مصير الجزائر سوف يقرر المستقبل السياسي لبعض الدول العربية, هذه هي احدى الاستخلاصات التي يحفل بها كتاب جديد في الولايات المتحدة تحت عنوان (الدول المحورية: اطار جديد للسياسة الامريكية في العالم النامي . الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات في العمق بأقلام خبراء استراتيجيين حول مستقبل عدد من دول العالم الثالث جرى انتقاؤها بعناية دقيقة على أساس انها (دول محورية) .. بمعنى انها تقف حاليا على مفترق طرق وان توجهها مستقبلا في هذا الاتجاه أو ذاك سوف يقرر بالتداعي الجيوــ سياسي مصير دول اخرى. من هذه الدول ــ على الصعيد العربي ــ الجزائر ويستخدم الكتاب مصطلح (النموذج الجزائري) في تناوله للوضع الراهن لتلك الدولة العربية في الشمال الافريقي, فما هو (النموذج الجزائري) كما يطرحه الكتاب؟ انه في كلمة واحدة فقدان السيادة على حركة الاقتصاد الوطني على خلفية تيار اسلامي راديكالي يملك الادوات اللازمة لتولي السلطة على المدى البعيد, مما ينطبق على بعض الدول العربية. ظاهريا يبدو المشهد وكأنه صراع داخل دائرة معزولة بين التنظيم الاسلامي الرئيسي, كما تمثله في الجزائر (جبهة الانقاذ الاسلامي) والمؤسسة العسكرية الحاكمة من وراء ستار. لكن الكتاب يحذر من الخلط بين (السبب) و(النتيجة) , فالصراع اليومي بين كوادر المنظمة الاسلامية وكوادر الجيش ليس سوى (نتيجة) .. فما هو (السبب) اذن؟ فتش عن (صندوق النقد الدولي) كذراع مالية للسياسات العالمية الامريكية ووصفاته القاتلة: (التكيف الهيكلي) .. (تحرير الاقتصاد) .. (الخصخصة) . لقد ظل الاقتصاد الوطني الجزائري لسنين طويلة متصلة (منذ منتصف عقد الثمانينات) يترنح على حافة افلاس مزمن بسبب ارتهانه الى وصفات (الصندوق) الذي يمثل رأس الرمح للمؤسسات المالية والمصرفية الامريكية والغربية عموما, والشركات متعددة الجنسية بأصنافها. والهدف من الوصفات هو تجريد الدولة من أية سيطرة حقيقية على حركة الاقتصاد الوطني لتتفرغ لدور سن التشريعات ووضع التدابير التي من شأنها تسهيل نهب موارد الاقتصاد الوطني باسم (التحرير) ونقل ملكية المؤسسات الحكومية المفتاحية الرابحة الى أصحاب رؤوس أموال أجانب أو وكلائهم المحليين باسم (برامج الخصخصة) . ومع تشريد العاملين في المؤسسات المخصخصة بمئات الألوف, وبالتالي تنامي البطالة, وعجز الدولة عن توفير متطلبات الحد الأدنى من واردات السلع الضرورية, وتصاعد الغلاء في السوق الاستهلاكية ينشأ الغضب الشعبي ويتراكم.. ويزداد تراكما. هنا نأتي الى (النتيجة) .. تنشأ قيادات وتنظيمات جديدة للمعارضة للتعبير عن التذمر المتصاعد, وسرعان ما نصل الى المقدمة.. الفصائل ذات الشعارات الاسلامية كتنظيمات ايديولوجية اقتبست أساليب التنظيم السري الدقيق من تراث التنظيمات اليسارية التي ذهبت في ذمة التاريخ. ماذا يمكن ان يحدث في المستقبل؟ الكتاب يتفادى استخلاصا نهائيا لكنه يقول انه بصرف النظر عن الصورة المستقبلية لمصير الجزائر فإنه نموذج ينطبق بمعطياته الراهنة على جيران في الشمال الافريقي. هذا اذن (تشريح) .. وليس تنبؤاً!