(الكاست) كلهم حاضرون ومشاركون على خشبة المسرح, عدا البطل! هذا هو جوهر محنة أهل كوسوفو المسلمين . و(الكاست) كما نعلم هو احد مصطلحات الفن المسرحي والفن السينمائي.. ومعناه مجموعة الممثلين والممثلات لمسرحية ما أو فيلم ما بمن في ذلك (الكومبارس) أي اصحاب الادوار الثانوية. ولمدى ما يقارب الاربعين يوماً حتى الآن منذ انطلاق الحرب الجوية الاطلسية ضد يوغسلافيا الصربية لا نرى دورا للشعب الكوسوفي الذي تحمل (البوسترات) المتجددة اسمه كعنوان للمسرحية رغم توالي العروض وتوالي المشاهد والنقلات ما بين بلجراد وبروكسل (المقر الرئيسي للحلف الاطلسي) وألبانيا ومقدونيا ومونتينيجرو بل واقليم كوسوفو نفسه. مع كل مشهد نقلة, وكلها مشاهد ونقلات تشد العين والاذن, يقفز في مؤخرة ذهنك الى مقدمته سؤال بلا اجابة حاضرة: اين القيادة الوطنية الكوسوفية؟ ان السياق العام للمسرحية لا يتغير رغم تتابع النقلات والمشاهد وتنوعها: ألسنة اللهب تسد أفق العاصمة اليوغوسلافية بلجراد او توأمتها المجاورة (نوفي ساد) كلما تسلمت احداهما دفعة من صواريخ كروز, وفورا ينتقل المشهد الى منطقة الحدود الألبانية او المقدونية مع كوسوفو لترى منظر مدن الخيام التي انشئت لاستقبال دفعات متتالية بعشرات الألوف من اللاجئين. ومع تناوب المشهدين امامك على الشاشة البيضاء تكتشف اخيراً ان عضوية (الكاست) حتى هذه اللحظة محصورة فقط في الجنرال ويسلي كلارك القائد الاعلى لقوات الاطلسي ومساعديه من كبار العسكريين من ناحية اخرى. وما بين مشهد الضرب ومشهد مدن الخيام ترى بقية اعضاء (الكاست) : توني بلير يقسم بأن (ناتو) لن يهدأ له بال حتى يرى جميع اللاجئين وقد عادوا الى كوسوفو آمنين.. وبيل كلينتون يتوعد ميلوسيفيتش وميلوسيفيتش نفسه يعرض قبول قوات دولية باشراف الأمم المتحدة في كوسوفو.. ووزير خارجية روسيا ايجور ايفانوف يؤمن على وعد كبير الصرب. أين اذن (أصحاب المصلحة الحقيقيون) ؟ (جيش تحرير كوسوفو) ليس على قائمة (الكاست) وهذا هو جوهر المحنة. وان المرء بقدر ما يتعاطف مع اهل كوسوفو ومحنتهم المتفاعلة بقدر ما يندهش من ان شعبا يواجه تهديد البقاء ويتشرد ثلثاه وفي رواية اخرى ثلاثة ارباعه لا يملك حتى الآن منظمة للمقاومة الشعبية. (جيش تحرير كوسوفو) المفترض ان يكون الآلية العسكرية المعتمدة للمقاومة الشعبية المسلحة نيابة عن شعب كوسوفو تنظيم يلفه غموض كثيف حتى هذه اللحظة, والقوات الصربية تواصل على خطين متوازيين ذبح الشباب الكوسوفي جماعياً بعمليات اعدام منظمة وتهجير العجائز والنساء والاطفال قسراً في اتجاه اخلاء اقليم كوسوفو نهائياً من سكانه المسلمين ذوي الاصل الالباني (وهم الغالبية بنسبة اكثر من 90 في المائة) لم يثبت (جيش تحرير كوسوفو) وجودا على الارض وباستثناء مؤتمر صحفي يتيم لم يشأ قادة هذا التنظيم العسكري الشعبي مخاطبة العالم.. او حتى مخاطبة شعب كوسوفو سواء داخل الاقليم او في الشتات. لكن للانصاف يجب ان نقول ايضاً ان قادة الحلف الاطلسي يرفضون بعناد مريب امداد قوات (جيش تحرير كوسوفو) بالسلاح واذا كان هذا غريباً ومريباً بما يكفي في ظل الاهداف الاستراتيجية المعلنة للحلف (وأبرزها اعادة توطين اهل كوسوفو في وطنهم) فإن تبريره اشد غرابة وريبة فقادة الحلف الغربي يقولون ان تسليح كوادر مقاتلي ألبان كوسوفو قد يغريهم بارتكاب فظائع دموية جماعية بحق الاقلية الصربية في ذلك الاقليم مماثلة لما يرتكبه الصرب بحق الألبان! ان الغرب ربما يخشى شيئاً آخر ليس من (الحكمة) الافصاح عنه انه خوف من تداعيات سيناريو التسليح, فالمقاومة الشعبية المسلحة لشعب كوسوفو لن تتوقف في نهاية المطاف عند تحقيق انتصار حاسم ضد الصرب في كوسوفو سوف ينتهي الامر الى اعلان استقلال اقليم كوسوفو كدولة ذات سيادة. عندها سوف تكون كوسوفو اول دولة اسلامية خالصة في قلب اوروبا هذا بالضبط هو ما يخشاه الغرب.