ماهي العلاقة بين الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش والرئيس العراقي صدام حسين فوق كونهما عرضة لغضب عالمي ؟ قد يبدو السؤال وكأنه فرض على الواقع السياسي فرضا, او هو دوران حول مسألة مجردة اكثر منها واقعا معيشا! ولكن مهلا, وبصرف النظر عما ينشر حول المحادثات العراقية اليوغسلافية للتنسيق فيما بين الدولتين لمواجهة (الاعتداء) على (دولة مستقلة!) او ما يقال حول خلق حلف من اجل هذه المواجهة وتبادل للمعلومات, فإن العلاقة التي اريد ان اعرضها هي محاولة الاجابة عن سؤالين يتكاملان معا, هما: هل اسقاط او خضوع الدكتاتور في يوغسلافيا يتبعه اسقاط وخضوع الدكتاتور في بغداد؟ اما السؤال الثاني فهو: هل يسقط او يخضع الدكتاتور اليوغسلافي اصلا؟ قبل الدخول في تفاصيل, الاجابة عن هذين السؤالين المحوريين فإن المتابع يرى ان هناك تشابها في شخصيتي دكتاتور بغداد والدكتاتور الصربي يكاد يكون مذهلا, فالتاريخ الشخصي المضطرب للاثنين يتطابق كما يظهر في الوثائق المنشورة, فالاثنان عاشا طفولة غامضة ومضطربة, تكفي الاشارة الى انتحار كل من والد ووالدة الدكتاتور الصربي كل لاسباب مختلفة, وهو وضع يخلق طفولة متشابهة لتلك التي عاشها الدكتاتور العراقي والتي ليست في حاجة لذكر التفاصيل. الاثنان لم يمارسا عملا قبل وصولهما الى السلطة وتربيا في حزب حديدي, كما ان الاثنين لايملكان مستقبلا يدافعان عنه ويتشاركان في ماض مثير للشبه. ميلوسيفيتش خاض حربا قبل هذه الحرب الاخيرة في كوسوفو مساعدا الصرب في البوسنة وقام بشكل غير مباشر بتصفيات عرقية هناك, واستفاد من هذه الحرب لتثبيت نفسه ونظامه في الحكم, كما حدث بالضبط لصدام حسين عند خوضه حربا في ايران صفى خلالها كل خصومه, واستفاد ميلوسيفيتش من حرب البوسنة كي يصبح القائد المطلق لطموحات الصرب في اقامة دولة مسيطرة على كل القوميات الصغيرة المنتشرة في يوغسلافيا القديمة. كلاهما ميلوسيفيتش وصدام حسين يذكرانك بالثعلب الذي اراد دخول حظيرة الدجاج من كوة صغيرة وعندما دخل وشبع لم يستطع الخروج لان الكوة صغيرة لاتتيح له الخروج منها وهو ممتلىء, فعليه ان يبقى هناك حتى يعود الى حجمه الاول. الفرق بين الثعلب في القصة التراثية وبين الدكتاتورين ان الاول فقط يجوع ويعود الى حجمه الطبيعي ليخرج من الازمة, اما ميلوسيفيتش وصدام حسين فعليهما ان يدفعا الثمن كاملا لان المطروح هنا ليس دجاجا وانما ارواح بشرية بريئة تم تصفيتها بالآلاف وهما لايزالان سادرين في غيهما الدموي. ليس مهما ما ينشر عن (خلافات) بين الحلفاء الغربيين في الدخول او عدم الدخول الى كوسوفو برا واجبار الثعلب الكبير على اخراج كل ما في معدته الشرهة, ولكن المهم ان الحرب ضد الدكتاتورية في وسط اوروبا هي مقدمة لحرب على كل الدكتاتوريين منتهكي حقوق الانسان الاساسية, وكل ماينشر عن الخلافات هو في التفاصيل وليس في المبدأ. الرأي العام الدولي مصمم على استئصال الظواهر التي بدأت من دول متوسطة تريد ان تستحوذ على بلاد اخرى او تقمع بعض الاقليات فيها بالقوة, ولاتترك بصيص امل لقبول التعددية واعمال المبادىء الديمقراطية حتى في حدها الادنى. وهنا تتساوى الحملة على دكتاتور الصرب مثلها على دكتاتور بغداد, فقد تسامح المجتمع العالمي حتى اليوم مع الحملة العسكرية الغربية ضد يوغسلافيا متفهما اهداف الحملة الانسانية بعيدة المدى, كما قام حلف الاطلسي باستخدام قواته الضخمة لردع ما يقوم به الصرب في كوسوفو مصممين على عودة المهجرين من ألبان كوسوفو الى بلادهم واحترام رغبتهم في تشكيل ما يعتقدون انه يحقق لهم حرياتهم في منطقتهم الجغرافية, وحتى اليوم فإن بلادا كثيرة في بقاع العالم المختلفة تتفهم دوافع هذه الحملة العسكرية والجوية وتقف مؤيدة لها مباشرة او غير مباشرة. من تحصيل الحاصل ان الصرب في نهاية المطاف سوف يخضعون للشروط الدولية في قبول التعايش بين كل الفئات التي تعيش في أوروبا اليوم, كما ان عصر التعصب العرقي والديني قد مضى زمانه كما هو التعصب القومي الاعمى, وسيطارد سلوبودان ميلوسيفيتش كمجرم حرب ادت افعاله الى كل هذه المجازر الكريهة والتطهير العرقي والى تعريض امن اوروبا للاضطراب. في هذه الحالة فان النموذج الاخر القابع في بغداد لن يكون له مستقبل كما كان له ماض, فسقوط ميلوسيفيتش يكاد يكون مقدمة منطقية لسقوط صدام حسين. دروس هذا السقوط مهمة, فقد تسلح بعض الكتاب بمقولة ان مطاردة صدام حسين دوليا هي مطاردة (للعنصر) العربي, او ان العقوبات التي فرضت عليه هي عقوبات على (المسلمين) كل هذه التقولات وامثالها قد ثبت بالقطع خطؤها الجسيم, كما ثبت خطأ التحليل المتهافت بأن التدخل في الخليج هو تدخل من اجل السيطرة على (مصادر النفط)! حقيقة الامر ان العالم ونحن على مشارف افول القرن العشرين يعيد تنظيم نفسه على اسس جديدة, اسس تستند على اهمية حقوق الانسان واحترام التعددية, فهو عالم جديد ليس لسلطة الفرد المطلقة مكان فيه, كما انه ليس للفكر الواحد او الرأي الواحد مكان فيه ايضا. والسلطة المطلقة ــ كأي سلطة مطلقة, كما علمنا التاريخ ــ تجد نفسها محكومة بشروط آلية عملها الخاص بها وهي اشاعة التعصب وتنتج في نهاية المطاف دكتاتورا محكوما بشروط الثعلبية التي هي اداته ومأزقه في نهاية المطاف. لذلك فاني ارى ان سقوط ميلوسيفيتش ومحاصرته هي عملية قادمة ونجاحها مضمون وهي بالتأكيد مقدمة لمحاصرة صدام حسين وسقوط سلطته. ويبدو من تطور الاحداث ومحاولة ميلوسيفيتش للتراجع النسبي كما اظهرت وساطة تشيرنوميردين الاخيرة ان حلف الاطلسي مصمم على اقتلاع ميلوسيفيتش من الخارطة الاوروبية مهما حاول المناورة, اذ يقول الناطق باسم الحلف (اننا سوف نتابع حزب ميلوسيفيتش مهما اخذ ذلك من وقت ومهما احتاج ذلك من القوة, فليس هناك في اوروبا وهي تطل على القرن الواحد والعشرين مكان لمثل سياسات سلوبودان ميلوسيفيتش) . مثل هذه التصريحات ليست وقفا على الناطقين باسم الناتو, اذ يرددها زعماء كبار مثل رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا. حلف الاطلسي لايستطيع ان يخسر هذه المعركة وهو بحساباته تلك سوف يخسر نفوذه والنفوذ الغربي في العالم, ومن هنا فإن احتمالات الاستمرار في الحرب حتى الحسم هو الطريق الوحيد المفتوح امام حلف الاطلسي, وهو حسم سيقطع الطريق على تكتيكات كل الثعالب الشرهة في آخر معاقل النظم الاستبدادية بهذا العالم الذي يريد ان يولد جديدا, وتريده الشعوب كذلك, خاصة تلك التي اكتوت وتكتوي بنيران امثال ميلوسيفيتش وصدام حسين ومن لف لفهما, من قريب, او من بعيد.