يخطىء من يعتقد من العرب ان الولايات المتحدة عدو دائم, ويخطىء من يعتقد في الوقت نفسه انها صديق دائم, الولايات المتحدة مركز عالمي مليء بصناع القرار , ومليء بالقوى الضاغطة, وهي بلاد ممتدة متعددة المصالح والمتطلبات ومتعددة الاهتمامات والتوجهات. في الولايات المتحدة كل شيء متوقف على توازن الضغط وتوازن الآراء وكل شيء متوقف على جهد أصحاب القضايا وأصحاب التوجهات وكل شيء متوقف على علاقة الأمن القومي الامريكي بالتطورات والمؤثرات. ولقد تحولت الولايات المتحدة الى واحدة من أكبر القوى التي عرفها التاريخ, وذلك بسبب مقدرتها على التأثير الدولي ومقدرتها على نقل الثقافة والعادات الجديدة وطرق الأكل والحياة وأساليب التعبير, وبالطبع نقل الاموال والتكنولوجيا والجيوش.. لهذا فإن قراءة الساحة الامريكية قراءة صائبة تتطلب الكثير من المعرفة التي تتجاوز الشكل, ولكن التأثير فيها يتطلب الكثير من الجهد والكثير من الاستيعاب للخصوصية الأمريكية. لقد تحولت الولايات المتحدة مع نهاية القرن العشرين الى قيمة عالمية تمتلك ايجابيات وسلبيات, فهي من جهة أساس الاستقرار العالمي, وأساس حركة التنمية والاسواق في الاقتصاد العالمي, وبدون دورها في المؤسسات العالمية وفي الاقاليم لوقعت في العالم الكثير من الفوضى, فهي قوة دولية تلعب دورها في حماية الاطار العالمي والعمل على احتواء انفجاراته. وقد تحولت الولايات المتحدة مع الوقت من دعم الكثير من الانظمة الدكتاتورية في الخمسينات والستينات الى مزيد من دعم الافكار والممارسات الديمقراطية في التسعينات. وقد تم هذا الانتقال في ظل قناعة أمريكية بأن الديمقراطية تساهم في الاستقرار العالمي وتؤدي الى بروز قيادات أكثر اعتدالا وتداخلا مع النظام العالمي ومع شعوبهم. ولكن من جهة اخرى ومن المؤثرات السلبية في الساحة الامريكية انها تمتلك من التأثير مما يجعل قراراتها مؤثرة بغض النظر عن مدى صحة هذه القرارات. في هذا نجد ان الخطأ بامكانه ان يتحول الى خطأ عالمي ايضا. لهذا أكان الخطأ مرتبط بأثر وسائل الاعلام على الناشئة, أم بأثر القرارات السياسية الكبرى على الشعوب والدول أم بأثر محاولات بيع وسائط وأدوات من أجل ارضاء مؤسسات محددة أم ناخبين فهو يبقى في مجال التأثير الذي يمتلك آثارا سلبية. والساحة الامريكية ساحة تؤثر فيها الانتخابات الرئاسية والانتخابات للكونجرس كما لا تؤثر في ساحة اخرى. في هذه الديمقراطية الاكبر في العالم حيث ينتخب الكونجرس كل عامين تتحول السياسة فيها الى حملة انتخابية دائمة لا حدود لها ولا نهاية. هكذا نجد ان الكثير من أعضاء الكونجرس يصوتون على قوانين قد تؤيد بقاء القدس عاصمة لاسرائيل أم مع قرارات ضد الصواريخ الايرانية انطلاقا من حاجات انتخابية وليس انطلاقا من مبادىء واقتناع. ان اعادة الانتخاب في الانتخابات الامريكية لا تتم بصورة عفوية, بل هناك منظمات غير حكومية عديدة تعمل على بناء هذه التوجهات وكسب الاصوات لصالح من يعلن تبنيها. لهذا يعرف الكثير من أعضاء الكونجرس ان مسألة الصواريخ الايرانية هي مسألة أساسية لفئة من الامريكيين (المنظمات اليهودية) وانها مرتبطة بالصراع مع اسرائيل والموقف في جنوب لبنان. لهذا عندما تتبنى مجموعة من المنظمات موقفا حول الأمر وتربط اعطاء الاصوات في الانتخابات بموقف واضح يصدر عن المرشح المراد انتخابه يصبح من الطبيعي ان يتبنى هذا المرشح