لعل ما يؤكد على مفارقات سياسة النفاق والكيل بمكيالين التي تمارسها أمريكا وحلفاؤها الأوروبيين في الحلف الأطلسي عبر الادعاء بأن القصف الصاروخي الرهيب ليوغسلافيا على مدى فاق الشهرين , انما رد فعل لوحشية الصرب في ممارسة أساليب التطهير العرقي ضد الألبان المسلمين من سكان كوسوفو, في الوقت الذي يُفرض عليهم الامتناع عن التزود بالسلاح دفاعا عن النفس والعرض والوطن, وهو نفس ما تمارسه اسرائيل الآن بشكل أو بآخر علانية ضد سكان القدس العرب من المسلمين والمسيحيين, عبر مصادرة هوياتهم, وهدم منازلهم, وطردهم, واغلاق مؤسساتهم, وتكبيلهم بالضرائب, وفرض ألوان الحصار على تنقلاتهم وانشطتهم التجارية والاقتصادية والعمرانية والاجتماعية والثقافية, فضلا عن تعرضهم لرصاص وطعنات المستوطنين اليهود دون رادع من القانون أو وازع من الانسانية, وتحت سمع ومرأى النظام الدولي الذي تتزعمه أمريكا! ورغم ان سياسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين ليست جديدة, وقد بدأ تنفيذها لأول مرة على النسق (الصربي) الراهن عبر المذبحة الجماعية التي ارتكبتها ميليشيات العصابات الصهيونية ضد سكان قرية دير ياسين, ثم تتابعت بين الحين والآخر على مدى خمسين عاما من مراحل الصراع العربي الاسرائيلي, وتفاقمت بشكل مروع في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين (صبرا وشاتيلا) ابان اجتياح القوات الاسرائيلية للبنان, إلا ان تنفيذ مخطط التطهير العرقي لسكان القدس في عهد حكومة نتانياهو بوتيرة متسارعة ومتصاعدة في العنف, استهدف كسب أصوات اليمين الديني المتطرف في المدينة بوجه خاص, لكن خطة اسرائيل المبرمجة لتهويد القدس كانت قد بدأت بالفعل قبل ذلك بنحو 30 عاما. فور احتلال القدس الشرقية عام 1967, ولولا صمود الفلسطينيين وتشبثهم بالأرض وامتناعهم عن ركوب الحافلات التي أعدت آنذاك لترحيلهم جماعيا إلى خارجها, إذن لحققت الحركة الصهيونية حلمها الأثير الرامي إلى تحويل القدس إلى عاصمة أبدية لإسرائيل! صحيح ان نسبة من المقدسيين اضطروا إلى النزوح عن المدينة تحت وطأة الارهاب الاسرائىلي, وشتى ألوان الضغوط الاقتصادية والنفسية والملاحقات الأمنية والتعسف في استخدام القانون, وقلة قليلة رضخت لأساليب الاغراءات وباعت بيوتها للعملاء, والسماسرة الفلسطينيين الذين نقلوا ملكيتها تباعا إلى اليهود, بينما كان المفروض انشاء صندوق عربي لدعم صمود الفلسطينيين والقيام بعملية شراء ما يعرضونه من ممتلكاتهم, لكن ظلت الغالبية العظمى من الفلسطينيين لا يتزحزحون قيد أنملة عن بيوتهم وأعمالهم ومجتمعاتهم, حين اشتدت أزمة الاسكان في القدس وارتفعت أجورها, انتقل فقراؤهم للسكن بضواحي القدس, ثم عادوا اليها متجشمين ويلات المعاناة المعيشية, اثر سحب هوياتهم بدعوى عدم اقامتهم داخل القدس بشكل دائم! ملامح الصورة العامة لتنفيذ مخطط التفريغ العرقي ايذانا بتهويد القدس تبدو خطيرة وغاية في القتامة, وتنذر بفرض الأمر الواقع الذي يصعب تغييره بعد ذلك على مائدة مفاوضات المرحلة النهائية للاتفاقيات المعقودة بين الفلسطينيين والاسرائيليين, فاضطهاد المسلمين والمسيحيين دينيا وعرقيا على أشده, والاعتداء على مقدساتهم يدحض أكذوبة ادعاء الغرب بأن اسرائيل واحة الديمقراطية والحريات في الشرق الأوسط, وقد اذاعت (البي.