في الخارطة السياسية والنضالية, وعلى امتداد بلادنا العربية المشرقية, كان المخطط قد اطل برأسه واعلن عن نفسه على امتداد عشريات طويلة من سنوات قرننا هذا, الذي يرحل به وما عليه الى الالفية الثالثة . ان المطلوب من شعب فلسطين النضال بسقف معين دون ان تكون له شخصية متبلورة على ارضه وترابه الوطني على غرار باقي الشعوب العربية, فعلى ابناء الشعب الفلسطيني ان يكونوا جنودا مجهولين في خدمة خارطة, لا مكان فيها للشعب الفلسطيني, وكما كان يتردد في العشرينات حتى يومنا هذا في الشرق الاوسط, هذه بلاد الشام, وسيكون بها اربع دول لخمسة شعوب, الشعب الفلسطيني هو الشعب الفائض لا مكان له في الاستقلال, وعليه ان يندمج بالخارطة الديمغرافية والجغرافية للدول الاربع, دون ان يكون له حضور وشخصية وطنية مستقلة قائمة بذاتها, وعليه جرجرت مجموع الحالة الفلسطينية من مطلع القرن حتى عام 1948 ليتم تنفيذ هذا المشروع باقتسام الوطن بين هذه الخارطة الاقليمية (اسرائيل, الاردن, سوريا, مصر وقطاع غزة) والشعب الفلسطيني خارج اطار الحضور الوطني القائم بذاته المستقل, وعليه ان يندمج في هذا التركيب الذي اعطته نكبة 1948 الوطنية والقومية الكبرى. العملية التواطنية كان من الممكن ان يكون هذا عام 1948 لكنه لم يقع. لماذا؟ لان العملية التواطئية كانت بين المشروع الاسرائيلي الصهيوني, وبين الانتداب البريطاني, والانظمة العربية الاقطاعية الموالية والمتحالفة, ان لم نقل المرتهنة للانتداب البريطاني, وعندما دخلت الجيوش العربية فلسطين, قاتلت في اطار حدود قرار التقسيم اي القرار (181) بل وتخلت عن الكثير مما هو وارد في قرار التقسيم (181) بدون قتال, مثل اللد والرملة على سبيل المثال وضمن مشروع مسبق مخطط له, تقوم الدولة العبرية على ما تقوم عليه, وما يتبقى من التراب الوطني الفلسطيني يلحق هنا وهناك. تجاهلونا منذ عام 1948 الى عام 1967, كل الشعب الفلسطيني عومل باعتباره ملاحق بالاقطار الاربعة, وكل الشعب الفلسطيني عومل باعتباره فقط لاجئين, فهذا ما وقع بقرار مجلس الامن رقم (242) في نوفمبر 1967 هذا القرار يأتي على ذكر اللاجئين بلغة ملتبسة, يمكن ان تعني ايضا اليهود ممن غادروا البلدان العربية باتجاه المشروع الاسرائيلي التوسعي الصهيوني, اذ يمكن اعتبارهم هم ايضا لاجئين وايضا صدر القرار (338) دون ذكر للشعب الفلسطيني, لان الخطة المعمول بها, والتي قدمت نفسها بالملموس عام 1948 هي ضم اغلبية التراب الوطني للدولة العبرية, اما الشعب الفلسطيني فعليه ان يندمج, من هو داخل الدولة العبرية يتأسرل, ومن هو داخل المملكة الاردنية يتأردن, ومن هو داخل قطاع غزة يتمصر ومن هم في بلدان اللجوء والشتات يندمجون, اما حيث هم او فى بلدان اخرى, لذلك قلنا منذ ذلك الوقت لا للقرار (242) و (338) فقط وبدون الربط المتكامل مع مجمل قرارات الشرعية الدولية, لانهما وحدهما لا يلبيان حقوقنا الوطنية, ويتعاطيان معها على انها قضية لاجئين, ولذلك اذا كنا نناضل من اجل تنفيذ هذين القرارين فعلى قاعدة الجلاء الاسرائيلي عن جميع الاراضي المحتلة في عدوان يونيو 1967 ونناضل في الوقت نفسه من اجل حقوقنا الوطنية وبرزمة موحدة لقرارات الشرعية الدولية. الزلزال وطالما ان النضال لا يقوم على برنامج ملموس فلا مشكلة في المنطقة مع الدول العربية, المشكلة تبقى مع الدولة العبرية وحماتها الامبرياليين وما وراء الاطلسي, لانهم في الدول العربية يريدوننا مثل جنود الامام البدر, نقاتل في خدمة الامام