من السمات أو المشكلات الاساسية لنظام التعليم العام نظم الادارة المتبعة بالمدارس الحكومية. حيث تتصف هذه النظم بالجمود والبيروقراطية الشديدة, يتراجع في ظلها الطالب من موقعه الحقيقي في دائرة الاهتمام , ويبقى الاهتمام الاكبر منصبا على النظام نفسه. ويزيد من عدم فاعلية تلك النظم افتقادها للصلاحيات اللازمة للقيام بالمبادرات التي يمكن ان تقوم بها المدارس من خلال الهيئتين الادارية والتدريسية, ذلك ان تلك النظم تتسم, وإلى حد كبير بالمركزية التي لا تسمح بوجود فرص لتلك المبادرات أو الافكار, فضلا عن استثمارها باحتضانها وتشجيعها لتصب في نهاية الامر في صالح العملية التعليمية وتطويرها على النحو المطلوب. لا يعني ذلك بطبيعة الحال انعدام بعض المبادرات الايجابية والاعمال الابداعية في ساحتنا التعليمية, وفي مدارسنا الحكومية, لكنها, وفي غالب الاحيان, تعتمد على جهود فردية, تقوم بها طائفة من اعضاء الهيئة التدريسية, لا تعول على اية جهة رسمية القيام بمبادرتها وتظل تلك المبادرات في نطاق ضيق للغاية. أما معظم المبادرات الجيدة فلا تجد طريقها الى التنفيذ, بل تبقى مجرد افكار ليس لها أي اثر أو مردود في تطوير المسيرة التعليمية. وقد اسهمت تلك البيروقراطية (القاتلة) والمركزية الشديدة, وعدم وجود نظم مالية تسمح بالانفاق في سبيل تنفيذ تلك المبادرات, اسهمت في ايجاد حالة التردد والاحباط التي نالت من الكفاءات التربوية رغم ما يتوافر لديها من تطلعات وامكانات لتطوير العملية التعليمية, وتحسين الخدمات في مدارسنا العامة. الموارد المالية... همٌ آخر يضاف الى الخلل الكبير في نظم الادارة في المدارس عدم توافر الميزانيات اللازمة لدى وزارة التربية والتعليم لتحقيق الكفاءة والفاعلية في الكثير من البرامج والخدمات ذات الصلة بصلب العملية التعليمية والانشطة المساندة لها, وتوفير مصادر المعلومات حيث يتم انفاق الجزء الاكبر من الميزانية السنوية المعتمدة للوزارة على الرواتب والاجور. ولاشك ان الارقام الرسمية المعلنة في هذا الشأن تمثل صدمة كبرى للساعين نحو التطوير بل ربما تجد الوزارة صعوبة في استمرار خدماتها التعليمية, حتى بأشكالها الحالية فهناك توسع في قبول الطلبة الملتحقين بالمدارس, وذلك يتطلب بطبيعة الحال بناء المزيد من المدارس لاستيعابهم, وتعيين اعداد اضافية من المدرسين... الى غير ذلك من الاحتياجات الاساسية الاخرى... ويحدث ذلك دون ان تصاحبه زيادة مماثلة في الموارد والميزانيات اللازمة لتغطيتها. وبين الرغبة المجتمعية العامة في توفير تعليم جيد, وتراجع الميزانيات والموارد, تمثل العقبة المالية السابقة تحديا لا سبيل الى مواجهته الا بتخصيص موارد حكومية تليق بمكانة التعليم وأهميته في تنمية الموارد البشرية بالدولة, ورفد المجتمع وسوق العمل بالكفاءات التي تتطلبها عملية التنمية. وربما حان الوقت للبحث الجدي عن مصادر اخرى (غير الحكومية) لتمويل التعليم العام. في هذه الصدد يجب استدعاء تجربة الاوقاف التي كانت تشمل من بين اختصاصاتها العديدة دور العلم من مدارس ومعاهد وجامعات. وهي ــ بلاشك ــ تجربة رائدة, طورها الفكر الاسلامي بتميز, ومارسها المسلمون عبر عدة قرون, وحققت استقرارا وفاعلية لكافة المؤسسات التي كانت تشملها بحيث كانت تتيح لتلك المعاهد والمدارس ضمانات مالية دون انتظار دعم رسمي, يتفاوت من عام لآخر, ويتأثر بمدى ما هو متاح لدى الدولة من موارد. كما أسهمت الأوقاف كذلك في استقلالية المؤسسات