حيثما يوجد برلمان يوجد معه ضجيج وحرب كلام وصخب, من أمريكا غرباً التي أنهت أكبر ضجة خاصة من نوعها عرفها برلمان في التاريخ, هي ضجة مونيكا, إلى إيران شرقاً حيث يجرى استجواب وزير الثقافة فيها بتهمة إثارة الفحش والسكوت عنه في أجهزة الاعلام وإتاحة الحريات للكتاب والفنانين, مرورا بالطبع ببقية البرلمانات الأوروبية والآسيوية , وليس إنتهاء ببرلمان تركيا الذي يثير ضجة تتعلق بحجاب برلمانية منتخبة. وبما أن شغل البرلمانات هو الكلام, الى درجة الاشتباك والعراك, باللسان والصوت والحجة, وليس بالأيدي والخناق, مع أن هناك برلمانات لا تجيد غير اللطم واللكم فعلاً كبرلمان تايوان الشهير, فإن البرلمانات لا تخلو عادة من زعيط ومعيط ونطاط الحيط, الذين لا أثر سياسياً أو فكريا لهم, إذ لايزيد الواحد منهم عن كونه زوبعة في فنجان. هذا النوع من البرلمانيين أكثر ما نراه في برلمانات العرب, لذلك لا نرى دوراً حقيقياً لهذه البرلمانات في حياتنا السياسية أكثر من الزوبعة المذكورة سابقا, لذلك نترك زعيط ومعيط إلى حيث يمكن أن نرى برلمانات ترسم سياسات وتناقش سياسات, وتشارك في وضع خطط للمستقبل وإتجاهات أو تعمل على تغييرها, بحيث تصبح مشاركتها في إدارة دفة بلدانها جزءاً أصيلاً من ضجيجها وعراكها وصخبها. وتوقفت أمس عند مناقشة البرلمان الايراني لوزير الثقافة مهاجراني المتهم عند برلمانيين متشددين بالانفتاح أكثر من اللازم إلى درجة التساهل مع فنانين وكتاب وصحافيين والى درجة السماح بعودة السينما والموسيقى إلى حياة الايرانيين بعد إنغلاق, وإشاعة قدر أكبر من الحريات, في الوقت نفسه الذي عقد فيه البرلمان التركي أول جلسة له أمس على خلفية صراع ذات طابع عقائدي, بين السماح لبرلمانية إسلامية بحضور الجلسة بحجابها أم بضرورة خلعها للحجاب إحتراماً للتقاليد العلمانية التي تسير عليها البلاد. طبعاً ما يجمع إيران وتركيا كثير علاوة على الجغرافيا المشتركة والحدود وتاريخ ممتد وعقيدة إسلامية وربما تقاليد وعادات متشابهة في صور كثيرة منها, وما يفرق بينهما في الوقت ذاته كثير ايضا, خاصة في إطاره السياسي والاجتماعي, فإذا اضفنا لما سبق أن البلدين يقف كل منهما عمليا على مفترق طرق خطير, سواء ناحية مزيد من التشدد كما في تركيا والحفاظ على العلمانية أم ناحية مزيد من الانفتاح والحفاظ على روح الثورة الاسلامية كما في إيران, فإن ما يجري تحت قبتي البرلمانيين فيهما يصبح جديراً بالاهتمام والمتابعة. وهكذا فانه اذا كان وزير الثقافة الإيراني قد أفلت من الاطاحة به برلمانياً حين أحسن الرد على منتقديه, فأنقذ لا نفسه ومنصبه فحسب, بل السياسة الاصلاحية للحكومة الايرانية, فإن ما يمكن أن تسفر عنه جلسة البرلمان التركي حول حجاب عضوة فيه, يمكن أن يكون هو أيضا مؤشرا نحو المستقبل, فقبول العضوة بحجابها يعني إقرارا بالتخلي عن شيء من الإتاتوركية, وقبولا بالتحول نحو مزيد من التشدد, مقابل استمرار السياسة الاصلاحية في إيران, فنعرف أن هناك بلدين إسلاميين, يتجه أحدهما الى خلع حجابه وآخر يتجه إلى ارتداء الحجاب. المرجح حسب الأغلبية البرلمانية العلمانية فيه أن يرفض البرلمان التركي إرتداء الحجاب تحت قبته, خاصة أن هناك عضوة أخرى حاليا من الاتجاه الاسلامي تحضر الجلسات بشعرها الاشقر الطويل المكشوف إستجابة لتقاليد البرلمان, غير أننا نختم بما بدأنا به, أي ضجيج البرلمانات, فنميز بين ضجيج وآخر, ليس منه بالتأكيد ضجيج برلماناتنا العربية, ذلك لأن قبة البرلمان كلما كانت أكثر إرتفاعا كان ضجيجها أكثر حيوية, وكلما انخفضت هذه القبة بالكاد نسمع ضجيجا مفيداً, فعادة من يكون تحت القبة المنخفضة يختنق بصوته فلا يستطيع سوى أن يبقبق.