بي.سي) مؤخرا برنامجا ينفي هذا الزعم, سواء عبر طرد المسيحيين من الكنائس ومنعهم من اقامة الصلوات في القدس, واعتقال ثلاث راهبات سويسريات بتهمة الدعوة إلى المسيحية, وربما لذلك كان المسيحيون يمثلون النسبة الأعلى من الفلسطينيين الذين نزحوا عن المدينة في السنوات الخمس الأخيرة, بينما يمثل المسلمون النسبة الغالبة من سكان القدس العرب, ويتعرضون بشكل سافر على يد الجماعات اليهودية المتطرفة, الى مضايقات دينية وعرقية مماثلة, لعل أبرزها اقتحام المستوطنين اليهود ساحة المسجد الأقصى, وممارسة صلواتهم تحت فوهات الرشاشات, ومواصلة عملية الحفر تحت جدران وأساسات الأقصى, الى حين انهياره تلقائيا توطئة لبناء الهيكل التلمودي المزعوم. والأدهى والأمر ان تعمد اسرائيل عبر اساليب خبيثة الى اضرام نار الفتنة لفصم وشائج التآخي والتسامح بين المسلمين والمسيحيين التي ظلت على مدى التاريخ نموذجا مثاليا للوحدة الوطنية العربية, ومن ذلك ما حدث مؤخرا حول تأجيج اسرائيل الخلاف بين الطائفتين حول شروع المسلمين في بناء مسجد على أرض وقف (شهاب الدين) التي خصصها الوقف لهذا الغرض منذ عهد صلاح الدين الأيوبي, بدعوى ان المسجد سوف يحجب مشهد كنيسة (البشارة) المقامة على الجبل المطل على مدينة الناصرة, بينما تعج ربوع فلسطين المحتلة بمشاهد المساجد والكنائس المتجاورة, وبينها مسجد عمر بن الخطاب وكنيسة القيامة, ورغم ان اسرائيل حرصت على أن تبدو محايدة ازاء هذا النزاع, الا انها تعد العدة من الآن لبناء مشروع ضخم لموقف للسيارات على الأرض نفسها, استعدادا لاستقبال السواح خلال الاحتفالات الدينية بمناسبة الألفية الميلادية الثانية عام 0,200 في الوقت الذي شرعت لبناء برج سياحي فوق جبل المكبر, مما دعا الكاتب الاسلامي فهمي هويدي الى الدعوة لتغيير شرط الوقف وبناء المسجد في مكان آخر قريب, لتفويت الفرصة على اسرائيل لإشعال الفتنة! والشاهد ان اسرائيل ضربت وتضرب يوميا عرض الحائط باتفاقيات السلام مع الفلسطينيين التي تنص بوضوح دون أي لبس أو تأويل, على بقاء الوضع في القدس دون مساس أو تغيير الى حين مرحلة المفاوضات النهائية, كما وان القانون الدولي الذي يحكم أوضاع الدول والمناطق التي ترزح تحت نير الاحتلال الأجنبي, يفرض على اسرائيل استمرارية القوانين والأوضاع التي كانت سائدة قبل الاحتلال, لكنها لم تأبه لتلك المحاذير, وراحت تزرع المستوطنات داخل القدس وحولها بعدما أعلنت عن ضم القدس الشرقية, تكبيلها بحزمة من القوانين والاجراءات التعسفية, على أمل تفريغها من الفلسطينيين, وتغيير خريطتها الديمغرافية, وكان آخرها تفويض مجلس الوزراء الاسرائيلي المصغر في استصدار قرار باغلاق المكاتب الثقافية والاجتماعية في بيت الشرق الذي يرأسه فيصل