يحسن بداية أن نشير الى ما تعنيه لفظة (الثقافة) وكلمة (الحضارة) إذ غالبا ما يستخدم كتاب العربية الكلمتين بمعنى واحد وفي احسن الاحوال يجري استخدام كل مصطلح منهما للدلالة على جزء يسير من التعريف العلمي لهما.فالثقافة يشار بها غالبا الى العلوم والمعارف المختلفة التي يمكن للانسان أن يكتسبها بجهده أو يحصلها عن قصد وعمد, وخاصة في مجالات التعليم والفن والعلوم. وذلك على الرغم من أن الثقافة تشمل الى جانب ذلك كل المعارف والعقائد والفنون والاخلاق والتقاليد والقوانين وجميع المقومات والعادات الاخرى التي يكتسبها الانسان باعتباره عضوا في المجتمع. ولما كانت الثقافة بهذا المعنى هي كل ما يكتسبه الانسان عن غير طريق الوراثة الطبيعية فانها تمثل الوعاء الذي يحتفظ لكل امة بهويتها المميزة وشخصيتها المتفردة, إذ هي كما يحلو للبعض ان يصفها (البرمجة الجمعية للعقل البشري) . اما الحضارة فتشير ليس فقط الى المستحدثات التقنية, وانما قبل ذلك الى المظهر الثقافي في المتقدم لدى شعب من الشعوب والذي تحدد درجة تقدمه مجموعة من الانجازات في مجالات الادب والفنون والنظم السياسية والاجتماعية. ان هذا التعريف الاولي للثقافة والحضارة يفصح عن أن لكل مجتمع ولكل امة ثقافتها وحضارتها الخاصة, وأن طابع الاكتساب فيهما بقدر ما يمنحهما الصلابة والتواصل بقدر ما يعرضهما للتغير والتحول. مخاطر التنميط هذه المقدمة تبدو, على جفافها, ضرورة, اذا ما رغبنا في تلمس حجم الخطر الذي تتعرض له ثقافتنا وحضارتنا العربية الاسلامية, بسبب (العولمة) التي لا تتوقف عند حدود السيطرة الاقتصادية أو الهيمنة السياسية على سكان المعمورة ودولها, وانما تتخطى ذلك الى السعي الحثيث (لتنميط العالم) وفق الثقافة (الانجلو سكسونية) , كما هي معروفة في الولايات المتحدة الامريكية على وجه التحديد. وقبل أن يبادرنا البعض بأننا نكابد آثار الرؤية التآمرية لكل اجنبي وافد, نسارع الى التذكير بأن الثقافة العربية ليست وحدها في مواجهة اخطبوط التنميط, بل ان بعض الثقافات الاوروبية التي تصنف تقليديا ضمن الثقافة والحضارة الغربية باتت مهددة بالاختراق الذي تمارسه عليها الولايات المتحدة من خلال الافلام والوسائل السمعية والبصرية الاخرى التي تغزو الاسواق والسلوك وتكرس انماطا من القيم الاستهلاكية والحضارية. ناهيك عن فرض إتقان اللغة الانجليزية من اجل التفوق العلمي والتكنولوجي والتواصل مع شبكات المعلومات والاتصالات. فمن فرنسا الى كندا, ومن ألمانيا الى ايطاليا, هناك العشرات من الكتب التي تتحدث عن (الامبريالية الثقافية) و(الحرب الثقافية) والاستعمار الثقافي. وبالمثل فان ثقافتنا العربية مهددة بأن يبتلعها اخطبوط التماثل الثقافي مع الغرب الذي يوظف كل طاقاته لتسطيح هذه الثقافة وطمس معالمها المميزة لحساب الثقافة والحضارة الانجلو سكسونية, مستغلا التطور الرهيب في وسائل الاتصال الجبارة التي تطال اعمق زوايا الكون. ان آلاف الصفحات يمكن أن تسود لبيان حجم الضغوط الثقافية التي تبثها وسائل الاعلام الغربية عبر الاقمار الصناعية والبرامج التي تعرضها وسائلنا الاعلامية دون اكتراث, ولكن هذه الحقيقة التي يعيها رجل الشارع البسيط لم تعد بحاجة الى مثل هذا الجهد الجهيد, من اجل رسم حدود الحالة الحرجة التي تمر بها ثقافتنا العربية نتيجة للغزو الثقافي. ان الثقافة العربية قد تعرضت أولا, ومنذ مطلع هذا القرن على اقل تقدير, لهجوم كاسح على جبهة الابعاد المادية المكونة لهذه الثقافة, مثل المباني والمنشآت العامة والخاصة والازياء ووسائل الاتصال والمواصلات, وكل ما يتناوله الانسان العربي من مأكل ومشرب. وذلك بغرض تعديل انماط الانتاج والاستهلاك لتكون المجتمعات العربية اسيرة, ولو زعمت غير ذلك, لكل ما ينتجه الغرب من تقنيات ومنتجات نهائية. ولقد كان ذلك, ومازال, انجح