التي كانت تتمتع بها من حيث نظمها وقراراتها وسياساتها. وقد ساعد كل ذلك على اداء دور متميز في المجتمع الاسلامي, بل وعلى الاسهام في بناء تلك الحضارة التي كانت مفخرة للعرب والمسلمين, والغريب انه في ظل تراجع مفهوم الاوقاف ووجودها في الوقت الحاضر, خاصة على المؤسسات التعليمية, نجد المؤسسات والهيئات الاخرى كالأندية الرياضية مثلا لديها ممتلكات تم وقفها لصالح تلك الاندية وتذهب عوائدها لتمويل برامجها وأنشطتها. بل نجد المؤسسات التعليمية الغربية وجامعاتها تتوسع في استثماراتها وأوقافها لتحقق استقرارا ماليا يضمن لها الاستمرار في اداء مهامها ووظائفها. كما آن الأوان لمشاركة اكبر وأكثر فاعلية للقطاع الخاص في تقديم تعليم يحرص فيه على الجودة, ويضمن فيه المعايير التربوية والعلمية. ويجب ان تتدخل الدولة, من خلال مؤسساتها المعنية بهذا الامر, لوضع الضوابط التي تكفل عدم المساس بأهداف التعليم في هذه البلاد. مع التأكيد, في هذا الشأن, على ان التعليم وظيفة ذات اهداف نبيلة, قبل ان يكون سلعة للبيع, او وسيلة تجارية لتحقيق مكاسب مالية. التطوير أو التخلف لاشك ان ما سبق من المبررات أو المشكلات التي يعاني منها النظام التعليمي العام كافية للتفكير الجيد بل وللعمل الحقيقي لاحداث تغيير شامل في هذا النظام. وليس من المبالغة القول بأن الخيارات المتاحة في موقفنا من النظام التعليمي السائد محدودة للغاية. بل تكاد تكون محصورة في اثنين هما: اما التطوير أو التخلف. والأول يمثل ــ بلاشك ــ تحديا كبيرا. ويتطلب, في سبيل تحقيقه, جهودا وموارد كبيرة. ويستدعي مشاركة كفاءات بشرية ذات نوعية متميزة, وعملية التطوير عملية كبيرة بلاشك,. ويجب ان تكون مستمرة وشاملة كذلك. ولابد من توافر (ضمانات) تسمح بوجودها واستمرارها. تلك الضمانات تعتمد بشكل اساسي على وجود نظام يسمح بالمراجعة والتقويم, ويشجع المبادرات, ويقترح الحلول والبدائل. في هذا الصدد, تبدو ثمة ضرورة في الاشارة الى مبادىء يجب ان تمثل اسسا لعملية تطوير المدارس وتحسين خدماتها وزيادة فاعليتها. أول تلك المبادىء, مبدأ التطوير ذاته من حيث الاستعداد له والقبول به ولاشك ان التطوير يستحق ان تبذل فيه جهود لترويجه وتهيئة الاجواء المناسبة والظروف لنجاحه. واذا جاز لنا ان نصف تلك الجهود بالمصطلحات الشائعة في هذا العصر, فإنه يمكن القول بأن ذلك يندرج في اطار (تسويق) التطوير. ولا بأس من تسويق هذه الفكرة اذا كان مؤدى ذلك هو تحقيق الهدف, أو الاهداف, من تلك العملية. ولعل عملية تسويق التطوير تصبح اكثر الحاحا في ظل التعامل مع نظام اعتاد متبنوه على نمط تقليدي جامد دون اي تغيير له قيمة لفترة تقارب ثلاثة عقود. وهي كذلك اكثر تعقيدا لأنك لا تتحدث عن تطوير مجال أو جانب واحد من جوانب ومقومات العملية التعليمية, بل تستدعي تغييرات كبيرة, وربما جذرية, في بعض الاوضاع القائمة. اذا تم ادراك حجم هذه العملية, وما يكتنفها من تحديات وعقبات, وما يتوقع عنها من آثار وأبعاد, فإنه من المتوقع كذلك الا تمر (الفكرة) بسهولة. بل لابد من اطراف عديدة تقف موقف المعارض, او المتحفظ, على الاجراءات التي تتطلبها عملية التطوير. تلك الاطراف لا تنحصر فقط في المسؤولين الراغبين في استمرار الاوضاع القائمة بل تتجاوز الى الطلبة وأعضاء هيئة التدريس وأولياء الأمور وبعض الفئات المجتمعية الاخرى التي قد تغيب عنهم دوافع التطوير وأسبابه, وكذلك نتائجه ومنافعه. مدير جامعة زايد بالانابة*