ان العلاقات المستجدة بين واشنطن وبكين تهدد باثارة ذعر تايوان, ومخاوف كوريا الجنوبية وقلق اليابان واستفزاز الهند. ان الصين سوق واعدة أمام المنتوجات والصادرات الأمريكية, ولأن النظام الحاكم في بكين يبدو مستقراً وطيد الاركان, في المستقبل المنظور على الأقل , ولان معدلات التنمية في الصين وصلت الى مستويات محلقة وربما غير مسبوقة بمعايير الصندوق والبنك الدولي (12ــ13 في المائة سنويا), لهذه الاسباب ولغيرها أيضا, قررت مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية أن تخطب ود الصين وأن تظل في حالة عزف تحاول أن يكون منفردا لأناشيد الغزل السياسي والهيام والتقارب والغرام المشبوب حيث تخطب ود بكين والحاكمين فيها عبر اسوار السور التاريخي العظيم. احتجاجات لصالح حقوق الانسان صحيح ان قطاعات شتى داخل المجتمع الأمريكي اثارت قضايا حقوق الانسان في الصين, واستمرت من جانبها في عزف نغمات من نوع مغاير للغزل المشبوب الصادر عن اوتار البيت الأمريكي الأبيض ووزارة الخارجية في واشنطن, والنغمات هذه المرة تعزف على اوتار الهجاء والتنديد لما تسميه الهجاؤون الامريكيون من مصادرة حقوق الانسان في الصين ومن السجل الشديد السلبي الذي دونته بكين في مجال حقوق الانسان وحرياته الاساسية. لكن المصالح غلابة لكن الصحيح من جانب آخر أن دوائر الاقتصاد الأمريكية ومخططات الاستثمارات التي تتلمظ ويسيل لعابها أمام وعود السوق الصينية البالغة الاتساع وحجم المليار وزيادة السكان هناك وبما يبشر به هذا الحجم من وعود باستيراد السلع الأمريكية الصنع وباستهلاك شديد الاغراء لا يقتصر على الماكينات ومعدات الحواسيب الالكترونية بل يتعدى ويشمل, وهذا هو الأهم, الى استيراد اسلوب الحياة الامريكية ذاتها وهو أسلوب شديد الاغراء للشعوب الجنوبية أو الشرقية التي طال حرمانها لأسباب شتى وجاءت حكاية تحول العالم الى قرية الكترونية صغيرة ومعها جاءت ثورة الاتصالات الآنية اللحظية الراهنة حيث امكن النقل الفوري, بوضوح ملون وشديد الجاذبية لأساليب وانماط الحياة الأمريكية الى حيث تؤثر على عقل ووجدان المشاهد المواطن الصيني الذي ورث عن آبائه المباشرين, منذ أيام انتصار الثورة الصينية (عام 1949) فصاعدا أسلوب الحياة الماوية (نسبة الى الزعيم الكبير ماوتسي تونج) وهو أسلوب يقوم على التقشف وتحجيم الاستهلاك والنزول بالمطالب الى حيث تلبية أبسط الاحتياجات الاساسية للانسان, واذا كان الآباء المؤسسون للدولة الصينية الشعبية الحديثة قد أمكنهم التعايش مع هذا الأسلوب التقشفي في الاستهلاك وفي مطالب المعاش الى حد الزهد المادي وربما اكتفوا في هذا الصدد باطلاق شعارات الاكتفاء الذاتي والعدالة في توزيع الموارد والتغني بانتصار الثورة وقراءة الكتاب الأحمر من تعاليم الرفيق (ماو) ابان الثورة الثقافية التي نشبت في منتصف الستينات.. الا أن هذا كله لم يعد مقبولا في عصر القمر الاصطناعي والصورة التلفزيونية التي يتم ارسالها وبثها واستقبالها في ذات اللحظة فاذا بها تنتشر وتؤثر في حواضر الصين واريافها.. واذا بالرسالة المرتقبة تصل الى عنوان أهل البليون وزيادة من سكان الصين فردا من بعد فرد تقول لكل منهم: ان هناك قوما أو أقواما آخرين يعيشون في جوانب شتى من هذا العالم ويجنون قدرا من المتعة ويستهلكون الكماليات الى جانب الضرورات, وينعمون بقدر ايضا من الاستهلاك الترفي العائد من ناتج عملهم واذا كان الانسان يعيش بالخبز من اجل سد الرمق, فإن الانسان اذ يعمل وينتج ويمارس التنمية ويحقق ــ كما في الصين ــ معدلات مرموقة في مضمارها, هذا الانسان يصبح له الحق, كله او بعضه في شيء من اليسر وشيء من البحبوحة وشيء من (الشبرقة) كما يقول المصريون. ومن عجب ان يترجم اصحابنا الامريكيون هذه الشبرقة بمعنى اقتطاف بعض متع الحياة الى اشياء تكمن جاذبيتها في بساطتها وتنبع كما لابد وقد المحنا في حديث سابق من فلسفة نحسبها فلسفة اللاشيء من فرط بساطتها الى حد السذاجة, وهي سذاجة لا تنبع في فكر الامريكان من البراءة بل هي سذاجة مقصودة متعمدة تطبق حكاية اللاشيء هذه على اصناف بعينها في مجال الانتاج وعلى انماط بذاتها في مجال السلوكيات. فلسفة اللاشيء ان الامريكان يلبسون اللاشيء ممثلا في اردية الجينز ويأكلون اللاشيء ممثلا في سندويتشات البرجر ويسمعون اللاشيء ممثلا في موسيقى البوب او الراب او الميتال (وقوامها صخب في صخب ودقات زار عنيفة هي اقرب الى الزن المستمر والطنين الذي يأخذ بمجامع الاذنين... وهذا هو المطلوب) هذا, بالاضافة الى شرب اللاشيء ممثلا في مركبات الكولا (فلا هي مغذية ولا هي مفيدة في علاج) ثم هاهم يتسلون باللاشيء ممثلا في الفشار ويمضغون اللاشيء ممثلا في انواع العلكة ــ الشوينغم ... والله اعلم. واخطر واطرف ما تحتويه مؤسسة اللاشيء هذه ــ انها لا تحتاج من اتباعها تحليلا في العقل او امعانا في الفكر او تقمصا في اجالة النظر او في التدبير... انها موجودة و... خلاص... ظريفة. وانتهى كل شيء خفيفة الدم ــ يتم استهلاكها بسرعة وعلى طريقة اختطاف اللحظات... وهي فوق البيعة تتسم بقدر عمدي من التنميط الممتزج عمدا كذلك ــ بالتسطيح حيث لا تمايز بين الناس ولا تفرقة بين الافراد ففي صخب الموسيقى لا يميز الناس شيئا وبين قوائم الاصناف المنمطة والموحدة بشكل معياري يقبل الافراد على الوجبات المجهزة مسبقا ويكفي ان ينطق الزبون كلمة كولا او كلمة صودا فكأنه نطق كلمة سر مقننة بكل لغات العالم ومتعارفا عليها في كل ارياف وحواضر المعمورة فيأتيه المشروب بغير مزيد من جهد, بهذه الاسلحة المشرعات استطاعت الثقافة او بالادق استطاعت اساليب الحياة الامريكية ان تشق طريقها الى المليار صيني وزيادة من البشر والتطلعات ووعود الاستهلاك ومضت قاطرة العلاقات السياسية ــ الاقتصادية ـ بين واشنطن وشريكتها الجديدة ــ بكين تمضي في طريقها ــ. وقد اندفعت محركاتها العفية الناشطة بوقود الرغبة في المنافع الاقتصادية وان حملت هذه المحركات لافتات رفعتها ليراها كل من له عينين ــ لافتات من تأليف وتلحين مؤسسة السياسة الخارجية الدولية تحمل شعارات وردت على لسان السيدة اولبرايت وزيرة الخارجية وهي من قبيل: ** التعاون الاستراتيجي. ** الشراكة الاستراتيجية. شهر العسل ... استراتيجيا ان هذه العلاقة الجديدة التي قد نصفها بأنها نوع من (شهر العسل الاستراتيجي) بين امريكا والصين جاءت اثر فترات من الجمود والبرود الى درجة الثلج في علاقات الطرفين ومع ذلك فقد اثار هذا الدفء الذي كان من علامات رحلة الرئيس الآسيوية الامريكي الاخيرة دوامات من النقد والتحليل السياسي لدرجة لابد وان نتوقف عندها من جانبنا العربي بحكم ان كلا طرفي هذه العلاقة الاستراتيجية المستجدة وهما امريكا والصين لهما مصالحهما التي تتماشى بالضرورة مع المصالح العربية, فضلا عما يحتله كل من هذين الطرفين من مكانة الدولة العظمى سواء على مستوى عالم اليوم (أمريكا) أو على المستوى الاقليمي (الصين بالنسبة لقارة آسيا ومنطقة حافة الباسيفيك). المحللون في معهد (كاتو) للدراسات الخاصة بأمور الدفاع والسياسة الخارجية في الولايات المتحدة, وهو مؤسسة بحثية مهمة وتصدر مجلة دورية رصينة تحت نفس الاسم (كاتو) عكفوا على دراسة نوعية ومسارات علاقة امريكا والصين, مركزين على التداعيات السياسية والاستراتيجية الناجمة عن هذه العلاقة وعلى ماقد يترتب عليها من آثار بالنسبة للمحيط الاقليمي ــ الآسيوي بالذات. الاستاذ جالين كاربنتر نائب رئيس المعهد المذكور انطلق من منظور يقول في ايجاز بالآتي: ** ان علاقات التقارب (الغزلية كما وصفها) بين امريكا والصين تؤدي الى اقلاق مضاجع وخواطر جيران الصين في القارة الآسيوية وفي هذا الخصوص اختار الاستاذ كاربنتر لدراسته عنوانا موحيا يقول باختصار: ** اغضاب آسيا (او اثارة غيظها وحنقها) والدراسة من سطورها الاولى توضح لنا ان من صفوف الاكاديمية السياسية في الولايات المتحدة من يحاول تهدئة قاطرة العلاقات الصينية ــ الامريكية كي لا تجمح من حيث سرعتها او اندفاعتها بحيث تؤثر على التوازنات الاقليمية وعلى معدلات القوة التي يهدد اختلالها بزعزعة الاستقرار في واحدة من اهم مناطق العالم, منطقة يتواجد فيها عمالقة أو اشباه عمالقة سواء من حيث حيوية النشاط التنموي (الصين) أو المستوى الاقتصادي التكنولوجي الفائق التقدم (اليابان) أو حجم السكان وغزارة وتنوع الامكانات (الهند) أو حميمية العلاقة الخصوصية مع الولايات المتحدة (كوريا الجنوبية) أو تجسيد مشاكل تنذر باشتعال الصراع (تايوان) التي ما برحت علاقاتها المتوترة إلى حد الاحتقان تشكل ما يشبه صاروخا موقوتا وقابلا لانفجار هائل في اي لحظة من اللحظات. في عدد ديسمبر الماضي من مجلة (فورين افيرز) الامريكية يعدد الاستاذ كاربنتر نوعية الاخطار, المشاكل التي تمس كلا من الدول الاسيوية الاقليمية التي عددناها فيما سبق من سطور, ويقول ما مفاده: ان العلاقات المستجدة بين واشنطن وبكين تهدد بالتالي: اثارة ذعر تايوان اثارة مخاوف كوريا الجنوبية اثارة قلق اليابان ثم ـ استفزاز الهند إلى حد ان كشفت مؤخرا عما يوجد في ترساناتها من اسلحة نووية, وهو ما ادى من خلال ما يسمى في علم السياسة المعاصر باسم حركة الدومينو أو سلسلة التوابع أو تتابع التأثير ادى إلى اثارة باكستان التي عمدت لاسباب اقليمية وداخلية متشابكة إلى الكشف من جانبها عن اسلحتها النووية, وهو ما جعل الامر بمثابة زلزال مكتوم تحت الارض, يبدأ في الصين ولكن تتداعى تأثيراته بالتتابع, كما تصل إلى حواف شبه القارة الهندية, وقد تصلنا يوما بحكم الجوار الجغرافي والمصالحي ولو إلى