عندما كانت عملية التفاوض بين الأمريكيين والفيتناميين خلال عقد الستينات في باريس تصل الى طريق مسدود مرة تلو أخرى بعد أيام متتالية من الشد والجذب كان كبير المفاوضين الفيتناميين (لي دوك تو) يبتسم وهو يصغي إلى تهديدات كبير المفاوضين على الطرف الآخر د. هنري كيسنجر إذ يبث تهديدات بالويل والثبور وعظائم الأمور . وما هي إلا أيام قلائل حتى تستأنف الطائرات قاذفة القنابل العملاقة من طراز ( ب ـ52) عمليات القذف (الجراحي) أطنان تلو أطنان تتساقط كالمطر على العاصمة الفيتنامية الشمالية (هانوي) وغيرها. لكن في المقابل تتصاعد وتتضاعف هجمات المقاتلين الفيتناميين على القواعد والمعسكرات الأمريكية في الجنوب الفيتنامي الواقع آنذاك تحت الاحتلال الأمريكي, ومع تنامي اعداد صناديق الاكفان الواردة إلى المطارات الأمريكية بمتوالية هندسية تخرج المواكب والمظاهرات في واشنطن يتقدمها أساتذة جامعة ونجوم سينما تطالب بالانسحاب الأمريكي الفوري من فيتنام. وما بين جولة تفاوضية فاشلة وأخرى كان المفاوض الفيتنامي (لي دوك تو) وأعضاء فريقه يهجرون المهنة الدبلوماسية مؤقتا للمشاركة في ملحمة القتال الثوري في ساحة الوغى. وانتهت القصة عام 1973 بتنازل أمريكي كامل حيث وضع هنري كيسنجر توقيعه على نص اتفاقية سلام كانت بنودها من أولها لآخرها هي في الواقع شروط المفاوض الفيتنامي لاستسلام الولايات المتحدة. هنا أتوقف عن السرد لأتساءل معكم: أين اتفاق أوسلو نصا وتطبيقا بين الفلسطينيين والاسرائيليين من (اتفاق باريس) بين الفيتناميين والأمريكيين؟ ربما تختلف قضية فلسطين عن قضية فيتنام في التفاصيل, فلكل قضية تحررية خصوصياتها المميزة. لكن المنهج المبدئي لتحرير الأرض يبقى واحداً وثابتا, التفاوض وحده لن يحقق النتيجة النهائية المنشودة, وبالتالي لن يقود إلا إلى طرق مسدودة ولو اعتمد الفيتناميون على التفاوض بين (لي دوك تو) وهنري كيسنجر كوسيلة يتيمة دون عمل نضالي على الأرض لظلوا يتنقلون حتى اليوم من سراب تفاوضي إلى سراب تفاوضي. ان القضية الجوهرية ذات الأولوية الأولى التي ينبغي ان يواجهها الفلسطينيون اليوم ليست (اعلان) الدولة او تأجيل اعلانها لوقت آخر.. انما القضية هي اولا (صنع) الدولة على الارض, ربما ان صنع الدولة لا يتحقق باعلانات رنانة فقط حتى لو حظيت باعتراف نظري دولي فان المطلوب اولا من القيادة الفلسطينية ومؤسساتها هو التوقف من اجل اجراء مراجعة شاملة للنهج الذي ظلت تسير عليه حركة الثورة الفلسطينية منذ تدشينها تحت اسم (منظمة التحرير الفلسطينية) في عقد الستينات وحتى اليوم. لقد تبنت الحركة الفلسطينية منذ انطلاقها المنظم النهج السلطوي فكان من المحتم ان تتورط في لعبة الدول في المحيط العربي كان هذا خطأ اساسيا استهلاليا الحق بالحركة اضرارا مزمنه, فقد تبددت مواردها الثورية بدخولها معترك المؤامرات والمؤامرات المضادة بين الانظمة العربية المتخاصمة تقليديا حتى وجدت نفسها طرفا متورطا في مستنقع الحرب الاهلية اللبنانية في السبعينات والثمانينات. وبذلك فقدت المنظمة رؤيتها الاستراتيجية حتى ظنت قيادتها انها (حكومة) فانحرفت الاولويات من هدف تحرير الارض الى بهرجات السلطة بما في ذلك سيارة الرئيس ذات العلم وانشاء سفارات.. مع الاكتفاء بنضال القول دون العمل الذي قال فيه الامام الشافعي: (اذا كنت في زمان يكتفي فيه بالقول دون العمل فأنت في شر زمانك) ! هذا هو المنهج الذي كان من المحتم ان يقود بالتداعي المنطقي الى طريق اوسلو, فعندما انتهت لعبة الدول بالمنظمة الى العزلة البائسة كنتيجة لافرازات حرب الخليج عام 91 اضطرت الى ان تسلك مسلك الحكومة المهزومة لا منهج التنظيم الثوري الذي يعتصم بالصمود ريثما يجدد نفسه.. فانزلقت على طريق التفاوض مع خصم رهيب بلا ادوات تفاوضية. وتخيل لو ان الفيتنامي (لى دوك تو) جاء الى مائدة التفاوض مع هنري كيسنجر وليس وراءه مقاتلون على الارض يصبون الجحيم على الامريكيين!