كان للمذياع في منازلنا القديمة نفوذ وسطوة, كان همزة الوصل بما يحدث في عواصم العروبة البعيدة وتحديداً في دمشق وبيروت والقاهرة , ولذلك كان الاستماع لنشرة الاخبار طقسا اقرب للقداسة, كما كانت (صوت العرب) تذيع برامجها واخبار عبدالناصر وخطبه مضبوطة على ايقاع الحس العربي المتوتر هنا في امارات (الساحل المتصالح) كان ذلك ذات ماض من ايام الخمسينات والستينات. لقد كنا صغاراً جداً, ومع ذلك فإن ذاكرة الصغار تبقى طازجة تحمل عهد الايام, وتفاصيل الاحداث, ورائحة الامكنة بشكل غرائبي حميم, كما تظل على وفائها لبصمات الطفولة الدافئة, وقد احتفظت الذاكرة من حكاية المذياع بتفاصيل لا تنسى كنشرة الاخبار, ووصلة الظهيرة للسيدة ام كلثوم, وخطب عبدالناصر وتعليقات احمد سعيد عبر اثير (صوت العرب) , وبرنامج السياسة بين السائل والمجيب من هيئة الاذاعة البريطانية. لقد ذهب مجد الاذاعات القومية ذات الصبغة الصارخة, كما ولت هيبة الاذاعات الرصينة, اليوم لا تختلف الاذاعات كثيراً عن صحف (التابلويد) الصفراء, فهذه تروج الفضائح من اجل توزيع اكثر وربح اكبر, والاذاعات تروج التفاهة عن طريق أغاني الصرعات وفرق الاعراس ومطربي فنادق الدرجة الثالثة. غابت البرامج ذات المردود الثقافي الممتع, وما عاد الناس يسألون عن اسرار السياسة, فما عاد لهذه اسرار بعد ان اصبحت كالغسيل منشورة على جبال العالم وعلى الهواء مباشرة, صحيح ان صوت ام كلثوم ظل ينساب كل ظهيرة من اذاعة دبي مع نشرة اخبار الثانية.. إلا أن روح المذياع وسطوته ودوره ما عادت كأيام الأمس الحميمة. تنقل المؤشر بين اذاعاتنا الكثيرة فلا تكاد تسمع شيئاً غير الأغاني, أغنية مهداة واخرى منتقاة وبينهما اغنية مختارة وهلم جرا, وكأن هناك من يرصد حركة المجتمع ويتربص بوعيه وذوقه ويحاسبه على (جريمة) الذائقة الجمالية والاختيار السليم, فيغتال ذائقته ناشرا اكبر قدر ممكن من نفايات الطرب والفن عبر اثير الاذاعات المحلية والعربية. ولولا بضعة برامج هادفة وجماهيرية على شاكلة (البث المباشر) ومجموعة من نشرات الاخبار, وبضعة اصوات شابة مواطنة تدفع الامل في نفوسنا, لقلنا بأنه لم يعد للاذاعة اليوم مهمة او رسالة محددة, تماماً كما لم يعد للتلفزيون رسالة أيضاً, الا اذا اعتبرنا ترويج اكبر قدر ممكن من اغاني الفيديو كليب مهمتنا الاعلامية الاولى ومشروعنا الحضاري والقومي العملاق الذي نقدم به انفسنا لحضارات العالم المتطورة في بداية القرن المقبل. فإذا سلمنا جدلاً بأهمية هذا (المشروع القومي الفني الخطير) فإن تبني كل الاصوات (الشابة) و(الموهوبة) والمتخرجة من أفضل نوادي الليل في فنادق الدرجة الثالثة, هو طريقنا لتحقيق هذا المشروع, وعليه فلا حل لانجاح هذا المشروع الكبير الا بتشجيع عملية تناسل اذاعات الـ (اف. ام) التي صارت ميداناً مفتوحاً بلا ضوابط لتقديم اغان هابطة. وتتحول ساعات البث الى اغنيات بلا طعم, وتتحول هواتف الـ(اف.ام) الى خطوط ساخنة لطلب المزيد منها ولاهدائها, والعجيب ان تنحصر الاتصالات احياناً كثيرة في فئة معينة او جنسية معينة هي جنسية معد او مقدم البرنامج.. وغالباً ما يغيب الصوت المحلي في التقديم والصوت الخليجي في الاغنيات.. فهل يحدث ذلك عن طريق الصدفة؟ اخيراً.. تحية لدبي اف ام وللكوادر المواطنة التي تتألق كل يوم عبر أثيرها.