يواجه عبد العزيز بوتفليقة, الذي تسلم رئاسة الجزائر رسميا قبل يومين, تحديات مهامه الرئاسية بوضوح شديد وبرؤية صريحة لما يريد أن تكون عليه بلاده ولما يريده لمواطنيه, فقد عرض افكاره تلك اثناء الحملات الانتخابية وكررها بعد إعلان فوزه بنسبة 73%, ضمنت له إجماعا شعبيا, هو ما كان يحتاجه ويريده ويسعى اليه . فبوتفليقة, الذي يرى أن رئاسته للجزائر تأخرت 21 عاما, في اشارة الى استبعاده من المنافسة والانقلاب عليه بعد وفاة هواري بومدين, يعترف بعلاقته الوطيدة مع الجيش, ويعتز بانتمائه الى جيش التحرير, ويؤكد على دور مهم للجيش في حفظ الاستقلال والدفاع عن الدستور ومؤسسات الدولة, ومع ذلك يوضح باصرار أنه رئيس لكل الجزائريين, مدنيين وعسكريين, بلا ادنى تمييز في الحقوق والواجبات, وأن الجيش اذا أراد أكثر من ذلك ولم يحصل عليه, وتدخل لانهاء رئاسة الرئيس أو اختصارها, فيقول له بوتفليقة: (قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا) . ثم هناك تقديم الممارسة الديمقراطية بتقاليدها على ماعداها, فهذه من الوضوح عند بوتفليقة الى درجة اصراره كل مرة على حق الاكثرية في قيادة الأقلية, وحق المواطنين في الانتخاب وحرية الرأى والصحافة, بدليل أنه رفض شخصيا دعوته مرتين على الأقل لكي يكون رئيسا للجزائر فرفض مبدأ التعيين, مصرا على الاختيار الشعبي له, كما حصل مؤخرا وفاز بهذه الثقة. ولأنه مع مبدأ الاختيار الشعبي خاض الانتخابات عن جدارة وأصر على البقاء حتى مع انسحاب المرشحين الآخرين الستة, الذين عرفنا بعد ذلك ان انسحابهم غير قانوني, واصرار السلطات على إجراء الانتخابات لانه ليس من حقها الغاؤها, ليعلن بوتفليقة عندها انه اذا لم يفز بأغلبية معقولة فهو ذاهب للبقاء في بيته. أما برنامجه الواضح للعمل والحكم, قبل الانتخابات وبعدها, فيتلخص في المصالحة الوطنية والجبهة الداخلية, فالاقتصاد الوطني فمكانة الجزائر بين الأمم, وهذه الاركان الثلاثة الرئيسية للبرنامج تشكل عمليا عقدة الجزائر وحلولها في الوقت ذاته, حيث الحرب الأهلية والانشقاق الداخلي بحاجة الى علاج, وحيث الاقتصاد المتهاوي, فالمكانة المتردية للجزائر, بلد المليون ونصف مليون شهيد. وهكذا يختصر بوتفليقة عمليا برنامجه في شعاره الانتخابي الذي وضع في الصدارة كرامة الجزائريين, فوجد فيه هؤلاء المفتاح السحري والكلمة المنتظرة لتأييد من يرفعها, لانه من دون استقرار وأمن واقتصاد قوي لا كرامة لمواطن في بلده وخارج بلده, فكانت الكلمات التي حملت بوتفليقة فعلا على أكتاف الناخبين الى حيث كرسي الرئاسة. وما دمنا وصلنا الى الكرسي, ونحن نقوم بهذه القراءة في اوراق الرئيس الجزائري الجديد وأفكاره التي أعلن عنها عبر لقاءاته التلفزيونية والصحفية وحملاته الانتخابية, فهو يعترف بوعي شديد بأن الكرسي (جهنمي) , فاما ان يكون رئيسا قويا او لايكون حسب تعبيره, أما القوة فواضح بأنها من قدرته على ترجمة أفكاره ومبادئه وبرنامجه على أرض الواقع والعمل على تنفيذها بصبر وأناة ودقة ودون تراجع, وهو مايتطلب قدرا من الفداء والتضحية والعمل الخلاق في بلد كالجزائر, فاذا نجح بوتفليقة في ذلك ولم يغرق في (الكرسي) , فان رجلا من رجالات الثورة نفسها يكون قد أنقذ الجزائر, حتى وهو يعترف بأخطاء لهذه الثورة بشجاعة نادرة, وذلك بتحويلها من دولة الثورة الى ثورة الدولة.