ذلك الموقف. اذن يقوم الأمر أساسا على موازين القوى الانتخابية ومدى قوة الاطراف التي تؤثر في التصويت. ونفس الأمر ينطبق على غيره من الامور. فمثلا نجد ان عددا من أعضاء الكونجرس الذين يعاد انتخابهم في ولاية ميتشيجان (ديترويت) يصوتون ضد العقوبات على العراق ويصوتون لصالح توجهات قاعدتهم العربية في ديترويت. في هذا تتحول القاعدة العربية الى قوة ضغط تماما كما ان الجماعات اليهودية تشكل قوة ضغط. ولكن مهما تحدثنا عن الميزان بين الضغط العربي والضغط اليهودي, فإن قوى الضغط اليهودية تشكل قوة حقيقية في الساحة الامريكية, والاجندة التي تقودها حول الشرق الأوسط خاصة فيما يتعلق بحماية اسرائيل والدفاع عنها هي أجندة مؤثرة في الكونجرس (بسبب التبرع للحملات الانتخابية وبسبب التصويت والضغوط المستمرة) وهي في الوقت نفسه مؤثرة في الساحة الامريكية الأوسع الاعلامية والسياسية. بمعنى آخر مازالت هناك حتى اليوم حركة اجتماعية سياسية منظمة تشمل كل مظاهر الحياة اليهودية الامريكية وتدور أساسا حول حماية اسرائيل وتقوية العلاقات معها ودعمها ومنع القوى العربية المعادية لها من تحقيق مكاسب في الساحة الامريكية. ان أحد أهم أهداف المنظمات اليهودية هو تقوية العلاقة الامريكية مع اسرائيل وتشجيع الجيل الناشىء على زيارتها والارتباط بها. وفي الوقت نفسه تستمر حالة غياب الصوت العربي المنظم في الولايات المتحدة.. الصوت العربي الذي يدافع عن المصالح العربية أكانت قطرية (لأقطار عربية محددة) أم لمجموع الاقطار هو صوت صغير نسبة لحجم الولايات المتحدة ونسبة لعدد العرب فيها. الأغلبية العربية الامريكية التي تمارس العمل السياسي مازالت تمارسه بمعناه السلبي والقائم على متابعة التطورات في الساحة الامريكية عوضا عن العمل على التأثير فيها.. لهذا مازال الصوت العربي محدودا في تأثيره. وفي الكثير من المرات تحولت عملية السلام مع اسرائيل الى طريقة لدول عربية عدة لتحقيق بعض المكاسب في الساحة الامريكية, وتحولت عملية الاعتدال تجاه السلام الى وسيلة للموافقة على دعم سياسي ودعم اقتصادي وعسكري لعدد من الدول العربية, ولكن في الوقت نفسه تحول الموقف اليهودي المنظم المؤيد لاسرائيل الى أحد عناصر القوة التي تؤثر في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة. لهذا سعت اطراف عربية عديدة لفتح حوار مع الجهات اليهودية انطلاقا من أثر هذه الجماعات على القرار الأمريكي المتعلق بالشرق الأوسط.. من هنا جاءت محاولات الرئيس السادات, ثم محاولات العراق ابان الحرب العراقية الايرانية فتح حوار (كان ناجحا في حينه) ثم جميع المحاولات العربية والخليجية الأخرى. ان أي تحرك عربي في الساحة الامريكية يواجه بشكوك أمريكية ومحلية, ولكن التحرك يجب ان يفتح المجال للحوار مع كل الفئات, ويجب ان يعي العقلية ويعرف كيف يخاطبها ويجب ان يعي ايضا حدود اللعبة السياسية وتوازنات القوى في الساحة الامريكية. فكما يقوم مرشح انتخابي في أي مكان بالعمل على اعادة انتخابه وهو يأخذ بعين الاعتبار طبيعة التوازنات الاجتماعية والسياسية, يجب ان يتحول العمل العربي في الساحة الامريكية الى عمل حساس يعي طبيعة التوازنات والابعاد والمصالح والضغوط المتبادلة التي تساعد على تقبل أفكاره ودوره وأثره وسعيه لحماية مصالحه وحقوقه في الوقت نفسه. أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت