ماذا سيقول ياسر عرفات بعد ايام معدودة, في اليوم الرابع من مايو ,1999 اليوم الذي اعتبره يوما مقدسا لدى الفلسطينيين, دون ان يشرح لنا مصدر هذه القدسية ! من المؤكد انه لن يعلن اي التزام باعتبار هذا اليوم نقطة التحرك النضالي لتطبيق (اعلان الاستقلال) وقيام دولة فلسطين وفق القرار الذي اتخذه المجلس الوطني الفلسطيني في 15 نوفمبر ,1988 في الجزائر, والقاضي بجلاء قوات الاحتلال الاسرائيلي عن كافة الاراضي المحتلة سنة ,1967 وفي طليعتها القدس الشرقية. عن مثل هذه الدولة, الكاملة السيادة, المؤهلة لحمل الهوية الوطنية الفلسطينية وبالتالي منحها لكل من انحدر من اصل فلسطيني, لن يقول ياسر عرفات اي كلام, فمثل هذه الدولة القادرة على ان تكون مركز تجمع لعودة اللاجئين الفلسطينيين من ديار المنافي القسرية, المستعيدة لجزء من التراب الوطني, ولو على حساب الحق المطلق والعدالة الكاملة, لم تعد واردة في ذهن القيادة الفلسطينية بعد توقيعها على اتفاقية اوسلو وحثها في السير على درب التنازلات وصولا إلى اتفاقية (واي بلانتيشن) التي قبل بها المظلوم ورفضها الظالم. واي حديث يصدر عن هذه القيادة حول (الدولة) لا صلة له بالدولة التي نريد ومن اجلها قاتلنا وضحينا, وقمنا ــ غفر الله لنا ــ بالتنازل التاريخي عن الجزء الاكبر من البلاد, وتحملنا ما لا يطاق من آلام الوجدان وازمات الضمير واشباح الشهداء. ان ما يصدر عن القيادة حول هذه (الدولة) والتي جال ياسر عرفات بلاد الدنيا قاطبة, باستثناء ايسلنده وفيجي, ليسأل الرأى في جدوى الاعلان عن قيامها أو عدمه, هو في حقيقة الامر شيء آخر, بل هو نقيض مفهوم الناس لهذه الدولة. ولكن قبل الخوض في العمق حول الدولة التي تسعى القيادة الراهنة لتبرير عدم الاعلان عنها, نريد ان نسأل اذا كان هناك ثمة سابقة في تاريخ حركات التحرير الوطنية, قام فيها قادة حركة ما باستفتاء آراء الاخرين بحقهم في تحرير اوطانهم واعلان دولهم بعد عقود من النضال واجيال من الشهداء والمعتقلين؟ ان مجرد طرح مثل هذا السؤال يعني قبول السائل في مشروعية التشكيك بحقوقه. طبعا هناك بين بلابل السلطة والانظمة العربية المؤيدة لنهجها التنازلي من يرد على هذا السؤال, وبفصحى لا تستحي, ان المسألة لم تعد مسألة اقامة الدولة أو عدم اقامتها, انما هي مسألة توقيت اعلانها لا اكثر ولا اقل, لان (حق) اقامتها اصبح في جيب ياسر عرفات. كان هذا الكلام صحيحا حتى توقيع اتفاقية اوسلو, وقبل انتقال المرجعية السياسية لقضية فلسطين من هيئة الامم المتحدة إلى معبر ارينز, يوم كانت قرارات الامم المتحدة, ابتداء من قرار التقسيم رقم ,181 وقرار العودة رقم ,144 وقرار الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف رقم ,3236 وكل ما تبع هذه القرارات وما يمكن اضافته اليها من المواثيق والاتفاقيات الدولية هي الاساس الذي ترتكز عليه قضية فلسطين. لم يبق اثر من هذا بعد اتفاقية اوسلو, التي نصت على ان لا مرجعية سياسية ولا اسس قانونية غير ما يتم الاتفاق الثنائي عليه, وهذا ما يعرفه ياسر عرفات ومن حوله, وهو لذلك لم يستغرب, هذا الاجماع الدولي الذي جوبه به اثناء جولته العالمية الاخيرة بان لا يقدم على اي خطوة تعتبر احادية الجانب, اي انها لم تحظ بعد بالموافقة الاسرائيلية, هذا ما قيل له بدءا من واشنطن وصولا إلى عواصم القارات الخمس وانتهاء بالعواصم العربية التي تبارى الناطقون باسمائها في صياغة العبر المنافقة التي تنبع من اهازيج الحق والعدل لتصب في مستنقع الواقعية والاستسلام, وذلك انتصارا للسلام, وان لم يكن من اجل السلام فمن اجل مسيرة السلام, وكأن السلام نقيض للعدالة, وان كان لابد من ضحية فالعدالة أرخص واقل شأنا. نحن من المؤمنين, من تجارب الشعوب وخبراتهم النضالية, ان العكس هو الصحيح, وان لا سلام من دون عدالة, وفي قضية فلسطين, لن تكون هناك عدالة, ان لم تقم للفلسطينيين دولتهم الحرة الكاملة السيادة وفق ما اقرت به الشرعية الدولية واعتبر المدخل ــ الاساس لعملية مدريد ونهج التسوية السياسية, ودولة فلسطينية من دون القدس, ومن دون القدرة على استيعاب مشكلة اللاجئين الرهيبة, هي دولة ساقطة من قبل ان تقوم دولة بلا مبرر وبلا دور. فالقدس العربية وحدها من بين جميع كل ما في فلسطين من اماكن هي وحدها القادرة على اقناع شعب فلسطين بقبول اي تسوية دون تحرير كامل التراب, وذلك باعتبارها الرمز المحسوس والمفعم بالمعاني التاريخية التي تعطي لفلسطين قيمتها ومكانتها وتحولها الى اكثر من مجرد (قطعة ارض) او مركز مؤقت لوجود الفلسطينيين فوق ترابها. ان (الدولة) التي في ذهن القيادة الفلسطينية والتي ــ على علاتها ــ لم تأذن امريكا بعد بالاعلان عنها فلا قدس فيها ولاعودة للاجئين. تقول المصادر الغربية ان هناك (لاءات) اسرائيلية يتفق عليها قادة اسرائيل ولن تتأثر بنتائج الانتخابات وهي لا عودة لتقييم القدس ولن تكون عاصمة الدولتين, ولكن قد يمكن تمرير (ابو ديس) كبديل لها في دولة فلسطين اذا قامت هذه الدولة. ولا لعودة اللاجئين الى اي جزء من فلسطين المغتصبة سنة 1948 وما تم احتلاله منها سنة 1967 حتى لو قامت هذه الدولة. ولارجعة عن بقاء المستوطنات التي اقيمت في الضفة والقطاع, كما لارجعة لحدود الرابع من يونيو 1967. اذن ماذا بقي وعن اية دولة سيتحدث ياسر عرفات يوم الرابع من مايو عندما سيوعز للمجلس المركزي ان يرجوه ويتمنى عليه عدم الاعلان عنها (الان) حرصا على مسيرة السلام وعملا بنصيحة (المجتمع الدولي) والعربي. ولماذا المجلس المركزي وليس المجلس الوطني, مع العلم بأن هذا المجلس لايقل طواعية عن المجلس المركزي كما اثبت من خلال رفع ايادي اعضائه على الغاء الميثاق الوطني الفلسطيني؟ الدولة التي في ذهن قادة اوسلو مع ذلك ليست وهما ولكنها حقيقة. ولكن ماهي حقيقتها؟ يقول بعض اقرب المقربين من السلطة الفلسطينية انهم يتوقعون السيناريو التالي مع مرور الزمن الذي سيتجاوز هذه السنة بانتظار اللحظة المناسبة انه سيتم الاتفاق على اعلان قيام دولة بالفعل في قطاع غزة لتبادر هذه الدولة خلال فترة محدودة ومتفق عليها باجراء مفاوضات لاتفاق معد سلفا مع الحكومة الاردنية واسرائيل والاعلان عن قيام كونفدرالية اردنية ــ فلسطينية ــ اسرائيلية وبموجب ذلك تحتفظ اسرائيل بكامل السيادة على الضفة الغربية جوا وجوفا, ويلحق سكانها بعمان امنيا وجنسية, وتتصل بالقطاع عبر ممر آمن يخضع لاسرائيل. بعد ذلك يترك للزمن ربما لعشرين سنة كما تطلب اسرائيل مصير الوجود الاسرائيلي العسكري على طول الضفة الشرقية لنهر الاردن قبل البت باستبداله بتواجد اردني ـ اسرائيلي مشترك. هذه هي معالم (الدولة) التي في اذهان قادة اوسلو واقصى مايمكن لاسرائيل ان ترضى به. والسؤال المستقبلي, هل يكون مثل هذا الحل بداية النهاية للصراع العربي ــ الاسرائيلي, أم بداية النهاية لمشروع التسوية؟ هذا هو السؤال. وبعد.. إن ما تقدم ليس سوى اجتهاد شخصي في تحليل الصورة الراهنة, وإن كان هناك سيناريوهات أخرى تتداولها بعض المحافل ولكنها لا تختلف في الجوهر, وإن كانت تختلف في بعض التفاصيل في الإخراج. وعلى كل حال فإن موعدنا مع الحقيقة قريب.. وكلنا أمل في أن يكون اجتهادنا في غير محله.