الآن, وقد اقترب الرابع من مايو, حتى لم تعد تفصلنا عنه غير ايام معدودة, يتضح انه لن يكون اكثر من يوم عادي في حياة الشعب العربي الفلسطيني , او كما يقول احد الظرفاء او الخبثاء في تعريفه لهذا اليوم (بانه اليوم الذي يلي الثالث من ايار, ويسبق الخامس منه) . وهذه الصورة للرابع من ايار ليست جديدة الا على من لم تسعفه بصيرته على النفاذ لجوهر الامور, او من اخذ بالضجيج, وترك لاذنيه قرار الحكم, بينما اغمض عينيه عن كل المؤشرات والوقائع التي كانت تقود كلها الى الاستنتاج, بان الرابع من مايو لن يشهد الحديث الدراماتيكي المنشود, ولا اعلان قيام الدولة العتيدة. فحدث بهذا الحجم, وبما يعنيه من نقلة نوعية في الحياة السياسية الفلسطينية هي الأولى في تاريخ الشعب العربي الفلسطيني من حيث الطموح الى ممارسة سيادة فعلية على ارضه, وما يترتب عليه من تبعات ونتائج, لا يكفي للاستعداد له, وتنفيذه على ارض الواقع, عن الرغبة او النية, واطلاق التصريحات التي تداعب المشاعر وتدغدغها, ولا يلبيه التحرك على الصعيد الدولي فقط, مهما اتسع نطاقه او تعددت اطرافه. طوال الاشهر الماضية, كان المواطن الفلسطيني, ينام ويصحو على مقولة اعلان الدولة, ولكنه كان في الوقت نفسه يراقب, ويحلل ويقارن بين القول والفعل, بين توفير مقومات قيام الدولة, ومعطيات وعوامل التأجيل, فيلاحظ ان عوامل التأجيل ودواعيه هي الغالبة. فبمجرد ان تم ربط اعلان قيام الدولة بانتهاء المرحلة الانتقالية لاتفاق اوسلو, فان ذلك يعني ربطها بهذه الاتفاقيات ومراحلها ونتائجها, وهذه الاتفاقات لا تؤشر من قريب او بعيد على دولة فلسطينية, ولا حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني, بل ان هذه الاتفاقات لم تحسم فلسطينية الارض التي تقام عليها الدولة, ولا حدودها, وظل المنطق الاسرائيلي هو السائد باعتبارها اراض متنازع عليها, وتحسم عن طريق المفاوضات. وحتى الاستناد الى القرار (242) التي قيل ان اتفاقات اوسلو قامت على اساسه, لا يضيف كثيرا لرصيد الموقف الفلسطيني وحججه, ذلك ان هذا القرار لايقضي بحتمية قيام دولة فلسطينية, بل ربما لم ترد فيه كلمة فلسطين ولو مرة واحدة, فهو يتحدث عن اراضي دول عربية احتلت عام ,67 حين كانت الضفة جزءا من المملكة الاردنية الهاشمية, والقطاع مسؤولية مصرية. كما ان التزام الجانب الفلسطيني باتفاقات اوسلو, رغم اجحافاتها, ورغم التراجع الاسرائيلي عن تطبيق معظمها, جعله يتجاهل او يهمل القرار الدولي الاهم والوحيد الذي اعطى الفلسطينيين حقا معترفا به دوليا, باقامة دولتهم, وهو القرار رقم (181) الذي لم يربط حق الفلسطينيين في دولتهم بموافقة اسرائيلية, بل ربط قيام الدولة الاسرائيلية ذاتها بقيام الدولة الفلسطينية. هذا فضلا عن انه اعطى الفلسطينيين مساحات من الارض تفوق اضعاف مايطمحون اليه الآن, واعطاهم الحق في ارضهم والبقاء فيها داخل الدولة الاسرائيلية ذاتها. وطالما ارتبط اعلان الدولة بالاتفاقات, فان هذه الاتفاقات لم ينته التفاوض حولها, بل ان الجزء الاهم منها الذي يتضمن التفاوض على ما يمكن توفيره من شروط السيادة, والحدود, والمياه, والاستيطان واللاجئين لم يبدأ بعد, وهو منطق تتذرع به اسرائيل وتحاجج به حتى على الصعيد الدولي على أن ليس من حق الفلسطينيين القفز عن مراحل المفاوضات, والتفرد باتخاذ القرارات. وحتى لو تجاوز الجانب الفلسطيني هذه النقطة, واعتبر أن ذلك حق له ليس من حق إسرائيل أن تتدخل فيه, محملاً إياها مسؤولية عرقلة المفاوضات والتنكر للاتفاقات, فإنه سيصطدم بعقبة هامة تتعلق بموقفه من الاتفاقيات ذاتها, وكيفية التصرف في العلاقة مع الجانب الإسرائيلي بعيداً عن شروط الاتفاقيات التي تحكم وتتحكم في الحياة الفلسطينية, من حركة المرور على المعابر دخولاً وخروجاً, والتنقل بين الضفة والقطاع, وحتى حركة المرور للمسؤولين في السلطة الذين يحملون بطاقات الشخصيات الهامة التي تصرفها لهم إسرائيل, إلى اتفاقيات العمل والعمال والضرائب والجمارك, وجميع الجوانب الاقتصادية المتعلقة بالواردات والصادرات... الخ. وإذا كان الجانب الفلسطيني لا يملك أجوبة تتيح له التصرف أو التعامل مع هذه الحالة, فإنه سيفكر ملياً قبل الإقدام على خطوته, هذا فضلاً عن أنه لم