الشعب الأمريكي من أكثر الشعوب انتاجا للمفارقات والعجائب السلوكية ففي الوقت الذي ينفق فيه مليارات الدولارات على غذاء الكلاب والقطط تجد احياء الفقر والجريمة في مدن الولايات المتحدة أسوأ من ان تصلح مأوى للكلاب الضالة . وفي الوقت الذي يطرح الأمريكان أنفسهم للعالم على أنهم الشعب الأكثر ليبرالية وديمقراطية واهتماما بقيم العائلة والأخلاق, فإن أعلى نسب جرائم الأطفال والمراهقين تحدث في أنحاء الولايات المتحدة وبشكل بشع جدا. آخر ما توصل إليه العلماء الأمريكان عقار مضاد للاكتئاب عند الكلاب! حيث تبين لهم ان الكلب تنتابه حالة من القلق البالغ حينما يغادر أصحاب المنزل ويتركونه بمفرده, مما يؤدي أيضا لحالات كثيرة من التبول اللاإرادي عند الكلب!! وباعتبارنا قد ارتضينا وباختيارنا ان نصنف كشعوب نامية أو عالمثالثية أو متخلفة أو... فإننا قد اخترنا أيضا الوقوع في هوى الأمم المتقدمة والمتطورة والمتحضرة وعلى رأسها الولايات المتحدة واليابان واستراليا. والوقوع في غرام الأمم القوية سنَّة حتمية في سلوكيات الحضارات وهنا يذكر عن ابن خلدون ــ علاّمة الاجتماع المشهور ــ عبارته: (إن المغلوب مغرم بتقليد الغالب دوما) اذن فنحن لا نذهب بعيدا عن هذه النتيجة الحتمية عندما نجري لاهثين وراء تقليد النموذج الغربي والأمريكي تحديدا في كل شيء, وان كانت هذه النتيجة على حتميتها مرفوضة جملة وتفصيلا برغم قوة مبرراتها. هذا الشعب الذي وصل اهتمامه إلى حد انفاق الملايين على اكتشاف عقار كهذا يعالج قلق الكلاب و(تبولها) اللاإرادي لا ينفق شيئا على عجائزه الذين يملأون دور العجزة والمسنين, فالأمريكي يهتم كثيرا في البحث عن مخرج لمشكلة ترك كلبه وحيدا في المنزل, لكنه لا يتذكر ان كان له أب أو أم في مكان ما وانهما بحاجة الى رفيق أو مساعدة أو انهما ربما يقبعان في دار عجزة نائية يقاسيان آلام الوحدة والنسيان. مشكلتنا اننا حينما استوردنا من الغرب وأمريكا واليابان السيارات وتقنيات العصر وأحمر الشفاه والكعب العالي وربطات العنق الفاخرة والعطور, لم ننتبه ولم نحذر جيدا, فاستوردنا أيضا مخازيهم الاجتماعية والسلوكية, فصرنا مثلهم, ولا أستبعد ان يأتي اليوم الذي يهتم فيه الابن بالبحث عن علاج لاكتئاب كلبه أو قطته بينما يقذف بأمه في دار العجزة. الحضارات الأخرى ليست كلها شرا أو سوءا بحتا من الناحية الأخلاقية, فهناك أخلاقيات عديدة وكثيرة تستحق التقليد والاستيراد كأخلاقيات العمل من اتقان ومبادرة وابداع والتزام بالوقت, وكالالتزام بالقانون والاهتمام بالشأن العام والمبادرة في القضايا الإنسانية والاجتماعية فيما يعرف بالتطوع الاجتماعي, وعدم الخوض في شؤون الآخرين, والاهتمام بخدمة العملاء والزبائن على أكمل وجه و... ولكن المعروف أيضا ان الحضارات عندما تبيعنا أشياءها بالمال فإنها عادة ما ترفق مع هذه الأشياء أسوأ ما لديها, هي لا تبيعنا روحها وجمالها, لن تبيعنا اليابان الاتقان ولن تبيعنا ألمانيا الاهتمام بالتفاصيل, ولن يبيعنا الأمريكان ليبراليتهم الادارية الراقية ولن... مطلوب منا ان نخترع روحنا وجمالنا ولدينا مرجعياتنا الخاصة ولا ينقصنا شيء حتى وإن بقينا عالما ثالثا!!