لا يتفلسف.. ولا يتصرف بغرور.. ولا يعقد الأمور.. لانه يعلم ان عندنا من العقد التاريخية والسياسية المزمنة ما تكفينا ليوم القيامة.. فلا مبرر أن يضيف بمذكراته عقدة جديدة .. بل أستطيع أن أقول انه في مذكراته - التي تأخرت طويلا ونشرت في صمت بعنوان (شهادتي للأجيال) - حل الكثير من العقد والألغاز التي لا تزال تسبب لنا الصداع والروماتيزم والهستريا الوطنية. هو المهندس حلمي السعيد.. واحد من ضباط يوليو.. ورجال جمال عبدالنار.. وشاهد صامت على تاريخ هذه الفترة التي راح كل من هب ودب يكتب عنها أما على طريقة عنتر بن شداد أو على طريقة جنكيز خان.. فنحن اما في النعيم أو في الجحيم.. لكن أبدا لم نكن على الأرض. ورغم ان حلمي السعيد من الضباط الأحرار وحارب في فلسطين وشارك في ثورة يوليو الا ان المناصب التي تولاها كانت في الغالب بعيدة عن صراعات القوى ومؤامرات الكواليس.. فهو ضابط مهندس.. عمل مستشارا لجمال عبدالناصر في الاقتصاد والتخطيط.. وكان معاونا لعبدالحكيم عامر في اللجنة العليا للسد العالي.. وأسس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.. ورأس مؤسسة مصر التي كانت تضم 60 شركة.. وقبل أن يختتم حياته العملية اختاره أنور السادات وزيرا للكهرباء والسد العالي.. وعندما تجرأ وقدم استقالته من الوزارة وجد نفسه في السجن.. متهما بقلب نظام الحكم فيما عرف بقضية 15 مايو 1971 هو ومعظم رموز العهد الناصري وقياداته. وقد كان من الممكن أن يختفي حلمي السعيد في صمت كما عاش في صمت.. لكن شاءت الظروف أن تأخذه من الدار إلى النار.. ليس فقط في قضية 15 مايو.. وإنما قبلها في قضية أخطر وأصعب ولا تزال تثير شهية الناس في الحديث عنها وسرد تفاصيلها.. فقضية (انحراف جهاز المخابرات العامة) التي كان على رأسها الأب الروحي للجهاز.. صلاح نصر.. فقد طلب منه جمال عبدالناصر أن يتولى التحقيق في هذه القضية التي هناك من يعتقد انها كانت كبش فداء ذبحه النظام في معبده للخروج من نفق هزيمة يونيو المظلم والمؤلم والمزروع بالعقارب والخفافيش.. والحقيقة ان اختيار حلمي السعيد لهذه المهمة يثير علامات من القلق والاستفهام.. فما الذي يعرفه - وهو الرجل الفني والخبير في الهندسة والكهرباء والسد العالي - في مثل هذه القضية الشائكة التي يختلط فيها الحق بالباطل.. وما هو أخلاقي بما هو غير أخلاقي؟ وهو نفسه يبدو مفزوعا من هذه المهمة.. ويقول في مذكراته (التي نشرتها دار المستقبل العربي): (إن المخابرات في كل زمان ومكان هي أسوأ مهنة في العالم ومهمتها جمع المعلومات الدقيقة لتكون أمام القادة.. صناع القرار في بلادهم.. وجمع المعلومات يعتمد على أية وسائل شريفة أو غير شريفة.. فليس في عمل المخابرات مثاليات أو التزام بمبادئ وقيم وإنما الغاية أولا وأخيرا هي الحصول على المعلومات بأية وسيلة.. بالرشوة.. بالنساء.. بالإدمان.. ومنطقها انه أمام الحصول على المعلومات لصالح أمن الدولة تهون وترخص كل الوسائل المتاحة وغير المباحة) (ص101 من المذكرات).. ولكنه.. لا ينكر في الوقت نفسه ان ما تعرض له صلاح نصر من تشهير واساءة متعمدة فيه الكثير من التجني.. فقد أدى هو وجهاز المخابرات العامة أدوارا أذهلت العالم وعلى رأسه العدو الاسرائيلي.. ولا تزال في ملفات هذا الجهاز الحساس ما يثبت انه في أوقات الشدة الوطنية كان سدادا. ولا جدال ان حلمي السعيد فوجئ بتكليفه بهذه المهمة.. وحاول التملص - على ما يبدو - منها بدعوى ان صلاح نصر صديقه.. لكن عبدالناصر قال له: انه ليس في نيته ان يذيع نتائج التحقيق ولا حتى خبرا عنه.. وانه اختاره بالتحديد لقدراته على الكتمان وحفظ الأسرار.. ولان صلاح نصر صديقه فإن حلمي السعيد سيكون الأقدر على معرفة الحقيقة بحجمها