لعله من سخرية الاقدار ان يتوافق احتفال حلف شمال الاطلسي (الناتو) بمرور نصف قرن على توقيع الاتفاقية المنشئة له, مع انخراط قوات الحلف في اول عمل عسكري منذ قيامه , ولعله من قبيل السخرية ايضا ان يكون هذا العمل العسكري موجها ضد عدو (لم يدر بخلد مؤسسي الحلف ابدا) وان يتم هذا العمل العسكري ليس في ظروف الحرب الباردة التي قام الحلف في اطارها وانما بعد عقد من سقوط سور برلين الذي كان رمزا لانقسام اوروبا, وانهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة. هذه المفارقات توضح ازمة (الدور) التي يواجهها حلف الاطلسي خلال السنوات العشر الاخيرة, فقد قام الناتو كجزء لا يتجزأ من بيئة الحرب الباردة ومناخها, وكجزء من المواجهة التي شهدها العالم بين الكتلتين الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي وكان رمزها حلف وارسو, والغربية بقيادة الولايات المتحدة ورمزها الناتو, وكانت برلين المقسمة هي ابرز شاهد على تلك المواجهة, فعلى جانبي السور تمركزت قوات حلف وارسو من جهة وقوات حلف الاطلسي من جهة اخرى. لذلك. فمنذ عام 1989 دار نقاش في داخل الحلف, وفي مراكز البحوث للدول الاعضاء فيه حول مستقبل دور الحلف, وذلك باعتبار ان العدو الرئيسي, وهو الاتحاد السوفييتي لم يعد قائما وان بعض دول حلف وارسو بدأت في التطلع لعضوية الناتو. ومنذ ذلك الوقت تحرك الناتو في ثلاثة اتجاهات: تأكيد مبدأ الحوار, والتركيز على وظيفة حفظ السلام, وتوسيع اطار الدول الاعضاء في الحلف. فبخصوص التأكيد على مفهوم الحوار, فقد اعلن الحلف في عام 1991 عن استراتيجية جديدة له قللت من اهمية الدور العسكري والقضايا الدفاعية ومؤكدة على ضرورة الدخول في حوار مع كل الدول الاوروبية بما فيها تلك التي كانت اعضاء في حلف وارسو وعلى رأسها روسيا, وتمثل هذا الاتجاه في مبادرة الحلف في عام 1994 والتي سميت (المشاركة من اجل السلام) والتي تضمنت توقيع الحلف لعدد من الاتفاقيات مع 20 دولة اوروبية كان من شأنها ايجاد ساحة واجتماعات للحوار ومناقشة الامور المتصلة بالامن والاستقرار بين دول الحلف من ناحية وتلك الدول من ناحية اخرى, وفي العام التالي اكد الحلف على دوره في حفظ السلام من خلال القوات التي ارسلها لضمان وقف اطلاق النار في جمهورية البوسنة, وخلال تلك السنوات دار جدل واسع حول (توسيع) الحلف تمخض في النهاية الى اقرار المبدأ في قمة مدريد عام 1993 على ان يكون الانضمام بعد ذلك بثلاث سنوات وبالفعل في مارس سنة 1999 تم قبول بولندا والمجر وجمهورية التشيك كأول اعضاء جدد في الحلف منذ انشائه عام 1949. ولكن تلك السياسات الثلاث التي انتهجها الحلف (الحوار, حفظ السلام, والتوسيع) لم تكن كافية للتعامل مع القضية الاساسية ألا وهي دور الناتو كقوة عسكرية, كذلك تحديد المهام القتالية التي تدخل ضمن عقيدته العسكرية والسياسية, كما ان تلك السياسات لم تكن رادعة لزعيم مثل الرئيس اليوغسلافي ميلوسيفيتش, فلم تمنعه من القيام بأعمال التطهير العرقي في اقليم كوسوفو, وقد ادى ذلك الى مواجهة الحلف في مناسبة احتفاله بعيده الذهبي لاكبر امتحان لمصداقيته, وبما يمكن ان تكون له آثار بالغة الاهمية على مستقبله, ومبعث ذلك صعوبة احراز نصر عسكري سريع او حاسم في عمليات الحلف ضد يوغسلافيا, وتبدد التصورات بأنها ستكون عملية عسكرية سريعة يمكن حسمها في ايام وكانت اية ذلك ما نسب الى خافيير سولانا السكرتير العام للحلف, والذي نشرته التايمز البريطانية في 23/4 من انه لا ينبغي القلق بشأن كوسوفو, وانها لن تفسد الاحتفال بذكرى قيام الحلف, وان تلك العملية العسكرية سوف تنتهي قبل يوم 23/4 وهو التاريخ المقرر للاحتفال. وجاء يوم 23/4 وانقضى دون ان تبدو نهاية سريعة للعمليات العسكرية, فالقصف الجوي الذي استمر لاسابيع لم يؤد الى اسقاط