ وجهة الانفصال بناء على قناعة مبدئية مشتركة بين الحكومة السودانية وحركة قرنق . هذا هو الانطباع الذي يوحي به أحدث تطور نوعي في مسار الشد والجذب لهذه القضية التي يناهز عمرها ما يقارب نصف قرن. التطور الجديد يتمثل في مبادرة يقوم بها سياسي جنوبي مخضرم يفترض فيه ان يكون ذا استقلالية نسبية و(حياد) نسبي ورغم ان (ابيل ألير) يصنف في المبتدأ والمنتهى كمثقف جنوبي يتحرك بدوافع الانتماء العرقي والثقافي الى اهل الجنوب (وهذا طبيعي ومقبول) الا انه يتمتع بقدر من النزاهة والاستقامة ما يجعل وساطته مقبولة لدى الطرفين. وفي الحقيقة ان ما يعرضه ألير الآن هو اكثر من وساطة واكثر من مبادرة. انه مشروع لتقرير مصير جنوب السودان بصورة نهائية. جوهر المشروع هو فصل جنوب السودان ليتحول الى جمهورية مستقلة كاملة السيادة في اطار نظام (كونفدرالي) يجمع بين هذه الجمهورية الجنوبية المقترحة وبين شمال السودان الذي بدوره يتحول ــ وفق المشروع ــ الى جمهورية مستقلة كاملة السيادة. فهل هو مشروع ذو جدوى من الناحية العملية والواقعية؟ دعنا اولا نستذكر تعريف (النظام الكونفدرالي) كما هو وارد في نظريات القانون الدستوري المتعارف عليها عالميا. الكونفدرالية هي اتحاد تنسيقي فضفاض بين دولتين مستقلتين كاملتي السيادة تجدان ان بينهما من التوافق والتماثل في المصالح الاقتصادية والعسكرية والثقافية والرؤى الخارجية ما يجعل من المفيد لكليهما الاتفاق طوعا على انشاء آليات مشتركة للتعاون في المجالات المشار اليها وعادة فإن مثل هذا النظام يعطي كلا من الطرفين حق الانسحاب من التنسيق جزئيا او كليا في اي وقت. ولهذا اعتبر نظاما فضفاضا. ولكي يتضح الامر اكثر نستذكر ايضا ان الفرق بين النظام (الكونفدرالي) والنظام (الفيدرالي) هو ان الاخير يجمع بين اقليمين او اقاليم عدة ذات سيادة محلية محدودة في اطار دولة واحدة محكومة بدستور واحد وعلى رأسها حكومة (فيدرالية) اي مركزية مهيمنة. ولنعد الى مشروع ألير... لنكتشف من اول وهلة انه من حيث الجوهر لا يختلف عن مشروع مماثل سبق ان تقدم به وفد (الحركة الشعبية لتحرير السودان) (حركة قرنق) الى الطرف الحكومي في الجولات التفاوضية الاخيرة. ففي كلا الحالتين فإن النقطة الارتكازية هي ان تكون جمهورية الجنوب المقترحة خاضعة لسيطرة حركة قرنق بقواتها لفترة انتقالية (حددها مشروع ألير بسنتين) يجري بعدها استفتاء شعبي لاهل جنوب السودان ليقرروا المصير النهائي: هل تبقى وتستمر الدولة المستقلة الجنوبية المستحدثة (ضمن الاتحاد الكونفدرالي) ام يعود الجنوب الى مبدأ خيار الوحدة مع الشمال؟ عند هذا المنحنى فإن السؤال الذي يجب ان يطرح هو: ماهو الجديد اذن؟ وبكلمات اخرى: لماذا يعيد ألير تقديم مشروع سبق ان رفضه الطرف الحكومي في جولات المفاوضات الرسمية؟ الاجابة عن هذا السؤال ليست حاضرة تماما لان الحوار حول المشروع يجري الآن في سرية كاملة يعزز منها ان ألير يرفض بعناد الافضاء بأي شيء عن تنقلاته بين الخرطوم ونيروبي (مقر حركة قرنق) واجتماعاته ومحادثاته مع كل من الطرفين. مع ذلك نستطيع التخمين بناء على القرائن الظرفية المتوافرة. واولى التخمينات المرجحة هي ان الحكومة السودانية قبلت من حيث المبدأ على الاقل فكرة الكونفدرالية ... والا لما ارتضت وساطة ابيل ألير اصلا. فالمفترض في مثل هذه الاحوال ان الوسيط يطلع الطرف القريب (ألير يقيم في الخرطوم) على خط افكاره ليأخذ ضوءا اخضر اوليا قبل ان ينطلق في رحلته الوساطية صوب الطرف الآخر.