لم يبق سوى عام واحد ويمضي العام الآخر من القرن العشرين, وفي غضون ما مضى من سنوات حدثت تبدلات وتغييرات في عدد من البلدان العربية, كان بينها ما اتصل بمتغيرات القادة , فغابت بعض وجوه من زعماء العرب, وحلت مكانها وجوه أخرى, وكان بين الذين غابوا بفعل الوفاة كل من الملك حسين ملك الاردن, وأمير البحرين الشيخ عيسى, وغاب بسبب نهاية مدة رئاسته الرئيس اللبناني الياس الهراوي, فيما سبق الجميع في الغياب أمير قطر السابق الشيخ خليفة آل ثاني بعد تطورات داخلية شهدتها قطر. وبطبيعة الحال فقد حل قادة جدد مكان من غابوا, فجاء الشيخ حمد بن خليفة مكان والده في قطر, ثم الرئيس أميل لحود مكان سابقه الرئيس الهراوي في لبنان, وتولى الأمير عبد الله بن الحسين عرش الأردن خلفا لوالده, وحل الشيخ حمد مكان والده في البحرين وأخيرا وليس آخرا حل بوتفليقة مكان زروال. ولم تقتصر التطورات بصدد القيادات الجديدة على ما حصل, بل تجاوزتها الى الحديث عن احتمالات القادة القادمين والذين سيكون مجيئهم الى السلطة في بلادهم عبر طرق وبوابات مختلفة, حيث بعضهم يأتي باعتباره وليا للعهد على نحو ما هو وضع الأمير محمد ولي عهد الملك المغربي الحسن الثاني. والحديث عن تبدلات القادة العرب ومجيء وجوه جديدة, انما يستجر حديثا آخرا, يتصل بالأعباء التي تواجه الرعيل القادم من القادة, وهم الذين ورثوا تركة ثقيلة, وهموما ومشكلات وأعباء في المستويات الداخلية والاقليمية والدولية, والتي يمكن اختصارها في جمل بسيطة مفادها وجود مشكلات عميقة سياسية واقتصادية واجتماعية في معظم البلدان, مع سوء العلاقات العربية ــ العربية, وانقسامات غير مسبوقة في الصف العربي, وتدن في مستوى الوزن الدولي للعرب, لم يسبق ان وصلوا اليه في وقت مضى, واستخفاف اسرائيلي ــ أمريكي واستهانة بالوجود العربي شعوبا ودولا بلغ مداه الأقصى. والتركة على هذا النحو تبدو ثقيلة وكبيرة, ومن سوء الحظ والقدر, ان هناك ما يتبعها, والتابع في هذا, ان الاوضاع العربية والاقليمية الى تدهور يتواصل بسبب ما تراكم في العقود الماضية من سياسات عربية من جهة وبسبب السياسات المعادية التي توجه الى البلدان العربية ولاسيما من اسرائيل والولايات المتحدة. وبفعل ذلك سيكون أمام القادة العرب الجدد عبء الماضي بكل افرازاته ونتائجه التي وصلت في بلدان عربية حدود الكارثة كما في نماذج العراق والجزائر والصومال, وحدود الأزمة المستحكمة كما في السودان والأردن واليمن وليبيا, وسيكون عليهم ايضا مواجهة أعباء المستقبل, والذي فتح العقد الأخير من القرن العشرين أبوابه في تطورات عالمية سياسية واقتصادية وتكنولوجية ستجعل من عالم القرن الحادي والعشرين مختلفا بالفعل عن كل التصورات المحتملة على غرار ما كان يجري تقديره سابقا. ورغم ان في المعطيات قليلاً مما يوحي بتغييرات مهمة في سياسة وممارسة القادة العرب القادمين, لأن القادم ابن الماضي أو السابق وليس مفصولا عنه, فان الأمل هو سمة الحياة, وربما يكون القليل المتاح قاعدة لحدوث تغييرات مهمة, ان لم يكن على صعيد العرب جميعهم, فعلى الأقل على صعيد بعض دولهم, وهذا أمر ممكن, وربما يكون متاحا بقليل من الجهد والعمل. غير ان الامر في كل الاحوال يحتاج الى احداث تبدلات مهمة, وبخاصة في موضوع العلاقات الداخلية العربية سواء في داخل كل بلد أو بين البلدان العربية, والاساسي فيما ينبغي حدوثه في اطار كل بلد هو تحقيق انفتاح سياسي ــ اقتصادي ــ اجتماعي, وثقافي, بحيث تعطي مختلف الفئات والشرائح والطبقات الاجتماعية الحق في التعبير عن نفسها عبر مؤسسات المجتمع المدني بما فيه من أحزاب وهيئات سياسية وجمعيات اجتماعية ومنتديات ثقافية, وان تتاح الفرصة الحقيقية وبصورة قانونية لتعايش التعدديات الاقتصادية بقطاعاتها الاربعة العام الذي تملكه وتديره, الدولة, والخاص الذي يملكه الافراد, والمشترك الذي يستفيد من الملكية المشتركة للدولة والافراد, اضافة الى القطاع التعاوني, وبذلك بوضع اساس لجو من التنافس الاقتصادي, يستنهض كل الامكانيات المتاحة اقتصاديا واجتماعيا, ويكون في هذا متوافقا مع الانفتاح السياسي المأمول في تفجيره للطاقات والقدرات التي يملكها المجتمع من أجل نهوضه وتقدمه. والنسق الثاني الذي لابد وان يحدث في اطار العلاقات العربية ـ العربية يشبه في بنيته ومحتواه ما هو مطلوب القيام به على الصعيد الداخلي في كل بلد, حيث من المطلوب انفتاح سياسي ـ اقتصادي واجتماعي وثقافي عربي واسع في اطار نظام اقليمي, يمكن أن يكون تجديد جامعة الدول العربية تعبيراً عنه بصورة موحدة, كما يمكن أن يعبر عنه في اعادة احياء تكتلات عربية على غرار ما هو قائم في مجلس التعاون لدول الخليج العربي وفي اتحاد دول المغرب العربي المنضوية في اطار جامعة الدول العربية, بمعنى انه من المهم ان يكون هناك اطار عربي يجمع ويشد الدول العربية الى بعضها بعضا وان يكون فاعلا في آن معا, والانفتاح هو انفتاح الدول على بعضها بكل تنوعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي, الامر الذي يعني نهاية عقود من الاختلاف والفرقة. ربما يكون صعبا على القادة العرب القادمين, أن يقوموا بكل هذه الأعباء دفعة واحدة, بل ان من المستحيل ان يتم ذلك, لكن اذا تم بناء أساس لتوجهات كهذه, فان الامر ممكن, ورغم قدم وتقليدية المثل الصيني القائل, بأن الطريق ذات الألف ميل تبدأ بخطوة, فان مضمونه ما زال صحيحا, فهل نشهد مع القادة العرب القادمين عهدا عربيا جديدا, أو على الأقل بعضاً من العهود العربية الجديدة!