في فجر الخامس والعشرين من ابريل 1974 وقفت بائعة القرنفل في أحد الشوارع الرئيسية للعاصمة البرتغالية (لشبونة) تشاهد طابورا لجنود المدرعات, كان المشهد غريبا على تلك البائعة التي اعتادت على رؤية الجنود فقط يسيرون أمام سيارات الدكتاتور, لكن هذه الدهشة زالت من تعبيرات وجهها عندما اخبرها أحد الجنود عن الهدف من وجودهم وطلب منها سيجارة, ولأنها لم تكن تملك هذه السيجارة قدمت له (زهرة قرنفل حمراء) من التي كان تضمها بين يديها, لم يعرف الجندي ما الذي يفعله بالقرنفلة فوضعها في فوهة بندقيته (!). كان مشهد القرنفلة مثيرا فقامت بائعة الزهور بتوزيع كل القرنفلات الحمراء التي كانت تحلم ببيعها في الشوارع لتطعم بيتها, وتبعها باقي أفراد الشعب الذين أعجبهم مشهد الجنود فقاموا بشراء ما تبقى من زهور الصباح ووزعوها على جنود تلك الثورة التي نجحت بالصدفة, وكان اختلاط الشعب بالجنود في الشوارع سببا في عدم إراقة الدماء. هذا الأسبوع مر ربع قرن على تلك الثورة البيضاء, لكن صور الدمار اليومية التي تطالعنا على شاشات التلفزيون أو على الصفحات الأولى من الصحف اليومية كادت أن تجعلنا ننسى أن هناك ثورات (بيضاء) قامت وحققت ما كان يمكن أن يفكر فيه جنرالات مولعون بإراقة الدماء وإطلاق الصواريخ على رؤوس البشر, أو ممارسة التطهير العرقي كما يجري الان في يوغسلافيا أو ما تبقى منها. لذلك كان الاحتفال بمرور ربع قرن على ثورة القرنفل باهتا ولم ينتبه اليه أحد في العالم كله إلا الشعب البرتغالي, الذي كان احتفاله باستعادة حريته وانضمامه الى أوروبا أكثر من احتفاله بمن قاموا بتلك الثورة, وأكثرهم أحياء يعيشون بعيدا عن السياسة, لأن هدفهم كان الحرية وليس الدخول في مزادات تجارة السياسة اليومية التي تعيشها الديمقراطيات الأوروبية اليوم. لذلك لم يكن غريبا أن يكون الاحتفال بمن قاموا بتلك الثورة في الجارة اسبانيا التي كانت تعيش أيضا وضعا دكتاتوريا شبيها بما كان يعيشه الشعب البرتغالي, ونجاح ثورة القرنفل التي تعتبر آخر الثورات البيضاء في القرن العشرين كان أيضا إشارة الى امكانية حدوث تحول الى الديمقراطية والحرية في اسبانيا, كان هذا التحول الى الديمقراطية حلما بعيد المنال في زمن الجنرال فرانكو, لكنه اصبح واقعا بعد رحيله بأشهر قليلة وتولي الملك خوان كارلوس العرش, وربما كان لثورة القرنفل تأثيرها في هذا التحول. نجاح الثورة كان له مبرراته الموضوعية ايضا, لان البرتغال حتى الخامس والعشرين من ابريل عام 1974 كانت تعيش دكتاتورية تركز همومها على تكميم الافواه, وتدمير كل بادرة تقدم, مما جعلها تعيش على ما تحصل عليه من المستعمرات, والجيش كان مشغولا بالحروب في تلك المستعمرات مما جعل من البرتغال من افقر الدول الاوروبية واكثرها تخلفا, وكان شعبها يهرب من الجوع في الوطن الى العمل في حانات اوروبا الشمالية الثرية, التي كانت تعاملهم كالخدم. لذلك لم يخطر على بال احد في النظام الدكتاتوري ان شيئا يمكن ان يتحرك في تلك الجثة الهامدة المسماة بالبرتغال, لان الخطر الوحيد على نظامها الدكتاتوري كان يمكن ان يأتي من الجيش, والجيش في الداخل لا يملك القوة او حتى القدرة على الحركة الذاتية, أو تحريك الشعب ليهب ضد مكبليه, واي بادرة فردية من جانب اي عنصر في الجيش كانت تقابل بعنف شديد من جانب البوليس السياسي, الذي كان المؤسسة الوحيدة المنظمة في البلاد, والتي كانت تعيش وكأنها خارج اسوار البرتغال, لما كانت تحصل عليه من دعم مادي يجعلها مؤسسة فوق كل مؤسسات الدولة. لكن الضباط الشباب الذين فكروا في المخاطرة بقيادة هذه (الحركة العسكرية) كانوا