السواحل الشرقية, الخليج من الوطن العربي. عنصر باكستان وارد وقبل ان نراجع المحلل السياسي الامريكي في شأن سلوك الهند النووي, فهو يبادر إلى الاعتراف بان الربط بين علاقات الصين وامريكا وبين الانشطة النووية الهندية انما يحمل قدرا لا بأس به من التبسيط, حيث ان منطقة شبه القارة الهندية, لها بدورها مشكلتها الخاصة القابلة للتفجر في اي لحظة سواء على ارض كشمير المتنازع عليها أو بفعل المنافسة التاريخية المحدثة (عمرها لا يزيد على خمسين سنة تقل أو تزيد) بين الهند وباكستان. مصداقية التحليل الامريكي مع ذلك فالتحليل الامريكي يحمل بين سطوره عناصر وجاهته ومصداقيته وهي وجاهة أو مصداقية ترجع إلى تصريحات المسؤولين الهنود انفسهم غداة الانخاب التي احتساها الرئيسان كلينتون (الامريكي) , و(زيمين) الصيني في قصر الرئاسة الاحمر في الميدان السماوي في بكين, وعندما وجهوا الانتقادات إلى المؤسسة السياسية ــ العسكرية في الهند بسبب تجاربها النووية التي تمت مؤخرا, عمد وزير الدفاع الهندي إلى الرد بعبارات بالغة الدلالة خاطب فيها الرئيس الامريكي قائلا: بودي ان اطرح على بيل كلينتون سؤالا واحدا وهو: لماذا تشعر ان بوسعك ان تثق في الصين أو تأتمنها على الاسلحة النووية ولكنك لا تثق في الهند. ويبين الاستاذ كاربنتر ان الوزير الهندي المسؤول انما كان يعبر عن رأي عام يسود اوساط النخبة الحاكمة وايضا قطاعات واسعة من القوى المثقفة ـ الانتلجنسيا في الهند ازاء رخاء العلاقات الامريكية الصينية وهو ما تجلى في العبارات التي كتبها المحرر المسؤول عن قضايا الاستراتيجية في جريدة (ذي هندو) الصادرة في الهند واعرب فيها عن شعور الهنود بالحنق وخيبة الامل بالنسبة للامريكان وقال: قالوا لنا ان نبقى قابعين (أو محبوسين) بين زوايا صندوق صغير بينما كانت الولايات المتحدة تسلم مقاليد جنوب اسيا إلى الصين. مشاعر المرارة الهندية إلى هذا الحد من المرارة والحنق بلغت مشاعر المسؤولين والمفكرين ـ المثقفين في الهند, إلى حد وصل برئيس الوزراء الهندي السابق جور جرال إلى التفكير بعيدا, ربما بشيء من المبالغة لكي يستذكر دروس السويس, ايام الصدام بين الزعيم العربي ناصر وبين بريطانيا العظمى بقيادة انطوني ايدن وبعدها اضطرت بريطانيا إلى ان تجلو بنفوذها عن مناطق الجزيرة العربية والخليج فيما عرف في تلك الايام باسم (استراتيجية شرق السويس) ان السياسي الهندي يسترجع هذه الذكريات جميعا ويطبقها في نوع من المضاهاة (انا لوجي) السياسية ــ التاريخية على واقع علاقات امريكا والصين وموقف الهند من هذا كله, ومن ثم فهو يتساءل قائلا: اذا كنتم قد قررتم ان هذا الجانب من السويس (الشرق الاوسط والشرق الاقصى) سيكون منطقة نفوذ لحساب الصين, فماذا يستطيع السياسي الهندي أن يفعل؟ وتبقى الاسئلة مثارة وبانتظار اجابات شافية, اسئلة من مثيل: ثم ماذا عن سائر الاطراف في اقليم جنوب اسيا وقد اقض مضاجعها, ذلك الربيع الذي سرى مؤخرا في اعطاف العلاقات الصينية ــ الامريكية؟ ماذا عن المواقف المستجدة اخيرا لاطراف اقليمية مثل تايوان كوريا الجنوبية دع عنك اليابان منافس الصين التاريخي العتيد؟. إلى الجزء الاخير من هذا البحث