التساؤلات المطروحة أمام رجال الصناعة والتجارة والأعمال العرب هي: أين نحن من عصر التجارة الالكترونية العالمية ؟ والى أي مدى تمثل التجارة الالكترونية فرصة يجب اغتنامها أم تهديد ينبغي تحديه؟ وهل البيئة العربية سياسيا وقانونيا واقتصاديا بوضعها الحالي تمثل تربة خصبة لانبات وانعاش التجارة الالكترونية؟ ما القوانين ومواثيق الشرف التي يجب تعديلها أو الغاؤها وتلك التي يجب صناعتها؟ الحقيقة التي يجب ان يتعامل معها قطاع التجارة والأعمال العرب هي ان هناك تحولا جوهريا في شكل ومضمون التجارة العالمية, وان الأداة الرئيسية لهذا التحول هي (الانترنت) . فكما شهد العالم هذا التحول في مجالات الاتصال والاعلام والتعليم والرعاية الصحية والترفيه وتمضية وقت الفراغ بفضل الانترنت, فإن دنيا التجارة والاعمال تشهد هي الاخرى ثورة في العمليات والتبادلات التجارية على مستوى العالم, واذا كانت الانترنت تقوم على المركزية في الملكية والانتاج والتشغيل بمعنى انها ملك الجميع ويديرها الجميع لتحقيق أغراض متباينة, فإن ثورة التجارة الالكترونية تقودها الولايات المتحدة الامريكية, وربما كانت البيئة الاقتصادية والتكنولوجية والقانونية الامريكية هي الباعث لهذه الثورة, فهي بيئة مناسبة لدفع التدفق التجاري الدولي بلا قيود. وكما ان التدفق الاعلامي الحر يحقق مصالح صاحب المعلومة على حساب متلقيها فإن التدفق التجاري الحر يأتي على حساب الأضعف اقتصاديا ولصالح الأقوى. ولو تبعنا اهتمام القيادة الامريكية بهذا الشأن لوجدنا الرئيس الامريكي يؤكد على ان عصر المعلومات قد قدم فرصة عالمية للاقتصاد العالمي ترتكز على الافكار والابداع أكثر من ارتكازها على أي شيء آخر. وان هذه الفرصة الذهبية تعود بالفائدة على الافراد والمؤسسات والدول. أما آل جور نائب الرئيس الامريكي فيقول ان التجارة الالكترونية من خلال الانترنت في تزايد مستمر وتحقق معدل نمو يصل الى 300% سنويا, وان قيمة التبادل التجاري عبر الانترنت سوف تصل الى مئات البلايين من الدولارات هي قيمة السلع والخدمات والافكار التي يتم تسويقها. ويضيف آل جور بأن تنمية بيئة مناسبة للتجارة الالكترونية سوف يحيل جهاز الكمبيوتر نافذة مفتوحة لكل أنواع التعاملات التجارية الكبيرة والصغيرة في السلع كما في الخدمات والأفكار بين الافراد والمؤسسات والدول والنظم. أما وزير التجارة في الادارة الأمريكية بيل ديلي فيعزز من مكانة القطاع الخاص والمبادرات الخاصة لايجاد البيئة الدولية المناسبة للتجارة الالكترونية, ويرى ان دور الدولة يجب ان يتقلص الى أبعد الحدود, وان يقتصر دور الدولة على الدور التعاقدي بدلا من الدور التشريعي. أهم متطلبات التجارة الالكترونية القاعدة الأساسية هي ان اللحاق بثورة التجارية الالكترونية من جانب العرب تمثل ضرورة لا غنى عنها, وان اختصار الزمن وتهيئة البيئة اقتصاديا وقانونيا وتكنولوجيا للتعامل مع هذه الثورة كشركاء أفضل مائة مرة من الانتظار والاقتصار على لعب دور المتفرج الوديع ويصبح التساؤل.. ماذا يجب ان نفعل لنحصد بعضا من ثمار الثورة؟ 1ــ اتاحة الفرصة الكاملة للقطاع الخاص عن قناعة بأن السوق هي الحكم النهائي, وان قوى العرض والطلب كفيلة بالابقاء على المنتج الجيد وسحب المنتجات السيئة من الاسواق, وعلى الرغم من التخصصية تمثل احدى أكثر المستجدات ثورية في التاريخ الحديث للسياسة الاقتصادية, الا ان آدم سميث كتب منذ عام 1776 في كتابه ثروة الأمم يقول لا توجد شخصيتان تبدوان أكثر تناقضا من شخصية التاجر والحاكم لأن الناس أكثر سخاء بثروات الآخرين منهم بثرواتهم الخاصة, كما لاحظ سميث ان الادارة العامة مهملة ومسرفة ونتيجة لذلك فقد أوصى بنقل الملكية العامة الى القطاع الخاص. والتخصصية والتحرير الاقتصادي ليست ظاهرة سياسية واجتماعية واقتصادية وتقنية فحسب, بل انها ايضا ظاهرة قانونية ولا يجب ان يفهم منها انها بمثابة تفتيت أوصال الدولة كما يدعي أصحاب الفكر المعارض لها. فالواقع ان ما اكتسبته الدولة العربية من حجم مع تزايد ملكيتها للقطاع العام قد خسرته من جانب الكفاءة. فقوة الدولة مثل قيمة النقود تماما تتلاشى مع ازدياد ضخامتها, وقد ترتب على ذلك زيادة تدخل الدولة في الاقتصاد ترهلها وعدم فاعليتها. كما ان صغر حجم الحكومة وضآلة حجم ملكية الدولة ليس دوما من علامات ضعفها, بل غالبا ما يساعدان على قوة الدولة, وتأخذ التخصصية ثلاثة أشكال رئيسية. أساليب التخصيصية ــ نقل ملكية المنشآت العامة كليا أو جزئيا من القطاع العام الى الخاص, وهذا ما يطلق عليه التصرفية بمعنى تصرف الدولة في ملكية المنشآت العامة, وقد تتم التصرفية ببيع المنشأة الى القطاع الخاص, وقد تتخذ صورة تحويل المنشأة الى شركة مساهمة مع بيع جزء من الأسهم الى القطاع الخاص واحتفاظ الدولة بأغلبية الأسهم أو أقليتها. ــ نقل ادارة المنشآت العامة الى القطاع الخاص مع بقاء حق الملكية في يد الدولة, وقد يتم ذلك عن طريق تأجير المنشأة مقابل مبلغ ثابت تحصل عليه الدولة وقد يتم عن طريق عقد ادارة يتولى فيه القطاع الخاص ادارة المنشأة على ان يتقاسم الربح الصافي مع الدولة. وقد يتم عن طريق عقد امتياز حيث يلتزم القطاع الخاص بأداء خدمة معينة مقابل مبلغ ثابت تدفعه الدولة. ــ تحرير النشاط الاقتصادي من القيود التي تنتقص من حق الملكية الفردية, ويلاحظ ان التخصصية في هذه الحالة لا شأن لها بملكية المنشآت العامة او ادارتها ولكنها تتعلق بازالة كل القيود التي تفرضها الدولة على الملكية الفردية, بهذا المعنى يعتبر من قبيل التخصيصية تشجيع القطاع الخاص وتحريره من القيود التي تعرقل نشاطه, وكذلك الغاء نظام التوريد الجبري الذي تفرضه بعض الدول العربية على المنتجين الزراعيين بسعر أقل من السعر السائد في السوق الحرة. ان المطلب الأول لدخول العرب عصر التجارة الالكترونية هو تحرير الاقتصاد والتجارة من أي قيود تعرقل حرية الملكية والادارة والتدفق الحر للسلع والخدمات والافكار ويتطلب ذلك انسحاب الدولة تدريجيا من ادارة الاقتصاد واقتصارها على ادارة السياسة. 2ــ تبني تكنولوجيا الاتصال الحديثة, إذ بدون فهم ثورة المعلومات المعاصرة وحسن التعامل معها انتاجا واستهلاكا سيظل العرب على هامش الثورة ومن نفل القول بأن الانترنت يقع في القلب من هذه الثورة واذا كانت التجارة الالكترونية من حيث المفهوم تعني اجراء كل ما يتعلق بحركة التبادل التجاري الكترونيا فإن العمود الفقري لزيادة نصيب العرب في سوق التجارة الدولي هو الإلمام بقواعد اللعبة الالكترونية كما يحدث عبر الانترنت. الا انه من الواضح ان نسبة كبيرة من قطاع التجارة والأعمال لايزال يتعامل مع الانترنت باعتبارها من كماليات المكان وليس من ضروريات العصر وتحدياته, فضلا عن غياب الكوادر المدربة للتعامل مع هذه الشبكة, وتثير هذه القضية كلما يتعلق ببيئة الاتصال في العالم العربي وبخاصة شبكات التليفونات وتكنولوجيا المعلومات. اعادة النظر في القوانين الحاكمة لحركة التبادل التجاري يمثل المتطلب الثالث للتجارة الالكترونية العربية فلا أظن ان المتاح من قوانين الجمارك والضرائب وطرق الدفع المتاحة تناسب الصفقات التجارية الالكترونية, بيد ان ذلك لا يعني الغاء الجمارك أو الضرائب بقدر ما يدعو الى اعادة النظر فيما هو متاح. فنظام الدفع الجديد عبر الانترنت فيما يعرف باسم النقود الالكترونية والبطاقة الذكية وغيرها من مستحدثات انهاء المعاملات التجارية والبنكية الالكترونية تمثل تحديا أمام قطاع التجارة العرب الذي عليه ليس فقط فهم ما يحدث, ولكن على الأقل المساهمة في صناعته, فالولايات المتحدة تبذل جهدها لدى منظمة التجارة العالمية وغيرها من المنظمات العالمية منذ عام 1997 لوضع المبادىء الحاكمة لبيئة وقوانين التجارة الالكترونية, وكالعادة نتمهل نحن العرب الخطى الى ان نتعامل مع واقع مفروض علينا بدلا من ان نشارك في صياغته. قسم الاتصال الجماهيري ــ جامعة الامارات العربية المتحدة