بعيدا عن اشتباه مؤسسة البوليس السياسي الذي كان يتعامل مع الشباب باستخفاف, مما ساعدهم على كتمان تحركاتهم ونجاحهم الذي كان مشكوكا فيه حتى اللحظة الاخيرة. كانت حركة الضباط الشبان تعرف انها ستجد لها صدى لدى جميع طبقات الشعب, لانه في تلك الفترة لم تكن هناك اسرة واحدة لا يوجد لها ابن او اب او شقيق يقاتل في مجاهل افريقيا, ليس دفاعا عن الوطن, ولكن دفاعا عن دخل الحكومة الدكتاتورية التي افقرت البرتغال لتعيش على ما تدره تلك المستعمرات التي كانت منتشرة من افريقيا وحتى جنوب شرق آسيا, لذلك كان مخططو الثورة يعتمدون على التذمر العام, الذي كان يصيب قلب العامة من الشعب التي تدفع من دماء ابنائها ثمن رفاهية الجنرالات في ثكناتهم الفاخرة المنتشرة بطول البلاد وعرضها. البوليس السياسي الذي كان عين الجنرالات على صغار الضباط كان يشتبه في ان شيئا ما يجري بين صفوف هؤلاء الصغار, لكن الثقة الزائدة في النفس وعدم رصد أية اتصالات خارجية بين هؤلاء ومخابرات اي من الدول الاجنبية التي كانت تسعى الى ضم البرتغال الى دائرة نفوذها كانت التمويه المناسب لتلك الحركة. لكن زعيم الحركة (اوتيلو سارفيا كارفالو) الذي كان يشعر ان هناك معلومات عن امكانية حدوث اي تحرك من جانب القوات المسلحة وامكانية اجهاض المخطط له, جعله يعجل بتنفيذ الخطة المتفق عليها بين مجموعات قليلة من الضباط والجنود, وكان همه يتركز في تأمين احتلال قلب العاصمة لشبونة قبل اي شيء حتى يمكن الوصول بسرعة الى ادوات النجاح الرئيسية لاية حركة: الحكومة والتلفزيون والاذاعة. لذلك اتخذ قرارا ان يكون الخامس والعشرون من ابريل تاريخا مناسبا, ونظرا لافتقار الحركة الى ادوات مناسبة للاتصالات تم الاتفاق على ان يكون اذاعة اغنيتين معينتين من الاذاعة البداية للتحرك نحو اماكن التجمعات العسكرية التي يمكن ان تشكل خطرا على حركة القوات المسلحة واحتلالها قبل ان تفيق الحكومة من ذهولها وتجهض ما حلم به هؤلاء الضباط, تم الاتفاق على اذاعة الاغنية الاولى في الساعة الحادية عشرة الا خمس دقائق, والثانية في الدقيقة الخامسة والعشرين بعد منتصف الليل, وتم الاتفاق على ان تكون الاغنية الاولى تأكيدا على بدء التنفيذ, اما الاغنية الثانية هي السير باتجاه اللا عودة حتى القضاء على الدكتاتورية. نجحت الحركة بفضل الدعم الشعبي الذي انطلق من القلوب والحناجر بمجرد رؤية الجنود في الشوارع, لان هذا الدعم اثار الرعب في قلوب الضباط الذين كانوا لا يزالوا على ولائهم للدكتاتورية, لان طلقة واحدة يمكن ان تصيب مدنيا قد فتح الطريق لانهار من الدماء البريئة. الصمت الاسباني ايضا كان له مغزاه, لان اي دعم للحكومة الدكتاتورية ما كان يمكنه ان يأتي من مكان آخر, لذلك كان الحرص على اغلاق الحدود والاتصالات مع اسبانيا الجنرال فرانكو من النقاط الرئيسية لتنفيذ هذه الثورة. لايزال الصمت الاسباني من الالغاز التي لم يكشف عنها اي جانب, حيث لم يكن مفهوما ان يسمح نظام فرانكو الدكتاتوري بقيام حكومة ثورية في البلد المجاور البرتغال, لكن المحللين يرون ان نقاء تلك الثورة كان السبب في هذا الصمت, لان اراقة الدماء كان سيتبعه حتما تدخل خارجي, اضافة الى نظام فرانكو فوجىء ايضا بثورة القرنفل كما فوجىء بها ايضا جواسيس المخابرات المركزية الامريكية والمخابرات السوفييتية. ثورة القرنفل أخذت الجميع على غرة, ومخططوها لم يكونوا على ثقة في نجاحها, لكن الصدفة وحدها كفلت لهم الغطاء الشعبي, والفضل وحده يعود الى بائعة القرنفل التي دشنت تلك الثورة ومنحتها اسمها. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا