حين كان الكفاح المسلح الوسيلة الوحيدة لتحرير فلسطين والتعامل مع العدو الصهيوني, وفقا للمواثيق الفلسطينية, كان هناك اهتمام ملحوظ بجبهة الأطر القانونية العاطفة على حقوق الشعب الفلسطيني. انبرى كثيرون آنذاك لتوضيح هذه الأطر والأسانيد الشرعية الدولية للمقاومة الوطنية بعد كشف زيف دعاوى اسرائيل ومخالفاتها الصريحة للقانون الدولي وقتي السلم والحرب . وعموما, تنطوي الأدبيات الفلسطينية لمرحلة ما قبل أوسلو على شروح قانونية بالغة العمق للاعتبارات التي دفعت لرفض بعض أهم القرارات الدولية بخصوص القضية كالقرارين 181 لعام 1947 و242 (عن مجلس الأمن) لعام 1967. كما اتسمت تلك المرحلة بعناية ملحوظة بمتابعة أدق التفاصيل القانونية وعرض الموقف الفلسطيني منها وتفسيره ان قبولا أو رفضا بناء على فهم عميق لدلالتها السياسية. في هذا السياق, فإنه من الملفت حقاً حدوث ما يشبه القطيعة بين ذلك العكوف الممتد على الأضابير القانونية للقضية وبين ما جرى في عملية أوسلو وما بعدها على صعيد النصوص أولا ثم على صعيد الممارسة ثانيا. لقد أهملت الأبعاد القانونية داخل مواثيق أوسلو حين لم يتم النص صراحة إلى كل القرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية كمرجعية للتسوية. علما بان الاشارة إلى القرارين 242 و338 في تلك المواثيق, لا تفي بالمطلوب. وما على الذين ينبذون هذا التحليل, إلا ان يرجعوا لأسباب الرفض الفلسطيني سابقا للقرارين المذكورين. أما في الممارسة, فقد أضحى التذكير بالميراث القانوني للقضية أقرب إلى العمل الموسمي, ونحسب ان قراءة ملف التسوية بناء على أوسلو والتأمل في تفاصيل الاتفاقات التي باتت عصية على الحصر, تفضي إلى هذه النتيجة. فهناك حقا تراجع ظاهر, ولعله غياب مطلق لاعتبار الشرعية الدولية مصدرا أوليا يستهدى به في صياغة الاتفاقات أو عند تنفيذها, هذا إن نفذت من الأصل. بين ما يلفت النظر أيضا, هذا التناقض الواضح بين التقيد باستراتيجية التفاوض السلمي والعزوف عن الاستعصام بالمرجعية القانونية وتفعيلها. إذ المنطق ان يكون الأخذ بهذه الاستراتيجية أدعى إلى استحضار تلك المرجعية لا العكس. أما ان يتخلى الطرف الفلسطيني عن السلاح ويضعه جانبا ويهمل في الوقت نفسه عدته القانونية ولا يشحذها, فذلك مما لا يمكن تفسيره بعقلانية. وبدلا من أن تستكين اسرائيل لهذا الخلل, باعتبار ان الشرعية الدولية نائمة لعن الله من أيقظها, راحت تقوم بهجوم مضاد, تحسبا من كل الاحتمالات. فعندما يقال حقوق اللاجئين الفلسطينيين, تتحدث عن عدم مسؤوليتها, وعندما يقال الاستيطان ترد بأنه يتم على أراض متنازع عليها (وهذا نابع من تفسيرها لمجريات أوسلو بصفتها الشرعية الوحيدة التي تعترف بها). وفي الغمرة نفسها, بلغ الموقف الاسرائيلي حد الهوس, عندما وصل طور التشكيك في القرار 181 الذي أمد الكيان الصهيوني بشرعية الوجود ونشوء الدولة وجعل للقدس مكانة اقليم خاص خارج اطار الدولتين المقترحتين في متنه, العربية واليهودية. لا يكفي والحال كذلك, ان يعيد الطرف الفلسطيني (ولا العربي) التذكير فقط بمواقف الشرعية الدولية, استدراكا منه لما لم يدركه في نصوص المسار الفلسطيني للتسوية. فالأوقع والأكثر جدوى أن يلتقط تفاصيل التأويلات الصهيونية لتلك المواقف, داحضا اياها بتؤدة وترو. تقول اسرائيل ــ على سبيل المثال ــ ان القرار 181 ما عاد يصلح كأساس للتسوية الفلسطينية.. بعد أن رفضه الفلسطينيون والعرب في حينه, وبعد أن