من المتواترات التي لا يسأم اساتذة مادتي العلوم السياسية والعلاقات الدولية من ترديدها على مسامع طلابهم في جامعات العالم قاطبة انه حينما تتصادم المصالح الحيوية لدولة ما مع مبادىء العدالة الدولية فإن الاولوية تكون للمصالح (بقدر ما تستطيع الدولة المعنية مواجهة تبعات قواعد ونصوص القانون الدولي) ولكن يبدو ان ذلك لا ينطبق على تلك الدول الفريدة العظمى التي تمتد مصالحها الحيوية على مساحة العالم بأسره ـ الولايات المتحدة الامريكية, وابرز مثال هو البدعة الامريكية التي يطلق عليها سياسة فرض العقوبات الاقتصادية. لقد سجلت واشنطن على نفسها الآن تراجعا جزئيا عن تلك الاجراءات العقابية التي ظلت سارية لمدى سنين متصلة على كل من ليبيا والسودان وايران. فقد اعلنت الادارة الامريكية قرارا بالغاء الحظر على صادرات المنتجات الزراعية والطبية الى هذه الدول الاسلامية الثلاث. والسؤال المطروح هو: لماذا لجأت الولايات المتحدة اصلا الى خرق قاعدة (المصالح الحيوية) بالتسبب في منع الشركات الامريكية نفسها من التعامل التجاري مع بعض اسواق العالم, وبالتالي حرمانها من مكاسب في عالم توفر فيه حرية التنافس ترف الخيارات البديلة للمشترين؟ الاجابة: أمن اسرائيل! اعتبارات الامن الاسرائيلي هي العنصر المحوري الذي يحدد مسار وتوجه وتحرك الآلة الدبلوماسية الامريكية تجاه منطقة الشرق الاوسط. من هذا المنطلق صنفت الدول الثلاث: ليبيا والسودان وايران على اساس الموقف الثابت لكل منها تجاه الدولة اليهودية, ومن ثم وضعت على قائمة (رعاية الارهاب) . غير ان تطبيق العقوبات افرز تطورا على الصعيد الامريكي الداخلي يتصل بمسألة المصالح الحيوية, فعندما لوحت الحكومة الايرانية قبل بضعة اسابيع بعرض الى السوق الامريكية لشراء قمح بقيمة 500 مليون دولار نقدا هبت الشركات الزراعية الامريكية واتحادات المزارعين تطالب بالغاء العقوبات المفروضة على ايران, وعلى الفور تلقف المسألة (اللوبي) الزراعي في الكونجرس. تلك كانت النقطة التي افرزت بالتداعي قرار الرفع الجزئي للعقوبات الذي صدر مؤخرا ليبرز الى السطح التناقض بين مصالح قومية امريكية وأمن اسرائىل. هل يعتبر رفع الحظر الجزئي عن المنتجات الغذائية والطبية بداية لمراجعة امريكية شاملة قد تمتد الى الاستثمارات النفطية؟ ان الامر في اجماله يعتمد على مدى نجاح الشركات الامريكية المتعاملة في اسواق العالم الخارجي في الانتصار على جماعات الضغط اليهودية الامريكية التي يمثلها (لوبي) الكونجرس. لقد ضاعت فرصة ثمينة على شركات النفط الامريكية مثلا بسبب العقوبات, فقبل بضع سنين كانت شركة (كونوكو) الامريكية على وشك الفوز بتعاقد مع ايران بقيمة ملياري دولار لاستثمار حقل نفطي جديد, ففي اللحظة الاخيرة اضطرت للانسحاب بعد ان اصدرت الادارة الامريكية ـ بضغط يهودي داخلي ـ (امرا تنفيذيا) يحظر على (كونوكو) المضي قدما في التعاقد مع الطرف الايراني, وعلى الفور دخلت على الخط (توتال) الفرنسية لتظفر بالصفقة. والان تقف الشركات النفطية الامريكية على الحافة تتطلع من بعد وبغير قليل من الحسرة الى شركة (ايني) الايطالية وهي تتفاوض مع الحكومة الليبية على استثمارات نفطية جديدة بعدة مليارات من الدولارات. وهنا يطرأ سؤال: ألا تدرك الادارة الامريكية ابجديات (ميكانزم) العرض والطلب وهي التي لا تكف عن تقديم فلسفة (اقتصاد السوق) الى العالم وكأنها انجيل مقدس؟ ان واشنطن تعلم لكنها لا تستطيع ان تعمل بما تعلم الى ان تتحرر الادارة الامريكية واجهزة السلطة الامريكية بما في ذلك البيت الابيض والكونجرس والمؤسسات الاستخباراتية من القبضة الحديدية اليهودية.