الوسائل لتثبيت التبعية الشاملة لدول العالم الثالث للدول المتقدمة. ورغم الاعتراف بأن الجانب المادي للثقافة, يتفاعل مع البعد المعنوي للثقافة (القيم والافكار) فيؤثر كل منهما في الآخر, حيث ان وجود أو استخدام او صنع الاشياء المادية يفترض طرقاً وعادات وافكاراً ومفاهيم ومعايير لكيفية انتاجها واستخدامها, رغم الاعتراف بذلك, فان الثقافة العربية ظلت محافظة الى حد بعيد على خصوصيتها وتماسكها المعنوي حتى الستينات من هذا القرن. ليس فقط لتأخر وسائل الاتصال والمواصلات (التلفزيون والطائرة) ولكن وايضا لقرب العهد بمعارك الاستقلال عن الاستعمار الاوروبي واحتدام المواجهة الحضارية مع الكيان الصهيوني الوليد السفاح للثقافة الغربية. وأدى المعدل المتسارع لاستعارة الثقافة المادية للغرب ووسائطها المختلفة, من آلات وأدوات وملابس وأغذية ومنشآت عمرانية, الى وهن خطير في (الوحدة الثقافية) للأمة العربية, بعدما اتسعت هوة الفراغ الثقافي نتيجة لتغير عناصر الثقافة المادية بمعدلات اسرع بكثير من معدلات تغير العناصر المعنوية والقيمية. وتجسد ذلك في تزعزع القيم والمفاهيم ونشوء بعض المظاهر الشاذة وفقدان التوازن والاتجاه نحو التقليد الاعمى لكل مظاهر الحياة الامريكية. وليس من قبيل المبالغة في شيء ان أمتنا العربية قد افتقدت في ظل ثورة الاتصالات قدرا كبيرا من وحدتها الثقافية, ليس فقط على المستوى الرأسي (بين قطر وآخر) , بل وايضا على المستوى الافقي بين الريف والمدن وبين القوى الاجتماعية وبعضها البعض. أحادية الثقافة ان المأزق الخطير الذي انزلقت اليه الثقافة العربية, بمعناها الشامل, لهو ذلك الانقياد الاعمى لما تفرضه الثقافة الغربية في نسختها الامريكية من تركيز احادي الجانب على (الثقافة الاقتصادية) لتجعلها مقياسا لكل شيء. وفي هذه الثقافة يسيطر مفهوم واحد هو (الانا) او الفرد المعزول الذي يشعر بوحدانيته وجبروته. ولامراء في ان ذلك قد اثر بالسلب على المكونات الرئيسية والمتفردة للثقافة العربية التي اتسمت عبر عصورها الاسلامية بالتضامنية (والجمعية) التي جعلت من الحضارة العربية الاسلامية شمسا تسطع على الغرب الاوروبي المظلم بالجهل, كما قالت الالمانية (هونيكر) بحق. فالثقافة العربية تحترم الاسرة باعتبارها نواة البناء الاجتماعي, وتقدر المروءة وتطالب بالتكافل الاجتماعي والعدل الاجتماعي والمسؤولية العامة وتقديس العمل وتطالب بالاستثمار الانتاجي للارض وبأن الثروات الطبيعية ملك للجميع, وتلزم المعتنقين لهذه الثقافة بمحاربة الامية وتكريم العلم وأهله. هذه الثقافة تتخلى عن ذلك كله, أو على الاقل بعضه الجوهري, عندما تسعى لنقل ثروات المجتمع ومقدراته لأشخاص بعينهم تحت دعاوى مختلفة, وعندما تقبل دولها أو تكره على التخلي عن العدل والتكافل الاجتماعي, وعندما يجد الناس انفسهم يفقدون فجأة (الترابط الاسري) , وخاصة في المدن الرئيسية. ان هذه الحقيقة الاخيرة تختزل الى حد بعيد حجم المخاطر التي تتعرض لها مكونات الثقافة العربية في اولى مدارج سلمها القيمي, خاصة وأنها تضرب القاعدة الاوسع والاعم في المجتمع والحاضن الرئيسي للعموميات الثقافية التي يؤدي تناقصها الى تقويض الذات الثقافية لأية أمة أو جماعة. ان بعض الكتابات المتسرعة ترى في انهيار الروابط الاسرية في المحيط العربي انعكاسا للحياة المادية السريعة الايقاع وانهيارا للقيم الأبوية, نتيجة لادمان مشاهدة الافلام والمسلسلات الامريكية التي تحض على استقلال الابناء مبكرا عن ذويهم. ومع التسليم بأن مثل هذه الكتابات لم تذهب بعيدا عن جادة الصواب, الا ان ذلك لا يمنع من الحكم عليها بحسن النية على سبيل التجاوز. فالامر في حقيقته اكثر تعقيدا وأبعد غورا من ذلك كله, وقد لا تكفي تخصصات علمية دقيقة بعينها للإحاطة بمكونات هذا التغير الثقافي. وللدلالة