الطبيعي دون مبالغات.. ولكن ما حدث هو ان النظام استخدم هذه القضية في الدعاية السياسية في مرحلة ما بعد الهزيمة ليقول للناس التي فقدت الكثير فيه انه يطهر نفسه بنفسه.. ويداري عوراته.. ويكوي جراحه.. ورغم ان الهدف بدا نبيلا وجريئا فإن النظام قدم دون أن يقصد سلاحا لطعنه.. وفتح ثغرة كبيرة لنقده.. وراح خصومه يستخدمون هذه القضية سنوات طويلة لنهش لحمه.. ولتصفية الحسابات القديمة معه. ولعل شهادة الرجل الصامت.. البعيد عن الصراعات والمؤامرات.. الذي تولى التحقيق فيها.. تعيد لهذه القضية حجمها الطبيعي.. بعد حوالي 32 سنة على تفجيرها.. فقد بدأ التحقيق في الساعة الثامنة من يوم 28 أغسطس 1967 وانهاه في الساعة الحادية عشرة من مساء يوم 14 أكتوبر من العام نفسه.. وكان يشاركه في هذه المهمة رجل المخابرات الشهير محمد نسيم.. الذي عرف في مسلسل (رأفت الهجان) باسم (نديم قلب الأسد) .. وكان البطل الرئيسي في عملية (الحفار) الاسرائيلي وقد فجره في ميناء أبيدجان بساحل العاج.. وكان التحقيق يدور حول سوء استعمال النساء والأموال السرية.. وهو ما جعل من الضروري استدعاء 44 سيدة وفنانة و9 أفراد من خارج الجهاز بخلاف 14 فردا من قوة الجهاز.. وقد جرت التحقيقات في المخابرات العامة.. في مكان مستقل.. وكانت صورة منها ترسل إلى سامي شرف مدير مكتب عبدالناصر.. وأمين هويدي رئيس الجهاز بعد صلاح نصر (ص 105). ولا يدخل حلمي السعيد في تفاصيل التحقيقات.. ولا نعرف السبب.. هل هي طبيعته المحافظة؟.. أم احترامه لقانون السرية الذي منع الخوض في هذه القضية.. وان جاء المنع متأخرا بعد أن نشرت كل تفاصيلها وأسرارها وأبطالها في الكتب والصحف وأصبحت مصدرا من مصادر النميمة والثرثرة في النوادي والمقاهي.. لا يدخل الرجل في التفاصيل.. ولكنه يكتفي بالقول انه هو ومحمد نسيم رفعا تقريرا إلى عبدالناصر الذي حوله إلى النيابة العامة (التي كان يتولاها المستشار علي نور الدين) ومنها إلى المحكمة. وفي التحقيقات والمحاكمات اتضح ان ثلاثة أفراد من الجهاز وثلاثة أفراد من خارجه متورطين في علاقات نسائية.. وهو رقم يبدو متواضعا بالقياس إلى حجم الضجة التي أخذتها هذه القضية.. وبالقياس إلى حجم الانجاز الذي حققه الجهاز في تلك الفترة الشرسة في الصراع مع العدو الاسرائيلي ولكن يبقى الانحراف انحرافا.. مهما كان حجمه ويبقى سببه الرئيسي البقاء في مواقع القوة طويلا بلا حساب.. او كأنه لابد ان تقع مصيبة او هزيمة حتى يكون التغيير والعقاب. واغرب ما يقوله حلمي السعيد في شهادته للاجيال: ان بعض النسوة كن يرفضن اللقاء بالرجال الا اذا كانوا اجانب وهو ما دفع رجال صلاح نصر الى (استخدام عدد من المترجمين من افراد الجهاز للقيام باصطحابهن الى الشقق الآمنة الخاصة بالمخابرات والمجهزة بمعدات التصوير وكأن الانحراف الخلقي اسهل مع الاجنبي الذي لايتحدث اللغة العربية.. او كان الشرف مسألة محلية نتنازل عنها بالتصدير (راجع ص105 من المذكرات) . اما اكثر القضايا اثارة فهي قضية السيدة (نون) التي خاضت الصحف فيها كثيرا دون ان تتبين الحقيقة (ص105) وقد كانت السيدة (نون ) وشهرتها الفنية (باء) على علاقة باحد قيادات الجهاز وكان لها اصدقاء اجانب.. ورغم انها تحدثت فيما بعد ان مالاقته من ضغوط عليها من هذه القيادة فالحقيقة انها كانت وقعت اقرارا عام 1960 لتكون مندوبة للمخابرات وكان جميع زملائها في الوسط الفني يعلمون علاقتها بالمخابرات وبقياداته وفي عام 1962 قدموها الى قيادة سياسية (وعسكرية) بارزة في احدى الفيلات الآمنة في حجرة مظلمة ولما قامت الشخصية القيادية باشعال سيجارة عرفته السيدة (نون) التي كانت تردد كثيرا انها عرفته بسيجارة وفي 1963 تزوجته بعقد زواج عرفي وشهد