تغيرت الحقائق التي يتعلق بها على الأرض. وأغلب الظن, ان المسؤولين الاسرائيليين يعولون هنا على نظريات الاعتراف الدولي بتلك التي بوسعها أن تمنح الآن دولتهم حق الوجود والاعتراف بحكم الواقع, بعيدا عن الحق القانوني الذي تكفل به القرار المذكور ذات حين. بمعنى ان وجود الدولة اليهودية ما عاد يحتاج إلى سند من قرار الجمعية العامة رقم 181 لعام ,1947 كون هذه الدولة أضحت ملء السمع والبصر والغاء القرار نفسه لا يلغي وجودها. هذا في حين يضر الالغاء بالجانب الفلسطيني لأنه لم يقم دولته بعد. وأهم من ذلك, يقول الاسرائيليون, ان الفلسطينيين رفضوا القرار وقت صدوره, وليس من الحكمة أن ننتظرهم خمسين عاما ليعيدوا النظر في موقفهم. هذا ما يطرحه الاسرائيليون جهرة أو تلميحا. وفي معرض محاجاتهم, لن يجدى الطرف الفلسطيني والعربي أن يسخر من هذا الطرح لا غير.. السخرية مطلوبة ولكن فائدتها تتحقق عمليا عندما يوازيها أو يواكبها تفنيذ قانوني صارم وجدي لمفردات المزاعم الاسرائيلية استنادا إلى القانون الدولي وشرعة حقوق الشعوب وقرارات الأمم المتحدة. تنطبق هذه الملاحظة (النصيحة) على ما يخص القرار 181 وغيره من جوانب الشرعية الدولية الفلسطينية, ولكن ما دمنا في دائرة القرار ,181 فلنتأمل بعض ما يمكمن أن يلقي به الجانب الفلسطيني من أوراق .. وهنا, لا يستقيم الزعم الاسرائيلي. أولاً: لأن القرارات الأممية لا تسقط بالتقادم .. ولا تتوقف صحتها القانونية وضرورة الالتزام بها على تطبيقها العاجل من عدمه, فرفض العرب للقرار 181 لا يؤدي الى الغائه وإعادة النظر فيه. ثانيا: لم يعترف أحد بالقدس كعاصمة للدولة اليهودية, تحديدا بسبب استمرارية الأخذ الدولي بالقرار ,181 وآخر نموذج يستعان به في هذه الجزئية موقف الاتحاد الأوروبي, الذي لايمكن وصف أعضائه بمحاباة العرب. ثالثا: أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة (فرانسوجولياني) في 15/11/1988 ان القرار 181 ما زال ساري المفعول. رابعاً: رفض الفلسطينيون القرار 242 لأكثر من عشرين عاما, والقرار 338 لخمسة عشر عاما .. ثم عادوا للقبول بهما .. ومضى قطار أوسلو بناء على هذا الموقف (المتغير) الذي ارتضته اسرائيل, فما الذي يستثني القرار 181 من التأسي بهذا السيناريو؟ خامساً: القول بأن الحقائق تغيرت على الأرض يمثل حجة سخيفة, فالقانون لم يخترع أصلاً إلا لمواجهة مثل هذه الحجة .. هذا, والا استبيح دم ومال وعرض وأرض كل من لم يكن بوسعه الزود عنهم في لحظة ما ضد قوة باغية .. والقاعدة المعمول بها في العالم المتحضر (المحكوم بالتنظيمات ان الحقائق لا تبطل الحقوق) . بوسع الحقوقيين الفلسطينيين والعرب الدفع بما هو أكثر من هذه المفردات القانونية والمنطقية حجية وصدقية, سواء فيما يخص القرار 181 أو بقية الأبعاد القانونية للقضية الفلسطينية, على ان استدعاء هذه الدفوع والدعوة العامة لرد الاعتبار للشرعية الدولية الفلسطينية قد لا تؤتي أكلها إلا ان حفت بشروط, يحضرنا منها في هذا المقام اثنان: الأول الايمان بأن الحق قد يتعرض للهدر والانتهاك إذا لم يكن مشفوعا بالقوة والاستعداد للبذل والتضحية بالأنفس والأموال, والثاني ألا يكون التدافع القانوني مجرد عمل نظري يستهدف ارضاء الرأي العام خارج قاعات التفاوض, وانما جهد يخدم المفاوض الذي يفترض أن يحمله تحت ابطه ويضعه على موائد التفاوض ويستهدي به بالفعل. * كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة