استطاعت مؤسسة المعهد العربي الامريكي ان تلقي الضوء على اسهاماتها المتميزة في الحياة الامريكية , عندما قدمت مؤخرا وللمرة الاولى جوائز جبران خليل جبران للنشاط الانساني. ومن المقرر ان تمنح هذه الجوائز سنويا للافراد والمؤسسات التي تعمل من اجل التسامح والتعايش المشترك. وحسب ما تقوله مؤسسة المعهد العربي الامريكي فإن الجوائز (تهدف للدفاع عن التنوع الحضاري ودعم التفاعل الثقافي والبرامج التي تتبنى القيم الديمقراطية والانسانية من دون التقيد بالحواجز الدينية والطائفية والعرقية. واطلق على هذه الجوائز اسم جبران خليل جبران, وهو كاتب عربي الأصل, يعرف في طول الولايات المتحدة وعرضها كشاعر ومفكر انساني, افتخر بموروثه العربي, وعمل على نشر التسامح, وكرس المحاولات الانسانية لتحسين العلاقات الاجتماعية وترسيخ قيمة الفرد. وبتقديمهم لهذه الجوائز, فإن الامريكيين من اصل عربي لا يعترفون فقط باسهامات من تمنح لهم هذه الجوائز, بل انهم ايضا يعبرون عن النضج الذي وصل اليه الامريكيون من اصل عربي واكتساب هذه المؤسسة لموقع يؤهلها لمنح مثل هذه الجوائز كما انهم قد ارسلوا بذلك رسالة توضح معالم امريكا والعالم الذين يريدون المشاركة في صياغته من الآن فصاعداً. وتعتبر قائمة هذا العام من حملة جوائز جبران خليل جبران مجموعة رائعة حقا, حيث نجد على قمة هذه القائمة السناتور السابق جورج ميتشيل, اعترافا بجهوده التي بذلها لحل الصراع الدائر في ايرلندا الشمالية. خصوصا وان ميتشيل الذي ينحدر من ابوين احدهما لبناني والآخر ايرلندي, قد اعتاد على الفخر والاعتزاز بكلا سلفيه. كما انه عمل كعضو في مجلس الشيوخ لاربعة عشر عاما, وظل زعيما للاغلبية في المجلس لستة اعوام. وحصلت شركة فورد للسيارات على جائزة جبران خليل جبران المخصصة للالتزام بالعمل الجماعي اذ ان لها سجلا ناصعا فيما يتعلق بدعم الفنون والبرامج التعليمية والنشاطات المدنية الهادفة لمساعدة الشباب, اضافة لبرامجها الاجتماعية التي حرصت على تحطيم الحواجز الثقافية في المجتمع الامريكي. وامتد دعمها ليطال المؤسسات الامريكية العربية في ديترويت بأسرها بما في ذلك الدعم المالي السنوي للمهرجان العربي هناك ومكتبة الشباب والمركز الاجتماعي العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية في دير بورن. وقد تسلم الجائزة نيابة عن فورد رئيسها جاك ناصر, وهو من اصل عربي ايضا. ومن بين الحاصلين على جوائز جبران هذا العام هناك فوريكو مايور, المدير العام لليونسكو, والذي حصل على الجائزة المخصصة للانجازات العالمية بالاضافة الى المركز الوطني لمشروع الجوار, وهي حركة ريفية امريكية مكرسة لحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها العائلات الفقيرة. وهناك ايضا منظمة (ياوكا) وهي منظمة وطنية, لها سجل حافل يتسم بالشجاعة في تحدي المظالم الاجتماعية والتمييز العنصري. والجميل في جوائز هذا العام ان الشخصيات التي قدمت الجوائز نيابة عن مؤسسة المعهد الامريكي العربي لا تقل في تاريخها ومكانتها الاجتماعية عن الذين نالوا هذه الجوائز. فقد مثلت دونا شلالة وزيرة الصحة والخدمات الانسانية الامريكية ادارة الرئيس الامريكي بيل كلينتون بتقديم جائزة جورج ميتشيل. ودونا شلالة تحتل الآن اعلى منصب بين الامريكيين من اصل عربي في الادارة الحالية. اما الشخصيتان الاخريان ممن شاركوا في تقديم الجوائز فكانتا قادة عالم الصناعة وهما ريتشارد عبده, الرئيس والمدير العام التنفيذي لشركة ويسكونسن للطاقة, ويوسف غفاري الرئيس والمدير العام التنفيذي لشركة غفاري وشركاه, وهي احدى اكبر شركات الهندسة المعمارية