ربما يكون الناس قد تعودوا على (اعتذارات) الرئيس كلينتون بعد أن أصبح مدمناً لها بسبب الظروف التي مر بها مع انفجار فضائحه الجنسية, والتي كانت أحدى وسائله لتطويق آثارها هي أن يقدم اعتذاراته المتوالية.. للشعب الامريكي, ولزوجته وابنته, وللعدالة التي حاول تضليلها, وللسيدة المهذبة (مونيكا) بطلة الفضيحة الاولى . لكن اعتذار كلينتون هذه المرة يختلف.. ولا علاقة له بالفضائح الجنسية, وهو اعتذار يفتح الباب امام تطورات هائلة في المنطقة علينا ان نراقبها وأن نبحث احتمالاتها وآثارها, وان نستعد للتعامل مع واقع جديد ورؤية مختلفة. الرئيس الامريكي فاجأ الجميع باعتذار علني لإيران, وفي حديث امام مؤتمر في الولايات المتحدة قال كلينتون إن (من المهم الاقرار بأن إيران بحكم اهميتها الجغرافية والاستراتيجية الكبيرة تعرضت على مدى عقود لكل أنواع التعديات من دول غربية عدة, ومن الضروري ان نقول للناس احيانا: من حقكم الشعور بالغضب حيال ما اقترفته بلادي أو ثقافتي أو دول أخرى حليفة تقليدية للولايات المتحدة تجاهكم خلال خمسين او ستين أو مائة أو 150 عاما) . إنه التعبير الاكثر وضوحا على الانقلاب الذي حدث ويحدث في العلاقات الامريكية الايرانية. بعد نصف قرن كانت الولايات المتحدة الامريكية لاعبا اساسيا في السياسة الايرانية.اعادت فيها الشاه لحكم ايران في بداية الخمسينات بعد حركة مصدق لترث النفوذ البريطاني هناك وتسيطر على صناعة البترول, وتدعم طموحات الشاه لكي يكون القوة المسيطرة على مصائر المنطقة. وتدفع امريكا ثمن ذلك حين يحدث الزلزال, ويسقط الشاه على يد الثورة الاسلامية بزعامة الخميني.. ورغم ان أمريكا حاولت في البداية أن تتهرب من المسؤولية عما حدث ورفضت استقبال الشاه المريض المطرود, إلا أن الميراث السياسي من ناحية, والتوجهات الجدية للنظام في إيران, والوهج الذي أحاط به في سنواته الاولى, ثم حسابات التوازن في المنطقة بوزنها الاستراتيجي وثرواتها البترولية.. كل ذلك جعل الصدام حتميا.. وهكذا اصبحت امريكا هي (الشيطان الاعظم) الذي يجب محاربته في كل مكان بينما كانت ايران ــ بالنسبة لأمريكا ــ هي مصدر الخطر والسند الأكبر للارهاب في العالم كله. وتتوالى الاحداث العاصفة.. من حصار السفارة الامريكية في طهران, الى الحرب مع العراق التي انتهت بتجرع الزعيم الخميني للسم ــ كما صور الأمر ــ وقبل ان يتم ترتيب الاوراق مرة اخرى في المنطقة في ضوء نتائج هذه الحرب المريرة التي استنزفت الجميع, كانت كارثة غزو الكويت التي قلبت الاوضاع رأسا على عقب, والتي انتهت بخروج العراق كقوة مؤثرة في المنطقة ولسنوات طويلة قادمة, بل والخوف عليها ألا تعود مرة اخرى كما كانت بعد أن اصبح خطر التقسيم يهددها والمجاعة تفتك بمستقبل اجيالها الجديدة. وكان العرب الخاسر الاكبر هذه المرة, خسروا العراق, وخسروا مئات المليارات, وخسروا التضامن العربي الذي كان ــ رغم العقبات الكثيرة ــ حائطا أخيرا في الأزمات, وخسروا وقوع المنطقة تحت السطوة الامريكية. ومع أن امريكا كانت الرابح الاكبر في هذه التطورات, الا ان ايران ايضا شاركت في جني الارباح. وبينما كان البعض يراهن على ان ايران هي الهدف التالي للاستراتيجية الامريكية, كان الواقع يسير نحو المهادنة ثم المصالحة بسرعة مدهشة. وكان انتخاب خاتمي رئىسا لإيران علامة فارقة في هذا الطريق, فقد جاء الرجل على رأس تيار معتدل منفتح على العالم, يقرأ التطورات السياسية في المنطقة وفي العالم بوعي, ويتعامل معها بذكاء. وتنفتح امام ايران ابواب كان مغلقة.. من اوروبا الى الفاتيكان التي زارها خاتمي اخيرا, ومن دمشق الى الرياض التي ستستقبله بعد أيام لكن الساحة الهامة كانت مع الولايات المتحدة الامريكية التي شهدت تطورات هامة بدأت بدبلوماسية كرة القدم والمصارعة, ووصلت الآن الى الاعتذار العلني الهام من الرئيس كلينتون للشعب الايراني. رسالة الاعتذار تعني أولا.. نهاية سياسة (الاحتواء المزدوج) التي كانت تمارسها الولايات المتحدة في الفترة الاخيرة مع ايران من جانب والعراق من جانب آخر. الان اصبح الهدف الامريكي هو (تحرير) العراق أي اسقاط النظام الحاكم, و(تغيير) إيران.. ليس بالقوة وإنما بتشجيع القيادات التى تؤيد الانفتاح على العالم وامريكا في الاساس. ومن هنا يقول كلينتون في اعتذاره العلني: يجب ان نتوصل الى سبيل لبدء الحوار, فانكار كل شيء ليس الطريقة المثلى للتحدث الى من كان خصما لك ومع بلد قلق على استقلال وسيادة اراضيه كايران. بالطبع لم يستيقظ ضمير كلينتون فجأة, ولا علاقة للامر بالقضايا الاخلاقية, ولا بإدمان الرئيس الامريكي لفن الاعتراف, ولكنها مصالح القوة الاعظم ورؤيتها لمستقبل هذا الجزء من العالم. انه ليس فقط اعترافا بالخطأ عن الماضي ولكنه اعتراف بدور لايران في الحاضر والمستقبل وبضرورة الحوار حوله من اجل التنسيق وربما ما هو اكثر. هنا قضية مستقبل العراق ـ وما تخطط له واشنطن ـ وهو امر سوف يساعد فيه موقف متفهم من طهران يسهل المهمة ويمنع التداعيات من ان تمتد خاصة بالنسبة لجنوب العراق. وهناك قضية الامن في المنطقة, وضرورة ابعادها عن التوترات الاقليمية والدولية والنزاعات المحلية بقدر الامكان, وبمشاركة من كل القوى في المنطقة ربما يحفظ حقوقها وسيادتها واستقرارها. وهناك قضية دول وسط آسيا التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, والتي تعوم على بحر من البترول قد يصبح اكبر احتياطي عالمي خلال سنوات بالاضافة الى مخزون هائل من المعادن الاستراتيجية. والمتوقع ان تكون هذه المنطقة بؤرة للصراع الدولي في السنوات القادمة خاصة اذا استعادت روسيا بعض عافيتها, ومن مصلحة امريكا ان تجد موقفا متعاونا من ايران ليتوازن ويتكامل في وقت واحد مع الموقف التركي بكل امتداداته العرقية والدينية والقومية. والاسباب كثيرة وراء الاقتراب الامريكي من قضية ايران والاعتذار العلني من الرئيس كلينتون في هذا الوقت بالذات, وهو امر سوف تكون له انعكاساته وآثاره على الموقف في المنطقة ويستوجب الدراسة المتعمقة لكل ذلك من اجل صياغة موقف عربي يستفيد من الايجابيات ويتحاشى السلبيات ويحاصر آثارها. ** ويبقى سؤال اظن ان من حقنا ان نسأله لانفسنا وللآخرين فنقول: ومتى يأتي اليوم الذي يعتذرون فيه للعرب عما لحق بهم على مر السنوات؟ متى يأتي اليوم الذي يعتذر فيه رئيس امريكا للعرب عما اقترفته بلاده او ثقافته او دول اخرى حليفة للولايات المتحدة تجاه العرب.. كما حدث مع ايران؟ ان ميراثنا من الغرب ـ الذي يتحدث الرئيس الامريكي باسمه ـ طويل وبشع ويفوق في آثاره ما لحق بمعظم شعوب العالم فمتى يعتذرون عنه؟ متى يعتذرون عن سنوات طويلة من الاستعمار البشع الذي شمل كل الارض العربية من الخليج الى المحيط, تم فيها نهب الثروات واستعباد الملايين, وقهر الثقافة العربية ومحاولة فرض لغة وثقافة المستعمر. متى يعتذرون عن سنوات اعتبروا فيها رفضنا للتبعية جريمة, ومناداتنا بالحياد الايجابي ورفض الاحلاف الاجنبية المشبوهة ذنبا لا يغتفر, وجهودنا للتنمية الاقتصادية خطراً عليهم, وتنفيذ مشروع كالسد العالي في مصر تهديداً يجب ايقافه! ومتى يعذرون عن حرب السويس التي تآمروا فيها مع اسرائيل لكي يستعيدوا قناة السويس التي اممتها مصر بعد سنوات كانت فيها دولة داخل الدولة, وكانت ايراداتها تذهب للاجانب وهي التي بنيت بدماء المصريين؟! ومتى يعتذرون عن جريمة اقامة اسرائيل على ارض فلسطين العربية وارغام العرب على دفع ثمن جرائم الغرب في اضطهاد اليهود, بجريمة اشد وهي تشريد شعب كامل من وطنه ليقوم هذا الكيان العنصري شوكة في قلب العرب وتهديدا مستمراً لامنهم واستقرارهم, ونزيفا دائما لثرواتهم وقدراتهم؟ ومتى يعتذرون عن خمسين عاما من الدعم المستمر لهذه العصابات التي حولوها الى دولة, وامدوها بالمال والسلاح والمهاجرين الذين يتحولون الى بناة للمستعمرات على ارض فلسطين العربية, وجنود للعدوان على الدول المجاورة التي مازالوا يحتلون اجزاء منها في لبنان والجولان؟ ومتى يعتذرون عن دعم انظمة فاسدة قمعت شعوبنا, وتدريب وتمويل جماعات الارهاب التي اطلقوها في بعض اقطارنا, وحرب التجويع التي يشنونها على شعوب لا ذنب لها الا ان امريكا ارادت.. فكان لها ما ارادت؟ متى يعتذرون عن كل ما سببوه لنا من شقاء وألم وإفقار ومعاناة على مدى مئات السنين؟ الاجابة ببساطة ان احدا لا يتبرع بالاعتذار, ولكن موازين القوى هي التي تفرضه, وتأمين المصالح هو الذي يستوجبه. والى ان نمتلك القوة التي تسترد الحقوق وتحفظ الكرامة, والى ان يفهم (الاخرون) اننا قادرون على تهديد مصالحهم إذا لم يحترموا مصالحنا, الى ان يحدث ذلك فالوضع الطبيعي هو ان نكون نحن هم المطالبون بالاعتذار في كل يوم, ولانفسهم قبل ان يعتذروا للآخرين!