البدر, الامام الاقطاعي الكهنوتي, ومع ذلك قاتل ابناء شعب اليمن في صفوف الامام البدر واستشهدوا دفاعا عن الاقطاعي الكهنوتي, الذي دفع باليمن الى العصور الوسطى حتى عام 1962, قدموا نصف مليون مقاتل استشهدوا دفاعا عن الامامة الاقطاعية. يريدوننا هكذا ولذا تجاهلونا ايضا بالقرار (242) و(338) الى ان تقدمنا ولنا الفخر بذلك ببرنامجنا الوطني, بدءا من اللحظة التي توقف فيها القتال في سبتمبر الاسود الشهير, حيث قلنا انه علينا ان نبلور نضالنا نحو برنامج ملموس للشعب الفلسطيني, يعطيه شخصيته وكيانيته الوطنية, حاله حال كل شعب من الشعوب العربية في هذه المنطقة ومن هنا انطلقت النواة الاولى باتجاه حق تقرير المصير, باتجاه دولة فلسطينية ومستقلة, باتجاه تقرير المصير وباتجاه العودة, وهذه العملية اعتملت في صفوفنا ثلاث سنوات كاملة, الى ان تبلورت في البرنامج الوطني المرحلي, حيث مثل هذا البرنامج زلزالا في الحالة الفلسطينية والعربية والدولية, قوبل بسلسلة من المعارك الايديولوجية والسياسية والجماهيرية والدامية, دفع ابناء الجبهة الديمقراطية من دمائهم على ارض هذا البرنامج, سقطوا في صيدا وفي بيروت على يد فصائل فلسطينية, وتحت رايات النضال من اجل الصيرورة الكيانية الفلسطينية, من اجل حق شعبنا بان يكون شعبا على ترابه الوطني حقه في تقرير مصيره بنفسه على ترابه الوطني. لنطلق عهد جنود الامام البدر, وننتقل الى عهد الثورة وجنود الثورة, في سبيل الشعب والوطن, وحق الشعب والوطن بتقرير المصير وبناء دولة مستقلة, ولذا مر عام كامل ونحن نخوض صراعا لم يتوقف بين صفوف الجماهير, لم نرفع سلاحا ابدا في وجه اي فلسطيني من اي اتجاه كان, لنا الشرف الرفيع في هذا على امتداد ثلاثين عاما, جوبهنا بالسلاح فدافعنا عن انفسنا عاما كاملا الى ان حسم ابطال عملية (ترشيحا ــ معالوت) الاستشهادية البرنامج الوطني المرحلي بالشهادة على ارض الوطن, على ارض فلسطين, وحصدوا ثلاثة واربعين قتيلا اسرائيليا من الشبيبة العسكرية الاسرائيلية (الجدناع) واستشهدوا ليزرعوا اعلام البرنامج الوطني المرحلي على ارض فلسطين فنحن ابناء فلسطين من بحرها الى نهرها. قرار وطني بالاجماع في العام 1974 وقف المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد انذاك بالقاهرة تحية الى رسالة شهداء عملية ترشيحا الاستشهادية, الابطال الثلاثة والذين ناشدوا المجلس الوطني ان يحسم في يونيو 1974 البرنامج الوطني, وينحاز لبرنامج حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والدولة المستقلة والعودة الى ارض الاباء والاجداد, وفعلا اتخذ المجلس الوطني قراره بالاجماع, ما عدا شخصين عارضا هذا القرار هما: الشاعر يوسف الخطيب والاخ ناجي علوش, شفاه الله, وجميع الفصائل صادقت على البرنامج الوطني المرحلي, وما ان انتهينا من المجلس الوطني الفلسطيني المرحلي حتى تحركت المحاور الاقليمية العربية, لانه بات بيد الشعب الفلسطيني برنامجا ملموسا للنضال فوقع الانقسام, ومنذ ذلك الوقت حتى الان تتوالى الانقسامات بأشكال متعددة في الصراع بين المحاور الاقليمية العربية حيث المطلوب ألا يكون للشعب الفلسطيني وحده وطنية والا تكون له مؤسسات وطنية موحدة ائتلافية والا يكون له برنامج ملموس, وبعد ايام على انتهاء اعمال المجلس الوطني الفلسطيني واقراره البرنامج الوطني من الجميع في ذلك الوقت, تم تشكيل جبهة الرفض بزعامة بلدين عربيين في ذلك الوقت, وبقيت جبهة الرفض ذات طبيعة انقسامية تقول ما يقولون الآن: (ان البرنامج المرحلي استسلام وانهزام وأصل البلاء وأصل المشكل) , لكن نقول بالمقابل بدون البرنامج المرحلي لكانت الثورة الفلسطينية قد انتهت عام 1974. فبعد حرب اكتوبر 1973, حصل اتفاق على الذهاب الى مؤتمر جنيف واتفاق على جدول حلول معلنة غير مستورة, باطار القرارين (242) و(338), بينما تمر الثورة الفلسطينية بعنق زجاجة وهي في حالة اختناق, ولايعترف احد باننا نمثل الشعب الفلسطيني, ولا تعترف الدول العربية بأن منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, لا احد يعترف بحقنا ان نكون شعبا, وبالتالي لنا الحق في تقرير المصير والدولة المستقلة. العالم ادار ظهره لنا, لاننا لم نكن نملك برنامجا ملموسا, بل كنا نملك شعارات عامة, (فدائيون من اجل فلسطين) , اي جنود الامام البدر, وفي 1974 خرجنا من عنق الزجاجة, فأقرت قمة الرباط العربية بعد اشهر في نوفمبر البرنامج الوطني ليصبح برنامجا عربيا اقرت ذلك وللمرة الاولى في تاريخ البلاد العربية بعد 1974 من نضال الشعب الفلسطيني, اقرت بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ونقصد المنظمة الائتلافية وليست منظمة التحرير التي تختزل (بفتح) او (الجبهة الديمقراطية) او اي فصيل, او السلطة الفلسطينية التي تمثل جزءا من الحركة الفلسطينية على جزء من الشعب على جزء من الارض. منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية, التي تمثل كل الفصائل والقوى والشخصيات الوطنية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, الى ان يتاح لنا اجراء عملية انتخابية من القاعدة الى القمة. انفتاح العالم وبعدها تم التقاطع مع الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية والحركة الثورية العالمية, فالاتحاد السوفييتي والحركة الثورية والبلدان الاشتراكية, لم يكونوا يتعاطون مع الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها تمثل الشعب الفلسطيني, لانها لم تكن تملك برنامجا ملموسا هي تتكلم عن شعارات, وكنا جميعا نصنف اننا من اصحاب الشعارات المغامرة المقامرة التي لاتوصل الى شيء. البرنامج الوطني المرحلي الملموس هو الذي فتح ابواب العالم, وبالعمل المتحد بين منظمة التحرير والاقطار العربية, على ضوء قرار قمة الرباط والانفتاح السوفييتي. وعلى يد هذه القوى مجتمعة وقوى عدم الانحياز عبرنا الاطلسي نحو الامم المتحدة: منظمة التحرير الفلسطينية ممثل وحيد للشعب الفلسطيني وصدرت القرارات تباعا, بأن هذه اراض فلسطينية محتلة لاول مرة تم الاعتراف بذلك بالقرارات (608/607/605) وبأن للشعب الفلسطيني الحق في تقرير المصير وبدولة مستقلة وبان للاجئين الحق بالعودة تنفيذا لقرارات الامم المتحدة فقرارات الامم المتحدة هي احد جوازي مرور واعلان ولادة الدولة العبرية, القرار الاول (181) الذي يقول بحق الشعب الفلسطيني بدولة عربية فلسطينية بجوار الدولة العبرية, والقرار الثاني (194) يعترف بحق اللاجئين في العودة. لذلك, يعتقد فرسان تسوية اوسلو الهزيلة انه يمكن للامور ان تمر بسلاسة بعيدا عن الزلازل والهزات, مع الاسف فان التاريخ من فيتنام الى جنوب افريقيا وكذلك تاريخ شعبنا, يعلمنا ان الامور لا تمر بهذه السلاسة, بل بالنضال الجاد المسؤول, وهو وحده يعطي للبندقية عقلا واقعيا, ويعطي للبندقية برنامجا سياسيا ملموسا لا تجعلنا نبقى جنودا للامام البدر, وطالما نحن جنود الامام البدر فسنبقى مغارة, كهفا, له اول وليس له اخر. * الامين العام للجبهة الديمقراطية