يوفر الشرطين الأساسيين لقيام الدولة, وأعني الارض التي تقوم عليها, وعوامل السيادة التي لا معنى لمسمى الدولة, ولا قيمة دون توفرها, وهو يعلم أن غياب هذين الشرطين هو الذي حال دون بعث الحياة في إعلان الدولة الذي صدر في الجزائر في نوفمبر ,1988 وأبقاه حتى اللحظة حبراً على ورق, كما حال غيابهما من قبل في تطبيق القرار (181) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 مؤكداً حق الشعب الفلسطيني في دولته على أرضه, كما أن غيابهما كان السبب الرئيسي في موت حكومة عموم فلسطين التي أنشئت في غزة عام ,1948 قبل أن تحصل على الاعتراف بها عالمياً وعربياً, وقبل أن تحصل حتى على إجماع الشعب الفلسطيني عليها. إن تحدي هذه العقبات والصمود في وجهها والتغلب عليها, هو أشبه بحالة حرب قد تفرض على الطرف الفلسطيني في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية, مما يوجب عليه أن يلتفت الى جبهته الداخلية لتعبئتها, وتعزيزها, وتطهيرها من كل عوامل الفساد والترهل والإحباط التي تشوبها, وتوحيد الصف الوطني بكل تياراته باعتبار القضية تخص الشعب كله وليست مسؤولية السلطة الوطنية وحدها. وقد يمتد أثر الخطوة الفلسطينية ليعكس نفسه على الوضع العربي, والأمن القومي العربي, وهو ما يجعل الخطوة مسؤولية جماعية عربية شعبية ورسمية, يتعدى الدور العربي فيها مسؤولية النصح والإرشاد أو إبداء الرأي. وبدلاً من أن ينصب الجهد الرسمي الفلسطيني باتجاه تفعيل العامل الذاتي الفلسطيني وهو الأساس, والعامل العربي, وهو الرديف, قفز هذا الجهد الى العام الخارجي, وراهن عليه أكثر من رهانه على العاملين الفلسطيني والعربي. ومهما بلغ تعاطف المجتمع الدولي, أو تأييده ــ حتى لو حسنت نواياه ــ فليس في وسعه أن يوفر شروط ومقومات إقامة الدولة, ولن يتجاوز دوره دور العامل المساعد للفعل الذاتي, وتأثيره يتناسب قوة وضعفاً مع قوة وضعف العامل الذاتي. فما بالنا إذا كان هذا المجتمع يحكمه ويتحكم فيه طرف حليف لإسرائيل لا يحرجها ولا يخرج عن إرادتها. ولم تزد مصلحة الموقف الأمريكي عن إطلاق عبارات غامضة تتحدث عن اختيار الفلسطينيين لمستقبلهم على أرضهم, أما حق تقرير المصير, والدولة المستقلة فهما غير واردين في قاموس السياسة الأمريكية. وقد جاءت نصائح المجتمع الدولي كلها, وحتى العربي الرسمي تصب في خانة تأجيل اعلان قيام الدولة, وعدم الاقدام عليها من طرف واحد, وقد لقيت هذه النصائج صدى وتجاوبا لدى الطرف الفلسطيني. اولا: لانه حريص على استرضاء المجتمع الدولي طالما جعل رهانة عليه بالدرجة الاولى وصولا الى اشراكه في القرار ولانه بحاجة الى دعمه السياسي والاقتصادي. وثانيا: لاسباب داخلية فلسطينية فالتأجيل يوفر غطاء لحالة الضعف الذاتي التي تدركها القيادة الفلسطينية رغم تغافلها عنها او مكابرتها فيها, فهي تعلم انها لم تولها الجهد الذي تستحقه, ولم تخلصها من عوامل الضعف التي تعرقل حركتها. وثالثا: لاسباب تتعلق بالاتفاقات ذاتها, والشراكة التي فرضتها هذه الاتفاقات على الجانب الفلسطيني وجعلته مقيد اليدين, ولايتمتع بحرية اتخاذ هذا القرار وحده بعيدا عن نتائج المفاوضات والموافقة الاسرائيلية وهو ما سيقلص من حجم هذه الدولة, فيما لو قامت, وينتقص من شروط سيادتها. لذلك يبدو التراجع عن اعلان قيام الدولة في الرابع من مايو او تأجيله امرا محتما ولم يعد خيارا للجانب الفلسطيني. ويبقى السؤال: كيف يستفيد الجانب الفلسطيني من هذا التأجيل سواء تم بارادته أم جاء نتيجة حسابات وعوامل لاقدرة له في الوقت الراهن على مواجهتها او القفز عنها, وهل يجعل من المساحة الزمنية المتاحة التي يبدو انها ستمتد على الاقل لعام مقبل, فرصة للمراجعة واعادة النظر في كثير من مواقفه وسلوكياته, وطرق تعامله مع حكومة الاحتلال؟ وهل يدرك ان استمرار التزامه بالاتفاقيات المجحفة له حدود؟ وان تصرفات قوى الاحتلال توفر له كل الاسباب لاعادة النظر في التزامه بهذه الاتفاقيات؟ وهل تكون هذه فرصته الاخيرة للعودة الى الشعب والاستناد اليه بكل طاقاته وفعالياته وقواه؟ تلك اسئلة تحمل الاجابة عليها الحكم على مدى الجدية والاهلية في التعامل مع القضية الوطنية. عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية*