للتربية عوامل كثيرة تؤثر فيها وتتأثر بها, ولن أتطرق في هذا المقال الى واجبات التربية قبل ميلاد الأبناء, لكنني سأقف بعض الوقفات التربوية مع الآباء , هذه الوقفات أتمنى أن تنال حظها من النقاش العائلي وهذا الأمر ان تم سنصل بتربية أبنائنا إلى بر الأمان, عندما يخرج المولود من بطن أمه (لا يعلم شيئا) كما نص القرآن الكريم, يبدأ هذا المولود في استخدام الآليات التي أعطاها الله تعالى له لكي يتعلم, ومنذ صغره يتدرب هذا الطفل على التفكير, ومن ثم يتأمل أحوال المنزل أو أهواله, وتبدأ شخصيته في التكون مع نموه وتقدمه في العمر, وقد أشارت العديد من الأدبيات التربوية إلى سمات المنزل الذي يشجع على النجاح أو يتعلم الأبناء فيه طرق التفكير, وعكس هذه الصفات تؤدي الى وجود أسرة تدفع بالأبناء الى الفشل وعندها تلام هذه الأسرة قبل الطفل, ولعله من المفيد أن يطلع القارئ الكريم على مقالي الأسبق والذي كان تحت عنوان في (بيتنا لا نفكر) حيث استعرض الكاتب عوائق تعلم التفكير في المنزل, أما هذا المقال فسنتطرق خلاله الى بعض السمات التي ينبغي أن نعمل على تحقيقها في بيوتنا, حتى ننجح في تربية الأبناء على التفكير ومن ذلك: 1- الاتفاق قوة: لا شك ان الآباء قد يكونوا على خلاف في أساليبهم التربوية هذا الخلاف يعود لعوامل كثيرة أهمها الطريقة التي نشأ عليها كل زوج وتخصصه الدراسي والمهني, فكل زوج قد جاء من أسرة تختلف في أساليبها التربوية عن الأخرى وهذا يؤثر في شخصية الانسان, واختلاف التخصص الدراسي يؤثر علينا كما ان طبيعة المهنة التي نمارسها ترسم آثارا في طرقنا التربوية, هذا الاختلاف محمود بين الزوجين اذا اتفقا على طريقة تربيتهما للأبناء لأن اختلاف المنشأ يعني الابداع, ولكن المصيبة تكمن عندما يتعارض الأسلوب التربوي بين الأبويين دونما اتفاق عندها يميل الأبناء الى أحد الطرفين على حساب الآخر أو قد يهدم أحد الزوجين ما يبينه الطرف الثاني وقد أحسن العربي عندما قال: متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ومن الأمور المهمة تحت هذا العنوان كذلك أهمية وجود آلية لحل النزاعات التي تطرأ بين الزوجين فلا توجد أسره بلا مشاكل, بل من وجهة نظري الشخصية ان المشاكل هي سر من أسرار زيادة الحب بين الزوجين إذا نجحا في إيجاد طرق لحلها بعيدا عن أبصار الأطفال. 2- القوالب الجاهزة: من النقاش الذي يدور في البيت مع مقدم الطفل هو شبه من يكون؟ هل يشبه والده أم أمه مما يدفعنا الى شيء من العنصرية التي تجعلنا نعد القوالب الجاهزة لهذا المولود فالأب يريده أن يكون بسمات معينة والأم كذلك, لكن التربية تؤكد ما سبق اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) فينبغي علينا عدم تحديد قوالب جاهزة لهؤلاء الأبناء قبل أن نعرف استعداداتهم لأننا قد نكون أحد أسباب فشلهم لو طلبنا ما هو خارج قدراتهم. فلا نستعجل قطف الثمر قبل نضوجها وندفع بالابناء دفعا الى مواطن نراها خيرا لهم ولكن استعداداتهم وميولهم لا تساعدهم على النجاح فيها, ان المطلوب هو البحث عن استعدادات الطفل وميادين تميزه ومن ثم ايجاد ما يعينه على تطوير هذه الاستعدادات لتحويلها الى قدرات. 3ــ تعليمهم الحب: حب الآباء للأبناء فطري, لذلك من غير المتوقع ان يكره أحد الأبناء أبناءه الا في حدود ضيقة لكن حب الأبناء للآباء مكتسب لذلك من الممكن ان يكره الأبناء الآباء, ومن هنا كانت أول خطوات التربية المناسبة في غرس بذور الحب في أبنائنا بطرائق لا تخفى عليكم وجعل المنزل أحب بقعة لهم, عندها سيكون البيت هو المدرسة الأولى والأخيرة في تربيتهم ولن يكون الشارع أو الاعلام أو الاصدقاء, فأفضل أنواع التربية هو ما كان عن حب. 4ــ أمن وأمان: لا تكاد تعدم الحياة الأسرية من مشاكل وصراعات وهذا هو جمال الاسرة, ولكن ينبغي ان تكون للأسرة آليات واضحة لحل المشاكل وبالذات بين الزوجين كما سبق ان ذكرنا. كما ينبغي ان تكون بيوتنا أماكن آمنة ليطرح فيها الابناء كافة تساؤلاتهم وأفكارهم دونما خوف أو خجل, ليجدوا عندها الصدر الرحب الذي يسمح بالحوار والنقاش والاختلاف, فهنا تتم عملية التربية. لأن الطفل إنما يتعلم بدافع التجريب والتساؤل وهما فطريان عند كل البشر, فالطفل الذي لا يميل الى طرح الاسئلة أو العمل على التعلم بالتجريب داخل المنزل سيسعى الى اشباع هذه الامور خارجه دونما توجيه أو رعاية, لذلك كان من الواجب على الآباء والامهات الاستماع الى كافة تساؤلات الابناء, بل لابد أن نشجعهم على ذلك باعطائهم الأمان حتى عند الخطأ, فلئن يخطىء الطفل ويوجه من الأسرة خير من ان يزل خارج المنزل حيث لا توجيه. 5ــ متعة التعليم: لم يعد التعليم محصورا على آلياته القديمة المعروفة, بل ان للتربية خلال الألعاب متعة جديدة تضاف الى أساليب التربية التقليدية, فالرحلة الى البر أو البحر وسيلة للتربية والمشاركة في اختيار الألعاب والملابس للطفل وسيلة للتربية ووجود الحاسوب التعليمي في المنزل المزود بالبرامج التعليمية طريقة اخرى للتربية والمتعة. هذه الامور وغيرها خير من دفع الطفل للتعلم بالعنف أو القسوة ولكن هذه المسألة بحاجة الى نفس طويل في التربية لكي نجني ثمارها اليانعة, فالطبخ على نار هادئة خير وأزكى من الطبخ السريع. 6ــ صوت مسموع للتفكير: لكي ندرب ابناءنا على طرائق التفكير الحديثة لابد ان نفكر معهم وبينهم بصوت مسموع فتشترك الاسرة في حوار مفتوح لتخطيط برامج المستقبل وهذا يتطلب البعد عن الاساليب الدكتاتورية في اتخاذ القرارات وعندها ستجد ان عقول الاطفال فيها برامج ابداعية أكثر من عقولنا ككبار, وعندها سيتخلص المنزل من الروتين القاتل الذي جعل الناس يفرون من بيوتهم الى الاصدقاء والزملاء. ومن هنا يخطىء الآباء عندما يقررون مستقبل الاسرة فيعود الطفل على ان يفكر له الاهل في المنزل, ثم المعلم في المدرسة او الجامعة, ورئيس العمل في الوظيفة, فإذا ما كون هذا الانسان اسرته المستقلة لم يجد من يفكر له وعندها نكون نحن سبب فشل هذا الابن او البنت. ألقاه في اليم مكتوفا وقال له اياك وإياك ان تبتل بالماء 7 ــ النجاح: قد يكون مفهوم النجاح عند بعض الناس منحصراً في تفوق الابناء في المدرسة او عند حصولهم على قبول من جامعات معروفة او تمكنهم من حصد الشهادات العليا كل هذا مطلوب ولكن حياتنا كمسلمين لا تنتهي مع الموت بل ان حياة اخرى تنتظرنا فهل نخطط لكي نلتقي مع ابنائنا في الجنة عند الله؟ (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان الحقنا بهم ذريتهم) آية (21) سورة الطور, احسب ان الجواب بالموافقة, وهذا يتطلب منا تدريب الابناء على النجاح في الدنيا والآخرة فالدنيا مزرعة والآخرة ثمارها.. إذا انت لم تزرع وأبصرت حاصداً ندمت على التفريط في زمن البذر وما اجمل التربية التي تهدف الى نجاح الانسان في الدنيا والآخرة انها السعادة المطلوبة عندما يرضى الله تعالى عن العبد ويفرح بمعرفته الخلق, وهذه المسألة بحاجة منا الى تربية تسخر الدنيا وما فيها للنجاح في الآخرة.. اذا انها في مجملها امور من السهل ان نتدرب عليها كآباء لنربي ابناءنا من اجل مستقبل افضل لهم ولأوطانهم انها الامانة التي رضينا ان نحملها عند قرارنا الاول بإنجاب هذا الطفل, وهذه المسؤولية تدفعنا الى الاتفاق على اسلوب التربية الأمثل وعدم سبق الاحداث بوضع القوالب الجاهزة وان نربي اولادنا في جو من الحب والامن والامان عبر وسائط تربوية مشوقة وان نكون قدوة لهم في كل شيء من اجل النجاح في الدنيا والآخرة. وكيل كلية التربية E-Mail: K.Suwaidi@uaeu.ac.ae