الحسيني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير المسؤول عن ملف القدس, بدعوى ممارسة هذه المكاتب نشاطات سياسية محظورة لصالح السلطة الوطنية الفلسطينية, لكن الحسيني واجه التحدي وعقد اجتماعا مع السفراء والقناصل الأجانب في بيت الشرق, وبدورهم أعلنوا عدم اعترافهم بالقدس عاصمة لاسرائيل, واستمرارية وضعها الدولي تحت الاحتلال وفقا لقرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة عام ,1947 في الوقت الذي صدر مشروع بيان عن مؤتمر برلين مؤخرا مؤكدا على وضع القدس تحت الاحتلال, اضافة إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم واقامة دولتهم المستقلة! مصر من جانبها أعلنت كذلك على لسان وزير خارجيتها عمرو موسى استنكارها لاغلاق المكاتب الفلسطينية, وان القدس ما تزال تحت الاحتلال, وقرارات الأمم المتحدة واتفاقيات أوسلو وواي بلانتيشن تؤكد على ان أوضاعها النهائية لم تقرر بعد إلى حين المفاوضات النهائية بشأنها, وبالتالي فإن اقامة المستوطنات وطرد السكان وتغيير هوية القدس الديمغرافية عمل غير شرعي, ورغم ان المؤسسات والمكاتب الفلسطينية غير مستحدثة, وقد استمرت في ممارسة نشاطاتها بعد الاحتلال الاسرائيلي, واكتسبت شرعيتها بموافقة اسرائيل على أن يظل بيت الشرق مقرا للمفاوضات المتعددة الأطراف ومفاوضات الحل النهائي حول مصير القدس. الا ان نتانياهو وجه وزير الأمن الداخلي الاسرائيلي أفيجدور كهلاني لاغلاقه واقتحامه إذا لزم الأمر بالقوة, وتفويت فرصة الطعن في القرار أمام المحاكم الاسرائيلية, لعل وعسى أن يستبق نتانياهو الزمن لاقتلاع ملف القدس وقطع صلته السياسية والسيادية العضوية بملف الدولة الفلسطينية, بعد أن باتت محور اهتمام ودعم العديد من دول العالم التي أعلنت استعدادها للاعتراف بها بمجرد اعلانها, وهكذا كلما اقترب موعد الانتخابات الاسرائيلية تصاعدت موجة سحب هويات المقدسيين والاستيلاء على مساكنهم وبناء المزيد من المستوطنات اليهودية, حيث ارتفعت نسبة المحرومين من الاقامة في القدس إلى 600% عما كانت عليه منذ خمس سنوات على حد تأكيد عبدالله كنعان أمين عام اللجنة الملكية الأردنية لشؤون القدس, ووصل عدد الذين سحبت هوياتهم منذ عام 1996 إلى ستة آلاف فلسطيني في تأكيد آخر لفيصل الحسيني. ويبقى في النهاية السؤال عن المطلوب فلسطينيا وعربيا لانقاذ القدس من شفا التهويد والضياع, ونحسب ان دعم محور المقدسيين واجب قوي والتزام روحي من المجتمع تفعيله في صيغ اقتصادية واجتماعية وثقافية فاعلة, لكن يظل المطلوب سياسيا ودبلوماسيا, التأكيد على استمرارية موقف الإدارة الأمريكية الرافض لقرار الكونجرس باعتماد القدس عاصمة أبدية لاسرائيل, والحيلولة دون نقل السفارة الأمريكية وغيرها من السفارات الأجنبية إلى القدس أسوة بسفارتي السلفادور وكوستاريكا, ومن هنا نحيي موقف الجامعة العربية ومبادرتها لاثناء عمدة فلورنسا عن تلبية دعوة عمدة القدس الاسرائيلي يهود أولمر لحضور ندوة (لقاءات متوسطية) , حيث لا يجوز عرفا أو قانونا تمثيل سلطة الاحتلال لشعب محتل!