على ذلك سنكتفي هنا بتتبع تأثير التخلي عن نمط بناء المسكن العربي (الدار) على خصيصة الترابط الاسري في الثقافة العربية. فمنذ اتجاه المجتمعات العربية نحو التمدين (أي تركز الاقامة في المدن والتوسع فيها) وهي تعتمد غالبا على تقنية بناء العمارات الشاهقة بالخرسانات وتقسيم مسطحاتها الى (شقق) (وما أبلغ التعبير العربي (شقة) عن ضيقها) . وفي ظل الغابات الاسمنتية اختفت او تكاد, الدار العربية التقليدية التي كانت تعتمد على صحن اوسط مكشوف تتوزع حوله القاعات ووحدات السكن والمعيشة على طابق او اثنين على الاكثر, دون إفراد قاعة باستخدام بعينه (حجرة للنوم ــ صالون ــ جلوس ــ سفره... الخ) . فبعض القاعات كانت تستخدم للنوم شتاء فقط والبعض الآخر للجلوس صيفا... وقد اتاح هذا النظام في البناء للاسرة ان تستمر عدة اجيال منها في الاقامة بالدار, يتحمل الغني منهم الفقير والموسر منهم المعسر, ويتفق الجميع على عادات متصلة في الاكل والشرب واللبس, وقيم وسلوكيات (مقدسة) من فرط طبيعتها وصرامة الالتزام لها. وقد اضفى الصحن المفتوح, بالاضافة الى مميزاته المناخية, روحا من الاستقلالية والاتصال بالعالم في آن واحد, فالجالس بفناء الدار يرى زرقة السماء ويحس بأشعة الشمس في خصوصية اسرية توفر الحركة الاجتماعية دون أن تؤدي الى العزلة عن الخارج. وبديهي أن احياء بأسرها تتألف من مثل هذا النمط البنائي لن تسكنها اعداد غفيرة (مليونية) نظرا لعدم الامتداد الرأسي للبناء (تعدد الطوابق) , وهو ما يدعم علاقات القربى ويجعل من تعارف جيران الحي أمرا منطقياً. ونضيف على هامش ذلك ان هذا النمط من الثقافة المادية (البناء) قد جعل على سبيل المقارنة, من الاندلس بقعة غنية بالمدن المزدهرة, في حين كان الشمال الاسباني المسيحي يعتمد على عدد محدود من المدن المزدهرة, وهو ايضا ما جعل من دار الاسلام, احفل ارجاء المعمورة بالمدن المتوسطة الحجم. التفكك الاسري ان تأثير العمائر المشيدة وفق النمط الاوروبي يبدو ساحقا على الترابط الاسري في المجتمعات العربية, فضيق الشقق, مهما اتسعت, وتقسيمها من ناحية الاستخدام وفق العادات الاوروبية, لن يؤدي بحال من الاحوال الى وجود الاسرة المتصلة التي تضم عدة اجيال متساكنة, وتزايد اعداد السكان لن يسمح هو ايضاً في المدن العملاقة بأن يتعرف المقيم بالطابق الاول على الذي يقيم بآخر طابق عمارته, ناهيك عن العمائر المجاورة. وكل ما في العمائر الحديثة من نوافذ يدفع الفرد نحو المزيد من العزلة, فهذه العلب الاسمنتية لا تتناسب ومناخ اقاليمنا شبه المدارية. ففتح نوافذها الضيقة لن يؤدي الى زيادة التهوية صيفا, مثلما لا يجدي غلقها كثيرا في دفع برد الشتاء, وان كان كلاهما سيؤدي الى الانعزال والشعور المتنامي بالفردية, وهو ما يتعزز باستخدام مستلزمات العيش في هذه المعازل الاجتماعية من اجهزة التكييف والثلاجات والتلفزيونات... الخ لقد حقق تبني هذا النمط الغربي في البناء رواجا مؤكدا لكل ما ينتجه الغرب من مستلزمات الحياة العصرية, مثلما روج ايضا لقواه الفنية وكوادره وقيمه الاستهلاكية المتصلة بهذا الفرع من الحياة, وحقق ايضا, وبالتبعية, مشابهة اكيدة بين طابع الحياة الاسرية في المجتمعات الغربية وطابع حياتنا الاسرية العربية. ان ذلك يقودنا الى الحقيقة المفجعة الا وهي ان ثقافتنا وحضارتنا العربية الاسلامية تتعرض لخطر محيق لا يصح التهوين منه أو التهاون في معالجته, ولن يتأتى ذلك عن طريق بث المواعظ والارشادات أو تدبيج وصفات او تذاكر علاج. ولكن الامر يحتاج الى مواجهة مجتمعية شاملة ينبغي لحملة الفكر والرأي وأولي الامر ان يتعاونوا فيها مع المراكز البحثية والمؤسسات الاكاديمية والعلمية من اجل التخطيط لمقاومة فعالة وابداعية لمخططات التنميط الثقافي التي تشنها حرب العولمة من قلاعها فيما وراء البحار.