اسعفيني.. يادموع العين!بقلم- صلاح عيسى

يذكرني بعض ما اقرأه من مقالات, وما اسمعه من مناظرات, وما اشترك فيه احيانا من ندوات عربية, حول حكاية (العولمة) , بذلك الحوار الطريف الذي دار بين السيد (احمد عبدالجواد) ــ بطل ثلاثية (نجيب محفوظ) ــ وبين اصغر ابنائه كمال . فقد كان الاب يتوهم ان الابن, ما يكاد ينتهي من دراسته الثانوية ويحصل على البكالوريا, حتى يهرع الى الالتحاق بكلية الحقوق, وكانت آنذاك على رأس كليات القمة, او يلتحق على الاقل بكلية الشرطة, او الكلية الحربية, ليكون محاميا ثم قضايا,أو طابطا ثم جنرالا, ثم يصبح ــ في الحالتين ــ وزيرا, فاذا به يترك كل هذه الكليات, التي تؤهله لان يكون ذا مكانة وقيمة ونفوذ ملحوظ في المجتمع ويصر على ان يدخل (مدرسة المعلمين العليا) , لكي يتخرج منها معلما بائسا.. ويبرر ذلك بسلسلة من الخزعبلات من نوع انه لايريد ان يكون معلما بالذات, ولكنه يريد ان يدرس تاريخ الانسان واصل الحياة ومآلها, وان يتعرف فيها على (ثقافة الفكر) ! ولما كان السيد (احمد عبدالجواد) رجلا عمليا وواقعيا, فإنه لم يفهم من تلك الخزعبلات, الا ان ابنه شخصية حالمة, وانه حائر في تحديد مستقبله, وعاجز عن اختيار طريقه, ولانه ابن حظ, فإن عبارة (ثقافة الفكر) لم تستدع الى ذهنه الا صورة (زبيده العالمة) وهي تضرب على العود, والا صوتها وهي تردد من اغنية (عبده الحامولي) المقطع الذي يقول: الفكرتاه مني اسعفيني يادموع العين!. والظاهر ان حيرة (كمال عبدالجواد) وكانت في حينها, جزءا من حيرة الامة العربية, وان حيرة الامة العربية هذه الايام, هي تنويع آخر على حيرته, او هذا هو الانطباع الذي اخرج به, كلما قرأت مقالا, او تابعت مناظرة او اشتركت في ندوة عن هذا الذي يسمونه (العولمة) ! ما يلفت النظر بقوة, هو ان سمعة العولمة, قد ساءت لدى العرب, بمجرد نزول المصطلح الى الاسواق, حتى اصبحت اكثر سوءا من سمعة (زبيدة العالمة) فهي قرينة للهيمنة الامريكية, ولفرض الحصار ولتدخل الكبار في شؤون الصغار ولضياع الاستقلال القومي ولذوبان الشخصية الوطنية, ولتوحيد السوق العالمية في اطار تقسيم وظيفي يركز الانتاج في الدول الكبرى والمتقدمة ويركز الاستهلاك في الدول الصغيرة والنامية ولتحول الشرعية الدولية الى شرعية امريكية, تكيل بمكيالين, وتطفف في الميزان, لتثقل كفة اسرائيل, وتخف كفتنا. ذلك كلام يكاد يكون القاسم المشترك الاعظم, بين التيارات الرئيسية للفكر العربي من القوميين الى الاسلاميين, ومن الماركسيين الى الذين يحكمون, فالجميع يلطمون الخدود محذرين من زحف العولمة, التي لن تبقي للوطن العربي استقلالا, او ثقافة او خلقا او دينا, داعين الى رفض العولمة, ومقاطعتها, وتشكيل جبهة عالمية, تتصدى لمخاطرها تجمع بين كل المتضررين من نتائجها من دول الجنوب الفقيرة, او المتخلفة! وما يفوت على هؤلاء, ان البشرية تسعى منذ طفولتها الى هذه العولمة, وان الانسان منذ دب على الارض, وهو يبحث عن وسائل تمكنه من الاتصال بالآخرين, وكلما تقدمت هذه الوسائل, من اختراع اللغة الى ابتكار الكتابة, ومن استخدام الدواب في الانتقال الى اختراع الطائرة, ومن الاعتماد على الحمام الزاجل في التراسل الى الكشوف الجغرافية والبريد الالكتروني, كلما اتسعت التشكيلات الاجتماعية