عبدالعزيز بو تفليقة .. رئيس الجمهورية الجزائرية أخي الحبيب السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته, واهنئكم على اختياركم رئيسا للجمهورية وبعد ــ ان افكارنا ومشاعرنا متعلقة بالجزائر عربيا, وافريقيا, واسلاميا ودولياً, لقد كان للجزائر دور عام في تكوين ضمير الجهاد والكفاح في الشرق, وفي تكوين ضمير التحرر في العالم, وكان للجزائر بعد استقلالها دور هام في تحديد موقف (العالم الثالث) بل في تكوين رؤية الجنوب المستضعف لنظام عالمي اعدل وافضل. لذلك ما برحت احداث الجزائر تشدنا اليها, وتؤلمنا بلا حدود انباء الاقتتال واراقة الدماء وتعثر الحوار الوطني الحقيقي, لذلك استبشرنا خيرا عندما قرر الرئيس اليمين زروال زيادة هامش الحرية وساحة الرأي الآخر والاسراع باجراء انتخابات رئاسية بدا كأن درجة التنافس فيها ستكون عالية, وان حضور الرأي الآخر سيكون الاكبر منذ 1992. ان في عوالمنا العربية الافريقية, الاسلامية والجنوبية مشاكل عديدة لكن مشكلة المشاكل هي الشرعية, اذا لم تتوافر الشرعية لن يتم استقرار, وبالتالي فلا تنمية ولا امن. الشرعية في عصرناالحالي تتوافر اذا تحققت أربعة شروط * قبول الاغلبية للحكم. * توفير درجة مرضية من اسباب المعيشة. * تحقيق الامن. * درجة جيدة من العلاقات الخارجية: الاقليمية والدولية. هناك نظم تقليدية و(ثورية) حققت درجة من الشرعية لاوطانها, ولكن في كثير من البلدان انطلقت تيارات تتطلع للشرعية التقليدية او (الثورية) فلا سبيل للترجيح الا على اساس انتخابي في ظل نظام ديمقراطي, لان القوة وحدها مهما كانت لا تحقق الشرعية. منذ بداية التسعينات قررت القيادة الجزائرية ان الشرعية الثورية لم تعد كافية, واتجهت نحو الشرعية الديمقراطية عبر الانتخابات العامة, هكذا كان قرار الرئيس الشاذلي بن جديد, ولكن خطة التحول الديمقراطي تعثرت في عام 1992م, لقد بدا لكثيرين ان العملية الديمقراطية أوشكت ان تضع السلطة في يد قوة غير ديمقراطية ترفض التعددية السياسية, وتدعي الوصاية الإلهية, وتلغي التداول السلمي للسلطة, هؤلاء تحركوا وفرضوا وصاية عسكرية تدعمهم تيارات داخلية وخارجية حركتها المخاوف الثيوقراطية. ما بين التمسك بشرعية انتخابات 1992 والواقع الجديد تاهت الشرعية في الجزائر وغاب الحوار الحقيقي وانفتح باب السجال القتالي. لقد كان الرئيس بوضياف رحمه الله يحاول ايجاد مخرج من النفق المسدود الذي دخله النظام السياسي في الجزائر, وكان انتخاب الرئيس اليمين زروال في عام 1995م خطوة في طريق الخروج من النفق المسدود, وبعد انتخابه خاطبته مشيرا إلى ضرورة ايجاد مخرج واقترحت عليه تبني الميثاق الوطني الجزائري الذي اتفقت عليه الأحزاب الجزائرية في روما أو ان يسعى لتحقيق نسخة أخرى من ذلك الميثاق, ولكن الرئيس اليمين زروال قدر ان الوقت غير مناسب لتلك الخطوة, ولعله بما أجرى من اصلاحات واقدامه على الانتخابات الرئاسية في 15 ابريل 1995م حاول ان يحقق روح الميثاق الوطني دون نصه. ان انسحاب المرشحين الستة من الانتخابات الرئاسية نكسة في الطريق الديمقراطي, لقد عبروا عن مخاوف على نزاهة الانتخابات وشفافيتها, ولا شك ان تأريخ الاختلافات حول انتخابات الجزائر يغذي تلك المخاوف, لذلك لم يكن رفض الرئيس زروال استقبالهم والاستماع إليهم أمرا مستحسنا فالمقابلة ربما بددت مخاوفهم وأثمرت اجراءات مطمئنة, أما رفضها الذي ليس له ما يبرره فقد أدى إلى ردة فعل عنيفة وانسحب