ان لتقدم المجتمعات وتطورها مؤشرات متعددة, تتمثل في جوانب كثيرة اهمها المادي والبشري, فالمباني وهندستها وتخطيطها والمرافق الحديثة وانجازها, علامات بارزة على مدى ما وصلت اليه المجتمعات من نهضة عمرانية ووعي بأهمية تلك المباني ودورها في تسهيل مهمة العنصر البشري . ومع توافر تلك الجوانب المادية فإنه لكي تتحقق الاهداف المنشودة لابد من تكامل الجانب الاخر البشري حتى يتمكن من الاستفادة مما توافر من خدمات مادية فهو في حاجة الى تهيئة وتدريب وتعليم وتثقيف تساعده على حسن الاستخدام لتلك المنشآت والمباني, وحسن التعامل معها. ولكن في بعض الاحيان تبرز الفجوة بين الجانبين, فمع توافر الخدمات المادية يبقى النقص في الكوادر البشرية المؤهلة والمدربة القادرة على الاستفادة مما توافر من خدمات فتظهر تلك الخدمة رغم ما توافر فيها من عناصر مادية ذات مستوى ضعيف لا يرقى الى مستوى المطلوب. وقد يبرز الامر كثيرا في المؤسسات الخدمية ذات الطابع الانساني مثل المؤسسات الصحية التي تعتبر الحاضن والمتلقي لآلام وآمال المريض, فتكون من تلك المؤسسات بلسما شافيا لمراجعيها والمحتاجين لخدماتها فتوفر لهم الراحة الصحية والنفسية حتى يتمكنوا من العودة الى ما كانوا عليه من صحة. ومع الحرص على تجويد تلك الخدمة وتحقيق التنمية البشرية للانسان, فإن هناك بعض الممارسات التي تحول دون تحقيق تلك الاهداف, فهذه بعض المستشفيات التي بنيت على احدث طراز ملبية للاحتياجات العصرية بما وفرته فيها الدولة من اجهزة ومعدات حديثة, ولكن الامر يحتاج الى رعاية اخرى يلحظها ويستشعرها من يعايش الواقع داخل اروقة المستشفيات من المستفيدين من تلك الخدمات. فمن نسميهم بملائكة الرحمة يفترض فيهم ان يقوموا برسالة انسانية رفيعة لمن قادته ظروفه الصحية ليكون طريح الفراش في امس الحاجة للرعاية والعناية والاهتمام الصحي والنفسي, والاخذ بيده ورفع روحه المعنوية من منطلق الايمان بأن كثيرا من امراضنا الجسمية ذات ارتباط مباشر بظروفنا النفسية. ولكن بعض المشاهدات الواقعية لبعض من (ملائكة الرحمة) تجدهم ليسوا قادرين على القيام بتلك الرسالة السامية فالبعض منهم يتخذون اسلوبا فجا في التعامل مع المرضى, ويمارسون مداواتهم لا من باب انساني, بل من باب العمل فقط واداء الواجب, وكأنهم مجبرون على القيام بذلك الواجب. وليت الامر يقف عند هذا الحد, بل ان بعض الاطباء يعتبرون انفسهم فوق البشر احيانا وكأنهم العالمون بكل شيء ولا احد يقاربهم في المنزلة والمكانة, كما أنهم لا يسمحون لاحد بمراجعتهم ومناقشتهم او الاستفسار عن الحالة الصحية لذويهم ويعتبرون ان آراءهم سرية ومدونة في ملفاتهم دون السماح لاحد بالاطلاع عليها, ومعرفتها. فكيف يشعر المريض بالامان والاطمئنان والراحة النفسية وهذا الطبيب يمر عليه مرور الواجب, لا مرور الحاني الدافع له على رفع روحه المعنوية, والمشجع له على الخروج من محنته والشفاء من مرضه. ان المستشفيات رغم مايتوافر فيها من امكانيات مادية الا ان المريض يحتاج ايضا الى رعاية نفسية واهتمام يؤهلانه للثقة بهذه المؤسسة والايمان بالعناصر البشرية المتواجدة فيها والتي تمنحهم عند الحاجة الامن والرعاية والاهتمام المطلوب. والا فقدت اهم خصائصها, بل ومبرر وجودها اصلا.