ابني جوزيف هو الامريكي العربي الوحيد الذي يعمل في مكتب شؤون الشرق الادنى في وزارة الخارجية الامريكية. وقد شغل حتى الآن قرابة عام في منصب المساعد الخاص لمارتن أنديك مساعد وزيرة الخارجية الامريكية . خلال الاسبوع الماضي تعرض جوزيف لهجمة شعواء من المنظمة الصهيونية الامريكية, وهي منظمة متطرفة موالية لتجمع الليكود الاسرائيلي. وهذه الهجمة ليست بسبب فعل أو قول أتاه جوزيف, بل نتيجة مقالتين كان قد كتبهما قبل ان يباشر عمله في وزارة الخارجية. الحملة الصهيونية ضد جوزيف كانت هيستيرية كما ان الخطوات التي ستتخذها معروفة ومتوقعة مسبقا. ولذلك فمن المفيد لنا ان ندرس هذه المحاولة, باعتبار ان الاساليب التي اتبعتها متطابقة مع عدة حملات سابقة شنتها جماعات اليمين المتطرف فيما مضى. وبدأ الهجوم ببيان اصدرته المنظمة الصهيونية الامريكية بعنوان (جوزيف زغبي, مساعد مارتن أنديك, يكتب مقالات تهاجم اسرائيل, والمنظمة الصهيونية الامريكية في الولايات المتحدة تطالب بعزل هذا المساعد المنحاز) . وبغض النظر عن كون جوزيف هو ابني (المنظمة الصهيونية الامريكية تصفني بأني ناشط من اللوبي الموالي للعرب), يذكر البيان مقالتين كتبهما جوزيف كدليل على (انحيازه) وضرورة (إقالته مباشرة) . هذه المقتطفات من المقالين عند النظر اليهما ضمن سياقهما الصحيح, لا تظهران فعلا سوى بعض مشاهدات وخبرات جوزيف التي خرج بها بعد سنتين قضاهما في الضفة الغربية, عندما كان يدير مشروع السلام الفلسطيني, وهو مشروع اسسه بعد التخرج من كليته. ومشروع السلام الفلسطيني هذا قد استقطب اكثر من 40 من المحامين الشباب وطلاب الحقوق الامريكيين الى الضفة الغربية لاكمال دراساتهم في عدة مؤسسات فلسطينية. ونال هذا المشروع المديح من الفلسطينيين والاسرائيليين وكليات الحقوق الامريكية العريقة والمؤسسات الامريكية الكبرى, وكلهم دعموا عمل هذا المشروع. كما نال جوزيف جائزة روبرت كيندي لاخلاصه في العمل العام وخدمته حقوق الانسان. وهذه الجائزة تمنحها جامعة فيرجينيا للحقوق (وهي التي تخرج منها كيندي) لخريجيها الذين يمثلون خير تمثيل اخلاقيات السيناتور الفقيد. وخلال اقامته في الضفة الغربية, تعرف جوزيف على واقع الحياة التي يعيشها الفلسطينيون والفجوة العميقة بين مفاهيم الفلسطينيين والاسرائيليين وبين مفاهيم الفلسطينيين والامريكيين. وكمحاولة منه لردم هذه الفجوة, كتب جوزيف مقالتيه هاتين. كلا المقالتين مؤثرة وعميقة. وفيهما حاول جوزيف ان يعرف المواطن الامريكي بواقع الحياة الفلسطينية اليومية, وان يسلط الضوء على التناقض بين الصورة الشائعة في الولايات المتحدة عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي, وبين ما هو في الحقيقة علاقة شعبين احدهما قوة احتلال ضخمة والآخر لا يزال يفتقد لأبسط الحريات نتيجة التفعيل الجزئي لاتفاق السلام. كما ان جوزيف وعبر مقالتيه هاتين يظهر التزاما شديدا بالسلام الى جانب انه يأمل بأن يتمكن تعامل امريكي متوازن مع المنطقة بتسهيل الوصول لحل عادل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي. لكن ما فعلته المنظمة الصهيونية الامريكية هو انها انتزعت مقاطع من مقالتي جوزيف وأخرجتهما من السياق الكلي لهما في محاولة منها لتشويه ما تحمله من معنى. مع ذلك, تظل هذه المقاطع المتضمنة في بيان المنظمة الصهيونية بعيدة كل البعد عن اي تطرف. وأذكر مثلا هذا المقطع الذي نقل عن جوزيف: (الفلسطينيون ما زالوا يعيشون تحت الاحتلال, ويتكدسون في مخيمات قذرة للاجئين ويعانون من انتهاكات شاملة لحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. والمناطق المحتلة حاليا هي نسخة طبق الاصل من تجمعات السود في جنوب افريقيا... ولا يمكن لمصطلح مثل دولة الأبارتيد... الا ان يكون دقيقا لوصفها) . ويعبر جوزيف عن الأمل بقوله: (اننا كأمريكيين, يمكننا البدء بلعب دور بناء اكثر في انهاء الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني) . طبعا بالنسبة للمنظمة الصهيونية الامريكية فمن غير المعقول استخدام كلمات مثل (الاضطهاد) أو (مخيمات السود) أو (الأبارتيد) . كما ان بيان المنظمة الصهيونية الامريكية قد تجاهل ان هدف جوزيف من كتابة هاتين المقالتين هو مساعدة اصدقائه الامريكيين في فهم ما رآه وما يشعر به الفلسطينيون ويقولونه. كما ان غايته واهتمامه هو خلق فهم اعمق لحقائق الشرق الاوسط وتحقيق بعض التوازن في تناول الولايات المتحدة لهذه الحقائق. وهذا الامر بالذات هو ما اعتبرته المنظمة الصهيونية الامريكية مربكا وهجوميا. ومن هنا انطلق هجومها على جوزيف ومطالبتها بإقالته. ومن المهم جدا ان نعي ان المنظمة الصهيونية الامريكية لا تطلق بيانات فقط, بل انها تنظم حملات. والمنظمة لا تسعى للاشارة الى الاختلافات بالرأي معها أو الدخول في جدالات او حوارات. هدفهم المحدد مسبقا هو تشويه صورة خصومهم وتدميرهم تماما. وتبدأ المنظمة الصهيونية الامريكية بشن حملتها دائما عبر التوجه اولا للمنظمات اليهودية الكبرى. وفي الوقت الراهن, مع ان معظم الجماعات اليهودية الكبرى بدأت تنأى بنفسها عن المنظمة الصهيونية الامريكية, الا ان هذه الجماعات ذاتها تظهر تجاوبا مع الصخب الذي تعمد اليه تلك المنظمة. لا لشيء الا لأن معظم الجماعات اليهودية الرئيسية تريد ان تتفادى تهمة (التراخي) , ولذلك فإنها كلها تسمح للمنظمة بأن تصوغ لها توجهاتها. والنتيجة ان المحررين الاعلاميين اليهود عندما سألوا القادة اليهود عن ردود افعالهم ازاء التهم الموجهة من قبل المنظمة الصهيونية لجوزيف, امتدح بعض هؤلاء تلك الاتهامات حتى دون قراءة المقالتين موضوع ذلك الهجوم. وليس ذلك فحسب بل انهم استخدموا نفس التكتيكات المعروفة عنها, ليصعدوا من المزايدة الخطابية. بعضهم وصف المقالتين بأنهما (انتهاك والاخر قال عنهما (قذرة) . ثم اتى دور فئة اخرى لتتعرض للابتزاز واجبارها على تقديم شهادة الزور وهم حفنة من كتاب الرأي في الصحف الامريكية الكبرى, ومعظم هذه المقالات كانت كأنها مأخوذة عن بيانات المنظمة الصهيونية الامريكية بما في ذلك الاخطاء في الحقائق. لكنها مع ذلك صعدت في خطابية الاتهامات. وبالتالي اصبح جوزيف في صحيفة نيويورك ديلي نيوز (حاقد على اسرائىل) و (عدو خبيث لاسرائيل) بل ان جوزيف يتحمل الان مسؤولية ماسماه ذلك الكاتب (انحياز كلينتون للفلسطينيين) . وفي اليوم الثاني لذلك خرج احد كبار المحررين على صفحات نيويورك بوست, لا يصف جوزيف بأنه (معاد لاسرائيل) بل (معاد لامريكا) ايضا كما اطلقت هذه المطبوعة التي نشرت نفسها احدى مقالتي جوزيف عليهما بأنهما (معاديتان للسامية بتطرف ومليئتان برسائل الحقد والتعصب الأعمى) . ويحاول كاتب المقال في نيويورك بوست ان يتفاعل مع الموقف ليصل حافة الحقد الهيستيري ليطالب بإقالة جوزيف ويأسف لتعيينه اصلا في مثل هذا المنصب وينتهي للقول (ان هذا الشخص يجب الا يسمح له بالعمل وحتى كصياد للكلاب الشاردة) . بينما (نيو ريبابليك) تعتبر جوزيف (معاديا شرسا لاسرائيل وللسياسة الخارجية الامريكية) والمربك في الامر هو ان المستوى الذي وصل اليه تصعيد الحملة لم يستغرق سوى ثلاثة ايام فقط دون ان يسبق ذلك مطلقا اي ذكر لها في الاخبار. السبب بسيط جدا, وهو ان حملة المنظمة الصهيونية كانت عبارة عن جهد مشترك لتمهيد الساحة لبعض القادة اليهود وفي الوقت نفسه بث الخوف في نفوس الاخرين والايحاء لهم بالتزام الصمت, بعد ابتزاز الصحافة مقدما لاعطاء المصداقية لحملتهم. وفعلا اتت الخطوة النهائية في مسيرة الحملة عندما انضم الاعضاء اليمينيون في الكونجرس للزوبعة. فقد اعلن مايكل فوربيس عضو الكونجرس بأنه شعر (بالاسى والغضب) لوجود جوزيف في وزارة الخارجية وتابع ليقول ( لا استطيع التصديق بأن شخصا عديم الاحساس كهذا يمكن له ان يشغل ذلك المنصب المهم كما اعلن فوربيس بأنه سينضم لحملة المنظمة الصهيونية الامريكية ويطلق مناشدة لزملائه في الكونجرس للانضمام اليه في مطالبة وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت (بإخراج جوزيف زغبي من مكتبه) . هذه هي اذا الخطوط الفظة لحملة المنظمة الصهيونية العالمية والتي تشابه كثيرا للاساليب التي اتبعتها سابقا لاخراس ليس الامريكيين العرب فحسب, بل حتى الامريكيين اليهود البارزين الذين يرفضون الانسياق وراء خطها الايديولوجي الضيق. كما انها تشابه الى حد غريب اساليب ( المكارثية) وهو المصطلح الذي اطلق على الحملة المسعورة ضد من يشتبه في موالاتهم للشيوعية والتي شهدتها الولايات المتحدة بداية الخمسينات. والذي فعلته المكارثية لعدم تعرضها لاية مراجعة او نقاش هو انها دمرت حياة الكثيرين من الامريكيين الوطنيين الابرياء بسبب وجهات نظر او افكار عبروا عنها وببساطة. وهذه الحملة شأن المكارثية تعتمد على ترسيخ اختبار الولاء للمواطنة لايعرف الا نتيجتين فقط يقول آبي فوكسمان المدير التنفيذي لجمعية مكافحة التشهير معلقا على قضية جوزيف (لامكان في الوكالة الامريكية, اي وزارة الخارجية, لمن يظهرون وجهات نظر معادية لاسرائيل علنا) . وهذه الحملة شأن المكارثية ايضا, تغطي نفسها بعباءة الحقيقة المطلقة فلا تقوم بأي جهد لتناقش او تجادل في الاختلافات بينها وبين الاخرين بل على العكس تسعى لاخراس اي جدال, عبر استخدام هجمات خطابية مفرطة وقاسية, وتلجأ حتى لنزع صفة الانسانية عن خصمها ودفعه (خار ج نطاق الجماعة البشرية) . فلو قالت المنظمة الصهيونية الامريكية بأنها لاتتفق مع جوزيف عندها قد يبدأ الجدل والحوار, لكن بوصف افكاره بأنها (كريهة) و (مشينة) و (بغيضة) او (خبيثة فإنها بذلك تقطع الطريق امام أية امكانية للدخول في الجدال. كما ان النوايا المبيتة وراء هذه الحملة ليست التشهير بخصومها بل ايضا عزلهم وذلك باجبار الاخرين على التراجع خوفا من هجومهم الخطابي. لسنوات طويلة كان الامريكيون العرب ضحايا لهذا النوع من الهجوم المفرغ من اي جدل سياسي والذي يصبح احيانا غير قابل للتعامل معه. وزارة الخارجية من جانبها دافعت عن جوزيف فبينما وصف مارتن انديك مساعد وزيرة الخارجية بدون وجه حق بعض اراء جوزيف بأنها غير مقبولة ومربكة, فإنه يتابع ليمتدح جوزيف بهذه الكلمات: (انه محترف ومثالي.. جوزيف كان دائما ذكيا وعميقا في تفكيره كما انه نشيط جدا في عمله.. وبعد عمله مع الفلسطينيين فإن هذا الامريكي العربي الشاب قد خبر جيدا جانبهم من الصراع وهو ما كتب عنه لقد كتب لشعوره بالمآساة وليس لشعوره بالغضب بالتأكيد انتقد اسرائيل ومظاهر السياسة الامريكية, لكنه لم يكن سابقا ولاحاليا (حاقدا على اسرائيل) كما تم تصويره. جوزيف زغبي ليست لديه آراء متطرفة وكل من عرفه او عمل معه يشهد بحقه هذه الشهادة.. مازلنا حتى الان نشعر بالرضا عن عمله ولذلك طلبنا منه البقاء معنا وعرضنا عليه ترقية.. لم يتم عزله او اقالته ولن يتعرض لذلك مستقبلا ايضا. جوزيف لم يخسر منصبه فحملة المنظمة الصهيونية الامريكية تدور حول امور اكبر من جوزيف في النهاية يجب الدفاع عنه. ذلك اكيد لكن وزارة الخارجية يجب ان ترد على هذه الحملة بتوظيف المزيد من الامريكيين العرب وليس تقليل عددهم, وبالانخراط في الجدل السياسي الجاد, الذي تحاول المنظمة الصهيونية الامريكية خنقه فهناك غياب جوهري مسبق لاي نقاش حول السياسة الامريكية في الشرق الاوسط وعدم التوزان الخطير في التعينيات والوظائف سواء في وزارة الخارجية او البيت الابيض. وعلى اقل تقدير يجب ان تحدث هذه الحملة الشرسة للمنظمة الصهيونية وزارة الخارجية والبلاد بشكل عام على الالتفات لمعالجة اهتمامات قد لفها التجاهل طويلا. واذا ما ارادت الولايات المتحدة ان تلعب دورا حاسما في الشرق الاوسط عليها ان تستمع لاراء الامريكيين العرب ولوجهات النظر التي تنتقد اسرائيل وتخاطب الاهتمامات الفلسطينية وتبدأ في فهم الحقائق العربية الاوسع. ويتوجب على الادارة الامريكية ايضا ان تنوع بشكل اكبر من موظفيها, واذا ما اراد كلينتون ان يكون صادقا مع وعوده بأن يحقق ادارة امريكية (تشبه امريكا) فإن ذلك يتطلب مشاركة الامريكيين العرب في اتخاذ القرارات على اعلى مستوى. نحن كأمريكيين عرب اصحاب خبرة واسعة جدا واسهاماتنا البارزة مهمة جدا, كما ان دورنا خصوصا في هذه المرحلة الحرجة, اكثر حيوية من ان يتم تجاهله.