عليه اثنان من اشقائه وفي عام 1965 قامت المخابرات بالسيطرة عليها بواسطة مترجم في الجهاز حتى لاتتحدث عن علاقتها بهذه الشخصية السياسية البارزة واخطرت المخابرات هذه القيادة بعمل هذا الكنترول عليها (ص106) . وفي التحقيقات ذكر ضابط كان برتبة نقيب ان القائد السياسي العسكري كان يحب السيدة نون الى حد انه كان يقارن بينها وبين زوجته الاولى والى حد انها خططت لتأمين مستقبلها بالانجاب منه وعندما راح النقيب يبلغ القائد بخططها ( على شرائط مسجلة) لم يتردد القائد بأن يبلغها بما سمع من النقيب الذي اصبح مصيره معروفا.. القبض عليه ووضعه في السجن. واجباره على طلاق زوجته ليتزوجها شقيق القائد (ص107) ونجحت السيدة نون في ان تنجب طفلا ( في الساعة 12 ظهر يوم 4 ابريل 1967) من القائد السياسي وكانت حتى ذلك الوقت زوجته عرفيا (ص108) و من الغريب ان قيادات المخابرات العامة في تلك الفترة كانت تشجع القائد السياسي على توطيد هذه العلاقة مع السيدة نون بدلا من حمايتها منها (ص 108) ان هذه القضية التي شغلت الرأي العام كثيرا قد حسمت هذه البساطة دون انكار او ادعاء من السيدة نون. وفي التحقيقات ايضا: انه قامت علاقة بين احد قادة الجهاز وشقيقة احد القيادات السياسية.. وكذلك زوجة احد كبار الموسيقيين التي كان يشك انها على علاقة بجهات اجنبية و قد اكدت خادمة الموسيقي تردد قادة المخابرات والقائد السياسي على منزل الموسيقي الذي ضاق بهم وتم تعيين هذه الخادمة بالمخابرات (ص108) وكانت المخابرات قد بدأت في مارس 1963 في استخدام الجنس في عملها وراحت تجند الراقصات في الكباريهات (ص109) ولكن الغريب ان بعض قادة الجهاز عندما كانت تعجبهم سيدة من الفنانات يقومون بالسيطرة علىها واجبارها على العمل مندوبة للمخابرات (ص108) . ويقول حلمي السعيد: ان هذه القضية كشفت بعدا في شخصية عبدالناصر وهو شجاعته في مواجهة كل انحراف وحرصه على ان يعرف الشعب كل الحقائق وان ينفض عن نفسه كل رواسب الماضي ليبني مستقبله ويحقق طموحاته بصفحة ثورية طاهرة وأشهد كم كان يعاني عبدالناصر وهو يتصدى بكل حسم للانحرافات والاخطاء منحازا للضمير الوطني مهما كلفه ذلك من عذاب في معركة تصفية مراكز القوى التي ظهرت والتي وقفت في طريق التصحيح خوفا من ضياع نفوذها. وفي المذكرات يتعرض حلمي السعيد لموضوع شائك اخر وهو وفاة المشير عبدالحكيم عامر هل انتحر ام قتل؟ ويقول (في ص115) انه سأل صلاح نصر عن عملية السموم ولماذا استوردتها المخابرات العامة.. فأجاب انهم استوردوا نوعا من السموم هو (اكونيت) يستخرج من نبات اسمه (خانق الذئب) واضاف: ان الاستيراد كان لكبار القيادات في حالة الهزيمة لان السم يحدث قتلا فوريا وبدون ألم: واستطرد: ان عبدالناصر غضب يومها (وكان ذلك قبل هزيمة يونيو 1967) وقال حدة : مش انا اللي انتحر) . لكن المشير عامر اخذ وحده منها ووجدوا مكان لصقها بين فخذيه وهي التي ادت لو فاته) . .. ذلك كله (ورد في استجوابي لصلاح نصر بتكليف من عبدالناصر للتحقيق فيما نسب لجهاز المخابرات من تجاوزات وجميع هذه الردود والتحقيقات مسجلة على شرائط وكلها سلمت للنيابة العامة. ان التاريخ لايكتب مرة واحدة ولا في زمن واحد ولا من زاوية واحدة.. التاريخ عملية مستمرة مثل مياه النهر تلقي مع استمرار الامواج والمياه بالجثث الطافية وتزيل الشوائب والرواسب لتظهر الحقائق مهما طال الزمن.. ولو كانت شهادة السعيد هي شهادة رجل يعرف قيمة العقل وليس طرفا في صراعات ومؤامرات وحسابات فإن ذلك لايعني ان كلمته رغم موضوعيتها الظاهرة ستكون الكلمة الاخيرة فمثل هذه الملفات لاتغلق بكلمة من هنا او مذكرات من هناك فالمستور الذي تكشفه يجر في اذياله الكثير والكثير وكأنه غوص في رمال متحركة.