المرشحون الآخرون من حلبة التنافس, ولكن هذا الاجراء لم يؤثر في برنامج الانتخابات فأجريت وخلقت واقعا جديدا فيه انت الرئيس المنتخب بتأييد سياسي وانتخابي عريض. ان هذا الموقف الجديد يمكن الدفاع عنه من الناحية القانونية بأنه هو الصحيح قانونا, ومن الناحية الرقمية بان نسبة عالية من الناخبين صوتت لصالح المرشح الوحيد (ففاز) ويعزز صحة الموقف القانوني هذا رمي الانسحاب بأنه اجراء غير قانوني. ولكن مهما كان من صحة الموقف القانوني فان الانسحاب وما تلاه من مواقف احدث شرخا في شرعية الانتخابات من أربع جهات: ـ جردها من التنافس. ـ جردها من اعتراف الآخرين بنتيجتها ــ أعلن الشك في أرقامها. قلة الاعتراف الدولي بها. لقد صارت البلاد بين أمرين: نتائج انتخابات مطعون في شرعيتها, وان ألغيت, فإن ذلك يسترد وضعا مطعونا في شرعيته أيضا. الخيار الوحيد المتاح لمنع الفوضى وتعزيز المسيرة الديمقراطية في الجزائر هو اعتبار انتخابكم خطوة في طريق بناء الشرعية الديمقراطية على أن تجري أنت كرئيس الجمهورية حوارا واسعاً هدفه الأساسي هو الاتفاق على آلية انتخابية نزيهة وشفافة تحسم صراع السلطة في البلاد وتضع اطارا متينا للشرعية, وتضع ضوابط تجعل الديمقراطية مستدامة وتمنع التحايل عليها, وتجعلك مؤسس الدولة الحديثة في الجزائر.. وغني عن الذكر ان عليكم تضميد الجراح التي خلفها النزاع حول الانتخابات الأخيرة وتوفير المناخ المناسب لحوار بناء. إن بناء الدولة الديمقراطية الحديثة في الجزائر أمر يهم الجزائر الوطن كما يهم الأمة العربية والإسلامية والقارة الافريقية. في دراسة أجراها باحثان من علماء السياسة في عام 1996 حددا أربعة معايير موضوعية للديمقراطية هي: * تحقيق التنافس السياسي. * تنظيم المشاركة السياسية. * كفالة التنافس في احتلال المناصب التنفيذية. * اخضاع القيادة التنفيذية لضوابط الالتزام بالقانون. طبق الباحثان تلك المعايير على الدول فوجدا ان الدول السبع الغنية ــ المجموعة الاقتصادية للتعاون والتنمية OECD - نالت نسبة عالية من الممارسة الديمقراطية تقع ما بين 8 و10 من 10. وان الدول الأخرى في أمريكا اللاتينية وفي شرق أوروبا وشرق آسيا وافريقيا جنوب الصحراء نالت نسبة متدنية ولكنها فيما بين الستينات والتسعينات تحسنت على النحو الآتي بالتوالي: من صفر وناقص (1) و(2) في الستينات إلى ,2 و,4 و6 من 10 في التسعينات. أما دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا فقد تراجعت من ناقص 5 من 10 في الستينات إلى ناقص 6 من 10 في التسعينات (أجريت الدراسة للبنك الدولي في عام 1996م). هذا حال منطقتنا في وقت فيه زاد تطلع الشعوب للمشاركة الديمقراطية وصارت فيه المؤسسات الدولية تقيس أداء الدول باحترامها لحقوق الإنسان وكفالة الحريات الأساسية والممارسة الديمقراطية. المتاح لك الآن ايها الاخ الرئيس هو ان تواصل حكم الجزائر كنسخة اخرى من حكم سلفكم الرئيس اليمين زروال, او ان تنطلق من موقفك الجديد لاحداث نقلة نوعية تحسم الجدل حول الشرعية وتمكنك من تأسيس الدولة الديمقراطية الحديثة في الجزائر, وتمكن الجزائر من القيام بدور رائد في التحول الديمقراطي مثلما كان لها دورها الرائد في التحرير الوطني. اننا سوف نكون اشقى الناس باتصال الازمة السياسية في الجزائر, كما سوف نكون اسعدهم بنقلة تدفع بها في مسار الديمقراطية والشرعية والقدوة الحسنة. هذا مع تحياتي وأطيب التمنيات رئيس الوزراء السوداني الأسبق