قضيتان لم يتوقف القراء حتى البارحة عن الحديث عنهما معي عبر عشرات المحادثات الهاتفية, خصخصة التعليم والممارسات التي تتم في اطار توزيع المساعدات الشهرية من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية, وهما القضيتان اللتان طرحتا الأسبوع الماضي , ما يدل على أن الهم العام كبير جداً, ويحتاج منا الى ان ننصت له, ونفكر فيه, ونبحث له عن مخارج فهذه مهمتنا الأولى وما قبل الأخيرة, ثم ىأتي الاهتمام بكل ما هو خارج نطاق الهم المحلي أو الوطني. ولذلك يؤكد الكثيرون ــ ومعهم كل الحق في ذلك ــ على أن الاعلام يذهب بعيدا عن أصل رسالته وسبب وجوده حينما يغيب البعد المحلي في برامجه واهتماماته, مركزا على كل ما هو بعيد وأجنبي ما يولد تلك الهوة غير المطلوبة, وذلك الجفاء الذي يصل حد القطيعة بين الجماهير وإعلامها. ولن نجافي الحقيقة لو دعوناكم الى توجيه مؤشر القنوات الى القناة الفرنسية مثلا لتعرفوا منذ اللحظة الأولى بانكم تشاهدون تلفزيونا ينتمى لدولة اسمها فرنسا لغة وثقافة, بينما لو دارت المؤشرات على قنواتنا الفضائية المحلية فلن نتأكد من هوية المحطة إلا اذا ظهر الشعار مصحوبا بالاسم! أكدنا مراراً وتكراراً على أن ضياع الهوية المحلية من اعلامنا المحلي ليس في صالح أحد, وبأن هذا الذي يشاع من أن المواطن يهيم حبا فيما يقدم له من مسلسلات مكسيكية وسيل لا يتوقف من اغاني الفيديو كليب التي لا معنى لها, ولقاءات الفنانين والنجوم والبرامج المترجمة أو المعلبة خرافة لا أساس لها من الصحة حتى يومنا هذا, لكن المثل المحلي (كثر الدق يفك اللحام) يمكن أن يتحول الى واقع حال الأجيال التي تربى على هذا النوع من الاعلام. تتبنى (البيان) هذه الايام حملة (مساندة التعليم الاساسي) وقبلها كانت حملة (توطين المصارف) وفي الطريق حملات اخرى لابد من تبنيها لان اشكالات الواقع كثيرة, وتراكمات السنين أفرزت واقعا من السلبيات في العديد من اماكن العمل وفي المنازل والطرقات وحتى في عقول الناس ونفوسهم, هذه السلبيات ليست خطىئة فرد أو مسؤول واحد, انها تراكمات تجذرت في بيئة ساعدت على نموها وكافأت على تواجدها احيانا لاسباب كثيرة. نحن نعاني من عدم تواصل المسؤولين معنا لاسباب تتعلق بهم وندعوهم الى حوار مفتوح لانختلف فيه الا على بقاء الاخطاء والسلبيات ماعدا هذا الخلاف, فاننا بعقول مفتوحة وقلوب كذلك نبحث في جذور الاخطاء ونقدمها للاخوة المسؤولين في مواقع اعمالهم لنتعاون معا في القضاء عليها. نحن ايضا ننادي بقية وسائل الاعلام من تلفزيون واذاعة الى تبني قضايا المجتمع, فماذا يضر جهازاً جماهيريا كالتلفزيون لو تبنى قضية وطنية كالتعليم وكرس لها طاقاته وحشد لها امكانيات المجتمع, أليس التعليم همنا وجرحنا النازف أمام اعيننا كل دقيقة؟ الا يستحق ان ننفق عليه ساعات من البث كتلك التي تنفق على برامج من شاكلة (أنت تطبخ ونحن نأكل) أو برامج الشعوذة أو حتى برامج الثقافة النظرية التي تخاطب نخبة من المجتمع او فئة محدودة؟ همومنا كثيرة وقضايانا تحتاج الى توقف وبحث ودراسة, فإذا لم يفعل الاعلام شيئا فمن يحرك البحيرة الراكدة اذا؟؟