ميلوسيفيتش, ناهيك عن تغيير سياساته تجاه كوسوفو, بل لقد كان ما حدث هو نقيض ذلك تماما ففي اطار هذا القصف الجوي قامت الصربية بنشاط محموم في احراق القرى وطرد سكان كوسوفو مما ادى الى تدفق مئات الالاف من اللاجئين الى الدول المجاورة, واذا كان القصف الجوي لم يحقق النتائج المرجوة فإن استخدام القوات البرية يكتنفه العديد من الصعوبات لعل اولها تحديد المهمة العسكرية لتلك القوات, فهل يكون هدف تلك القوات هو احتلال كوسوفو وطرد القوات الصربية منها, ام احتلال كوسوفو لفترة زمنية ممتدة لا يعلم احد منتهاها؟ اضف الى ذلك ان استخدام القوات البرية يتضمن بالضرورة احتمال سقوط ضحايا, وهو الامر الذي يخشاه كل رؤساء دول الحلف بالنظر الى ردود الفعل السلبية للرأي العام في دولهم ازاء ذلك. وهكذا فإن قيادة حلف الناتو تواجه خيارات ابسطها صعب, فمن ناحية اولى فإن الفشل والتسليم بسياسات التطهير العرقي التي يمارسها الصرب امر لا يمكن قبوله, وهي من ناحية ثانية تدرك حدود النتائج التي يحققها القصف الجوي, وهي من ناحية ثالثة لا تريد ان تدفع الثمن المترتب على استخدام القوات البرية, اضف الى ذلك وجود تمايزات في المواقف والمصالح بين دول الحلف ومن اكثر الامور غرابة انه في الوقت الذي كانت طائرات الحلف تقوم بضرب مستودعات النفط لكي تشل القدرة العسكرية والاقتصادية اليوغسلافية, فإن بعض دول الحلف مثل اليونان وايطاليا وبريطانيا كانت في ذات الوقت تقوم بتصدير النفط الى يوغسلافيا حتى تم اتخاذ قرار بفرض الحظر الاقتصادي على يوغسلافيا. وبالاضافة الى كل ذلك فإن ما يحدث في كوسوفو له تداعيات كثيرة بما يزيد من اهميته, ومن ذلك مثلا مستقبل العلاقة مع روسيا, فالامر المؤكد ان موسكو شعرت بقدر كبير من المهانة لعجزها عن دعم حلفائها في بلجراد, ومع ان الرئيس يلتسين قد استخدم عبارات عنيفة عند بدء العمليات العسكرية مثل قوله ان الحرب لن تتوقف عند حدود كوسوفو وانما ربما تمتد الى كل البلقان واوروبا وقد تهدد بنشوب حرب اوسع, بل وقام رئيس الوزراء بريماكوف بإلغاء زيارته الى واشنطن, لكن روسيا سرعان ما تراجعت واكتفت بتأييد محدود وهو الامر الذي استغلته العناصر القومية الروسية في التنديد بسياسة يلتسين وبريماكوف, ووصل الامر الى ان احدى الصحف اتهمت رئيس الوزراء بالخيانة وانه تصرف (كشيوعي وليس كروسي) وبالطبع فإن روسيا تدرك حدود قوتها الراهنة واعتمادها على الولايات المتحدة والمعسكر الغربي وعلى مؤسسات التمويل الدولية لانقاذ اقتصادها, ولكن المشاعر وردود الفعل ازاء ما يحدث في كوسوفو سوف تظل لفترة قادمة. وهناك ايضا تأثير ما يحدث في كوسوفو على العلاقة بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي فالتدخل الاطلسي يعكس استمراز الزعامة الامريكية للتحالف, ويبرز عجز المؤسسات والدول الاوروبية عن حل مشاكل القارة, وذلك يتعارض مع السعي الاوروبي لبلورة (هوية اوروبية) خاصة وبناء قدرات عسكرية اوروبية في اطار منظمة اتحاد غرب اوروبا ومع ان هذا الاتحاد غير فعال في المرحلة الراهنة, فإن بعض المراقبين يرون في تدخل الاطلسي عملا معوقا لدور اوروبي مستقل. ان هذا التحليل يوضح ان التدخل الاطلسي في كوسوف سوف تكون له اثاره المستقبلية ليس فقط على علاقة الحلف بروسيا وبالاتحاد الاوروبي وانما ايضا على مستقبل الحلف نفسه, وعلى الدور الاستراتيجي والامني له سواء في اوروبا او على مستوى العالم ككل, فبالنسبة لاوروبا يتردد الآن انا ما حدث في كوسوفو هو دليل على اهمية استمرار الحلف وعلى ضرورة تطوير مذهبه العسكري ليكون بمثابة اداة للتعامل مع الازمات وخصوصا في (مناطق الهامش الاوروبي غير المستقر) ويبقى السؤال عما اذا كان هذا الدور سوف يقتصر على اوروبا اما يمتد الى المناطق المتاخمة لها مثل منطقة الشرق الاوسط وجنوب البحر المتوسط؟