التي تضمه مع هؤلاء الاخرين, من العشيرة الى القبيلة, ومن القرية الى الدولة, ومن الوطن الى الاقليم, بل ان الاديان السماوية الثلاثة كانت تتوجه بخطابها للعالم ويسعى كل منها لتوحيد البشرية حول خطابه, والتيارات الفكرية الرئيسية في تاريخ الانسانية, جاءت لتبشر بهذه العولمة من (جمهورية افلاطون) الى (يوتوبيا توماس مور) , ومن (الليبرالية) الى (الماركسية) , ومن (الطريق الثالث) الى النظرية العالمية الثالثة (للعقيد معمر القذافي) ! وفضلا عن ذلك, فان احدا لايستطيع ان يرفض هذه (العولمة) الزاحفة لكي تفرض نفسها على القرن القادم, فهي واقع مادي قاهر, صنعته ثورة الاتصالات التي الغت المسافات بين الدول, ووحدت سوق الانتاج, وخلقت مئات الالاف من الشركات العابرة للقارات, التي ستقتلع عمليا علامات الحدود, وتلغي المناطق والرسوم الجمركية, لتفتح الباب امام تدفق السلع والخدمات, بينما لم تعد الافكار وانماط السلوك في حاجة الى تأشيرة دخول لصعوبة اقامة مكاتب رقابة في طبقات الجو العليا. والذين يتخوفون من العولمة, لديهم مبررات مشروعة لهذا التخوف, فالتجربة العربية مع الغرب, لاتخلو من ذكريات سوداء, بل لعلها لاتحتفظ الا بهذه الذكريات السوداء, والعولمة تزحف في ظروف يختل فيها التوازن, ليس فقط بين الكبار الذين اصبحوا متقدمين جدا, والصغار الذين اصبحوا متخلفين جدا, بل يهبط فيها التناقض بين الكبار الى ادنى مستوياته, بعد انهيار القطب الآخر في المعادلة الدولية ـ الذي لولا زحف بعض مظاهر العولمة, لما انكشفت عيوبه فانهار, ولولا انهياره ما زحفت العولمة بهذا الايقاع السريع ـ وهو اختلال في التوازن يطلق يد الاقوياء في فرض هيمنتهم على الضعفاء, ويدفعهم الى جموح لا يتعففون معه عن فرض العقوبات الظالمة, وعن التدخل المسلح في شؤون الآخرين, وعن اتخاذ اراضيهم وشعوبهم ميادين لتجربة الاسلحة الجديدة! وهذا كلام معقول جدا.. ولكنه لا يتقدم بنا خطوة واحدة من المأزق الذي نحن فيه, فقد عشنا منذ منتصف القرن الماضي نلعب على التناقضات بين الكبار ونبتز كل قطب بالآخر, نستعين بالاتراك على الفرنجة, وبالفرنسيين على الانجليز, وبالعكس, ويقول بعضنا للامريكان: هاتوا دولارات احسن وكتاب الله تصبحوا تلاقونا شيوعيين, بينما يقول البعض الآخر للسوفييت: هاتوا طيارات احسن وحياة (الميثاق) وبيان 30 مارس نقلبها امريكاني ونطين عيشتكم.. ومع اننا اخذنا دولارات وروبلات من هؤلاء وأولئك, فضلا عما توفر لنا مما تختزنه اراضينا من ثروات طبيعية ـ وخاصة النفط ـ إلا اننا لم نستثمر ذلك الاستثمار الافضل, ولم نستطع ان نبني منه قوة ذاتية تحسن اوضاعنا نسبيا بالقياس الى الكبار, وفي حين كان صغار آخرون مثلنا, يتقدمون ويسعون لاستثمار مواردهم المحدودة, بحثنا عن مزيد من القوة, كنا نحن نبدد ما لدينا منها في مغامرات طائشة, وبينما كان العالم يتعولم, والاقوياء يتوحدون كنا نحن نتفرق ونتشرذم, ونقف محلك سر.. او نتخلف. وحين استيقظنا ذات صباح, لنفاجأ بأن اللعبة قد انتهت, ولم يعد ابتزاز الدولارات بالروبلات او العكس مجديا, عدنا لنكرر تلك الاسطوانة المشروخة التي تقول بأن الغرب هو سبب كل مصائبنا, وهو المسؤول عن تخلفنا, وانه يتآمر علينا منذ العصور الوسطى وهو ما يؤكد اننا مصابون بحالة من (البارانويا التاريخية) تجعلنا نتوهم اننا مركز اضطهاد العالم, وتعطينا ذريعة نتهرب بها من التفكير في مسؤوليتنا عما آل اليه حالنا, والتفكير في مواجهته. وذات مرة سمعت مواطنا عربيا يقول في مناظرة تلفزيونية, ان العرب والمسلمين هم الخطر الحقيقي على الغرب, وان (العولمة) ليست اكثر من مؤامرة هدفها الوحيد صد هذا الخطر, فلما سألته: على ايه يا حسره؟ نظر الى بحسره ولم يرد. ولو اننا قلبنا في دفاترنا القديمة, لتذكرنا ان حضارتنا, حين كانت مزدهرة في العصور الوسطى والقديمة, قد منحت هذه العولمة, انجازين اساسيين على الاقل هما اختراع اللغة وابتكار الكتابة لتعاملنا مع العولمة باعتبارها حلما انسانيا قديما, ساهمنا في جانب من تحقيقه, ونستطيع ان نساهم بالمزيد لو اننا استجبنا لتحديها الاستجابة المطلوبة, ولو اننا استفدنا من ايجابياتها وسعينا لتوسيع نطاقها بحيث تصبح اكثر انسانية واكثر عدلا. ومن هذه التحديات اننا لا نستطيع ان نؤثر في هذه العولمة او حتى نتلافى اثارها الضارة علينا, طالما نحن متفرقون, فالعمل العربي المشترك على كل صعيد لم يكن في اي وقت من الاوقات ضرورة حيوية كما هو الآن, والمهم ان نستفيد من تجاربنا السابقة في هذا المجال, وان ننظر اليها نظرة نقدية تخلصها من التشوش وتضفي عليها درجة من العملية والواقعية تهتم بالجوهر لا بالشكل, وتصون حقوق كل الاطراف وتتدرج بخطوات بطيئة ولكن ثابتة. ولم يعد تحديث النظام السياسي العربي, لكي يكون نظاما ديمقراطيا بشكل حقيقي, مهمة قابلة للتأجيل, فإذا كانت الخصخصة والرسملة من عيوب العولمة في رأي البعض, فإن التعددية والديمقراطية وحقوق الانسان من مزاياها التي لاشك فيها.. ومشكلتنا مع النظام العربي, هي انه يفضل ان يتخصخص من دون ان يتمقرط وان يترسمل من دون ان يلتزم بحقوق الانسان, وهي لعبة من حسن الحظ, ان فرص ممارسته لها, تضيق شيئا فشيئا, ان لم يكن بسبب التدخل العولمي المباشر, فلأن ثورة الاتصالات سوف تشيع وباء الديمقراطية بين الناس, وسوف تقضي على هؤلاء الذين يؤمنون بأن الخنوع للمستبدين المحليين ودعمهم في مواجهة اي ضغوط اجنبية هو شكل من اشكال الوطنية, وان اعطاء الاولوية للديمقراطية الاجتماعية على الديمقراطية السياسية, كفيل بتحقيق العدالة الاجتماعية بعد ان اثبتت التجربة, ان الاستبداد لا يصون استقلالا, ولا يحقق ـ على المدى الطويل ــ عدالة , وان الديمقراطية السياسية يمكن ان تجلب ديمقراطية اجتماعية, والعكس ليس صحيحا. ومع ان خطر العولمة على موروثنا الثقافي وارد, إلا ان الخطر القائم والمتحقق على هذا الموروث, ومنه, هو تخلفه, واختلاطه بكثير من الخزعبلات التي لا صلة لها باساسياته التي صنعت فترات الازدهار في حضارتنا, ولا يجوز ان يكون المرجع في تعاملنا مع الثقافة الوافدة مع رياح العولمة هو اضافته عصور الانحطاط الى موروثنا الثقافي, ففضلا عن اننا اسهمنا في صنع هذا الوافد, حين كانت حضارتنا مزدهرة فهو جزء من بضاعتنا ردت الينا, فقد آن الاوان, لتنقية موروثنا الثقافي بحيث لا يبقى منه, إلا الاساس القادر على التطور, والنافع للناس. والى ان نشرع في ذلك كله, فسوف نظل على ما نحن فيه, يتغير العالم من حولنا, ونحن حائرون, نغني خلف الست (زبيدة) الفكر تاه مني ـ اسعفيني يا دموع العين!

طباعة Email