في الولايات المتحدة. ومن بين من قدموا الجوائز ايضا نذكر ديانا رحمة,و التي تقدم احد البرامج في اكثر المحطات الاذاعية شعبية في الولايات المتحدة وهي الاذاعة الشعبية الوطنية (ان بي آر) الي جانب هيلين توماس, عميدة الصحافيين في البيت الابيض الامريكي. كما حضرت حفل توزيع الجوائز مجموعة من الشخصيات المعروفة في الولايات المتحدة وهم: ادوارد جابرييل السفير الامريكي لدى المغرب والسناتور سبنسر ابراهام ونك جو رحال عضو الكونجرس وراي لحود وجون سنونو وكلهم من الامريكيين ذوي الاصل العربي. واكتب عن هذه المناسبة لانني اعي اهمية ان تعرف الدول العربية مدى التقدم الذي حققه الامريكيون من اصل عربي في كل ميادين الحياة الامريكية, خصوصا انني عدت مؤخرا من زيارة قمت بها للشرق الاوسط, وصدمت بضحالة معلومات اصدقائي العرب هناك عن الامريكيين من اصل عربي. وكنت قد اخذت معي في تلك الزيارة احد اصدارات مؤسسة المعهد الامريكي العربي وعنوانه: (الامريكيون من اصل عربي يقودون التغيير) , ويتحدث ذلك الكتاب عن اكثر من مائة شخصية امريكية عربية الاصل لها مكانتها في الولايات المتحدة, وتلعب دورا مؤثرا في الحكومة ووسائل الاعلام والرياضة والترفيه والصناعة والطب وحتى في تصميم الازياء. ومع ذلك فان الامريكيين من اصل عربي غير معروفين في الدول العربية, والتي تجهل كل ما حققوه في الولايات المتحدة. على كل حال فنحن الامريكيين من اصل عربي مسؤولون في احد الجوانب عن هذا الوضع فلسنوات طويلة جدا كنا مشغولين بمشكلاتنا الذاتية فقط, لكن ذلك يظل مبررا, خصوصا واننا عانينا طويلا من التمييز والصورة النمطية السلبية التي الصقت بنا جورا, وكان من حقنا ان نتصدى لهذه المشكلات الصعبة حقا. لكن الذي حصل من جراء ذلك هو اننا اوجدنا صورة لانفسنا, مفادها ان الامريكيين من اصل عربي اقلية تعاني التمييز العنصري, لكن الحقيقة هي ان الامريكيين من اصل عربي يشكلون قصة نجاح امريكية متميزة. والآن,وبمنح جوائز جبران خليل جبران, فان الامريكيين من اصل عربي قد حققوا انجازا آخر, لان ذلك سيؤدي الى توصيف الامريكيين العرب بانجازاتهم وبقيمهم وبرؤيتهم للمستقبل ونحن الامريكيين من اصل عربي وكما قلت في كلمتي في ختام الحفل موجها كلامي للشخصيات التي حضرته, مجتمع يمكن ان نعرف بـ: (عائلاتنا المتماسكة ونجاحنا المتميز في اعمالنا وانجازاتنا التعليمية وايماننا واحترامنا للتنوع) . لاتزال امامنا مشكلات بالتأكيد, لكننا اوجدنا مؤسسات ومنظمات ولدينا الارادة لنساعد انفسنا في التغلب على هذه المشكلات. واذكر ان جبران في مقالة من كتاباته المبكرة كتب تحت عنوان (رسالة مفتوحة لشاب امريكي سوري) , وظهرت تلك المقالة في العدد الاول من مطبوعة (العالم السوري) عام 1926, وفي هذه الرسالة يحث جبران الامريكيين السوريين على (المساهمة في هذه الحضارة الجديدة) , ويعبر جبران عما يعنيه ان تكون مواطنا طيبا في المقتطفات التالية من رسالته تلك: (ذلك يعني ان تقف امام ابراج نيويورك وواشنطن وشيكاغو وسان فرانسسكو وتقول في قلبك: انا ابن من بني دمشق وبعلبك وصور وصيدا وانطاكية, وأنا هنا لاشارككم البناء وبارادتي ان ذلك يتطلب منك ان تفخر بأنك امريكي, وان تفخر ايضا بان والديك قدما من ارض انزل الله فيها رسالاته وانبياءه. ويكفي ان ننظر الى مقدمي ومتلقي جوائز خليل جبران لهذا العام ولانجازات ملايين الامريكيين من اصل عربي الذين كانت لهم المساهمة الفاعلة في كل اوجه الحياة الامريكية, حتى نتيقن من ان الامريكيين من اصل عربي وعلى الرغم من كل الصعاب قد استقبلوا نصيحة جبران احسن استقبال. رئيس المعهد العربي الأمريكي